من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)
حاله-﵀ (٢١)
-:
هو رافع راية الأدب في عصره، ومن بزّ بالثروة أعلام مصره.
وله معرفة بالطريقة الصوفية، وسلوك في معانيها الجليلة. وكان وجيها عند الملوك، ومعظما عند المالك والمملوك.
أنشدني لنفسه:
سرت والدّجى لم يبق إلا يسيرهانسيم صبا يحيي القلوب مسيرها
ومرّت بنا من نحو رامة نفحةأعادت مرير العيش حلوا مرورها
تنشّقتها مستمنحا عرف عرفهافعبّر عن طيب الحبيب عبيرها
أسرّت بقلبي من سريرة حبّهحديثا سرى منه لنفسي سرورها
فلله ما أندى على القلب سيرهاوأطيب ما أدّى إليه سفيرها
ولم ندر إذ ملنا نشاوى بروحهاأريح شمال أم شمول نديرها!
سقى سفح ذياك الحمى بسوافحمن الدّمع آثار الدّموع منيرها
عهدنا ظباء الإنس فيه سوانحاوأصيدها للصّائدين نفورها
وحيّا الحيا بالخيف دارا منيفةزهت بقصور الشّهب عنها قصورها
فكم ليث غيل غاله سرب غيلهاومن ذي غرار قد سباه غريرها!
وكم في ذراها من دم طلّ ثارهلذي فتن سحر العيون مثيرها
وكانت لأرباب الصّبابة والصّباعراصا تفدّى بالنّفوس عصورها!
وكانت ليالينا بها كلآلئتروق النّهى آصالها وبكورها
فمسرحنا عند الرّواح مرادهاوموردنا عند الغدوّ غديرها
وبين ظلال الضال منها مقيلناإذا ما حكى نيران هجر هجيرها
وبين جنّي النّور من سمراتهاجنى الأنس من نجوى نوار سميرها
فآها عليها من معاهد لم تدعسوى حرق، بالذّكر يذكى زفيرها
وما راعني إلا دعاة ببينهميشبّه عندي بالنّعيّ بشيرها
سروا بقلوب العاشقين وخلّفواجسوما كأطلال الرّبوع صدورها
كأن قلوبا في حماهم حوائماخوافق طير فارقتها وكورها
كأن المطايا وسط لجّة آلهاسفائن تبدو كالشّراع خدورها
وفي الكلّة الحمراء حوراء لو بدتلثكلى لولّى ثكلها وثبورها
ممنّعة ليست لها من سوى القناخيام ومن بين الصّفاح ستورها
فما بسوى صدق الغرام أرومهاولا بسوى زور الخيال أزورها!
وأنشدني-أيضا-لنفسه:
وجدي بكم ليس يبقى، لا ولا يذروالصّبر عنكم على حكم النوى صبر
يا غائبين ومالي غيرهم وطرأهكذا تنقضي الأيام والعمر
ولا-للقياكم عين ولا أثر
سقيا لعهد ليالينا التي انصرمتكانت لآلئ في سلك المنى التأمت
حلّت عراها يد الأيام فانفصمتكنّا فرائد في عقد قد انتظمت
فأصبح العقد منا وهو منتثر
أسراركم في صميم القلب مودعةمصونة وعن الواشي ممنّعة
ومذ بعدتم فما في العيش منفعةيا ليت شعري والآمال مطمعة
هل يستعيد ليالي وصلنا القدر
يا ليت شعري هل للملتقى سبببهائم ماله في غيركم أرب؟
... المنسدل الأطناب. ومعدن الندى الأصلي المنسكب السحاب. القاضي الفقيه الأوحد، الذي فضائله لا تجحد، الحافل. الكامل، الصدر، العدل النزيه، السليم الصدر. علم الأعلام، حجة الإسلام أبي محمد الأوربي (*) خصهم الله من المسرات بأضفاها جلبابا، وفتح بهم إلى السّعود بالصعود أبوابا:
ومن مثل قاضيهم ندى وتكرّماوهل هو إلا النّيل نائله غمر
فشتّان ما بين البحار وبينهفمورده عذب وموردها مرّ!
جعل الله تعالى في عمره البركة، وقرن له بالسعد كل سكون وحركة. فلقد أحسن إلينا وجاد، وأنعم علينا فأجاد. فانتظم شملنا بإحسانهم الغمر واتسق. وانعطفت علينا مواهبهم الجزيلة عطف بيان ونسق. فأصبح -بحمد الله-ما رسمه خط الفيض في صفحات نفوسنا ممحوا براحة البسط والعافية، وأمست رسوم الاحتياج دارسة عافية. ولنرجع مع أخينا في الله ﷿-إلى الكلام الأول الذي هو المقصود وعليه العمل والمعول.
فنشهد الله لقد فاق نظم الحريري في رصفه ووصفه دركي؛ لاشتماله من جواهر العلوم على أعظمها خطرا، وانطوائه من رقوم الأدوات على أشرفها نظرا.
فلله دركم لقد بلغتم من الشعر الرائق اللائق بالمحل ما كان له أهلا! فلكم من الغارات على الأشعار ومبانيها، والفصول المستوحاة ومعانيها المحل الأعلى.
فمثلكم من برز في ميدان المسابقة بالرسائل، وهز خطّية الخط لالتئام المؤاخاة وسائل. ودل سائله على كنز الندى ومعدن الجدا فنجح دالّ وسائل. فالدال على الخير كفاعله. فلا خاب ببركة الله قصد لمنيله ونائله.
لأنت أجلّ أخ يعتقدوأذكى أديب بهذا البلد
فرد مورد العين فيمن وردودع كل من قام أو من قعد
ولا تلتفت غير من بابه (؟به العزّ يبلغه من قصد
وكن حازما واختلس وافترسفما الافتراس يخاف الأسد
ويعلم تعالى لمبادرتنا بالجواب على مكاتبكم آكد في النفس من اجتذاب النفس الذي به حياتها وقيامها، ومنه غذاؤها وقوامها. ولقد شرعنا فيه ساعة إراءته كراهية التكاسل عن التراسل، والتراخي عن القيام بحق التواخي فاقتضبناه في غاية الاستعجال، واختصرناه كراهية التطوال. وانتقينا درره من اللغة الفصيحة استثقال الأجنبية. ونزهناه عن المعاني الغامضة واللغات الوحشية، اقتفاء لآثار الفصحاء من الأوائل والأواخر. واقتداء بما أشار إليه الشاعر:
تخيّر لنظمك سهل الكلاموجنّبه حوشيّه والسلام
فخير الكلام الجليّ الذيإذا قيل لم يفتقر للكلام!
فلكم الفضل في الإغضاء لعجالة هذه المكاتبة، فهي على وجه المباسطة والمداعبة. فمداعبتكم عندنا أحلى من مجاج النحل، وأشهى من بواكر النخل وكيف لا؟ وقد جمعنا الله-سبحانه-على مراضيه وأسعدنا بما قضاه. ونرجو أن يسعدنا بما هو قاضيه، فتثلج صدور لانتظام سلكنا وانتظام إخائنا الصريح، وتلهج قلوب لخلوص ودادنا الذي حديثه من الحسن الصحيح. وبنعمة يبلى الجديدان ولها جدة. وتنضب الموارد، وهي من فيض فضل الله تعالى مستمدة. وهذا آخر الكلام، وعليكم معادا منّا السلام.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع