تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

المتوكل على الله (٢)

(الترجمة رقم:، ص:، س:، بعد قوله: سنة)

وكان سبب البيعة إنه لما توفي الواثق حضر الدار أحمد بن أبي دواد وايتاخ ووصيف ومحمد بن عبد الملك الزيات وعزموا على البيعة لمحمد بن الواثق؛ فأحضره وهو غلام أمرد قصير، فألبسوه دراعة سوداء وقلنسوة رصافية، فإذا هو قصير، فقال لهم وصيف: أما تتقون الله تولون مثل هذا الخلافة وهو لا تجوز معه الصلاة يعني لصغره -. فتناظروا فيمن يولونها، فذكر أحمد بن أبي دواد جعفراً أخا الواثق، فأحضره، فقام أحمد فألبسه الطويلة وعممه وقبله بين عينيه وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ وأراد ابن الزيات أن يلقبه المنتصر فقال أحمد بن أبي دواد: قد رأيت لقباً أرجو أن يكون موافقاً وهو المتوكل على الله، فأمر بإمضائه وكتب به إلى الآفاق؛ وقيل: بل رأى المتوكل في منامه قبل أن يستخلف كأن سكراً ينزل عليه من السماء مكتوب عليه " المتوكل على الله "، فقصها على أصحابه فقالوا: هي والله الخلافة، فبلغ ذلك الواثق فحبسه، وضيق عليه ويقال إنه كان يغلو في بغض علي، رضوان الله عليه.

(آيا صوفيا: ب)

المتوكل على الله

(الترجمة رقم:، ص:، س:، بعد قوله: رحمها الله تعالى)

واصطبح المتوكل يوماً فأمر بإحضار الحسين الخليع، وكان قد كبر وضعف، فحمل إليه في محفة حتى وضع بين يديه، فسلم بالخلافة، وعلى رأس المتوكل شفيع يرفل في قراطق ممنطق بمنطقة ذهب وفي يده قهوة حمراء يتلألأ نورها وبين يديه طبقان مرصعان بورد أحمر وأبيض؛ فأمر شفيعاً أن يناول

الحسين رطلاً ويحييه بوردة ويلاعبه، فناوله شفيع رطلاً فشربه، ثم حياه بوردة وقرص يده فقال:

وكالوردة الحمراء حيا بأحمرمن الورد يسعى في قراطق كالورد
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
له عبثات عند كل تحيةٍبعينيه تستدعي الخلي إلى الوجد
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة

سقى الله دهراً لم [أبت] فيه ليلة ... من الدهر إلا من حبيب على وعد فضحك المتوكل وطرب وقال: أحسنت والله يا حسين، سل ما شئت، فقال: يأذن أمير المؤمنين في الانصراف، قال: حدثني بحديث في الورد يكون مختصراً، قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ بلغني أن الورد فيما مضى من سالف الدهر كان كله أبيض، وأن قضيبي ورد تعاشقا، فغمز أحدهما صاحبه فأحمر المغموز خجلاً، فمنه حمرة الورد إلى هذه الغاية؛ فضحك المتوكل حتى استلقى، وأمر بحمله إلى منزله، وحملت معه أربعة آلاف دينار.

ورمى المتوكل عصفوراً فأخطأه، فقال ابن حمدون: أحسنت يا أمير المؤمنين، قال: أتهزأ بي كيف أحسنت قال: إلى العصفور يا مولاي، قال: لقد دققت النظر.

وقال المتوكل لزنام الزامر: تأهب للخروج معي إلى دمشق، فقال: يا أمير المؤمنين، الناي في كمي والريح في فمي.

قال عبد الأعلى بن عباد النرسي: دخلت على المتوكل فقربني وألزمني وقال: قد كنا هممنا لك بمعروف فتدافعت الأيام، فقلت: أحسن الله جزاء أمير المؤمنين على حسن نيته وكرم طويته، أفلا أنشدتك لبعض الشعراء شيئاً في مثل هذا قال: بلى، فأنشدته:

لأشكرنك معروفاً هممت بهإن اهتمامك بالمعروف معروف
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
ولا ألومك إن لم تمضه قدراًفالشيء بالقدر المحتوم مصروف فقال: يا غلام، دواة وقرطاس، فكتبهما بيده

ورأى الفتح بن خاقان في لحية المتوكل شيئاً، فلم يمسه بيده ولا قال له شيئاً

لكنه نادى يا غلام، مرآة أمير المؤمنين، فجيء بها، فقابل بها وجهه حتى أخذ ذلك الشيء بيده.

ومن عجائب الظفر ما حكاه الصولي أن المتوكل قال: ركبت إلى دار الواثق أزوره في مرضه الذي مات فيه، فدخلت الدار وجلست في الدهليز ليؤذن لي، فسمعت بكاء بنياحة تشعر بموته، فتحسست وإذا ايتاخ ومحمد بن عبد الملك الزيات يأتمران فيّ، فقال محمد: نقتله في التنور، وقال ايتاخ: بل ندعه في الماء البارد حتى يموت ولا يرى عليه أثر القتل. فبينا هم كذلك إذ جاء أحمد بن أبي داود وكان القاضي يومئذ فمنعه الخدام الدخول، فدافعهم حتى دخل، فجعل يحدثهما بما لا أعقله لما داخلني من الخوف واشتغال القلب بإعمال الحيلة في الهرب والخلاص مما ائتمر به فيّ. فبينا أنا كذلك، إذ خرج الغلمان يتعادون إليّ ويقولون: انهض يا مولانا، فما شككت أن أدخل وأبايع ولد الواثق وينفذ فيّ ما قد قرر. فدخلت فلقيني أحمد بن أبي دواد، فقبل يدي وأمسكهما إلى أن أتي السرير وقال لي: اصعد إلى المكان الذي أهلك الله له؛ فلما صعدت وجلست سلم عليّ بالخلافة، وجاء محمد بن عبد الملك الزيات وايتاخ فسلما علي أيضاً، ثم دخل القواد فسلموا، ثم الناس على طبقاتهم. فلما انقضت المبايعة بقيت متعجباً مما اتفق مع ما سمعته من كلام الزيات وايتاخ، فسألت عن الحال كيف جرى، فقيل لي: بينا محمد وايتاخ في تقرير ما سمعته، إذ دخل عليهما ابن أبي دواد فسلم ثم قال: أنا رسول المسلمين إليكما وهم يقرءون السلام عليكما ويقولون لكما: قد بلغنا وفاة إمامنا وعند الله نحتسبه، وأنتما المنظور إليكما في هذا الأمر، فمن اخترتما لإمامتنا فقالا: محمداً ابنه، فقال: بخ بخ، ابن أمير المؤمنين إلا أنه صغير لا يصلح للإمامة؛ فمن غيره قالا: فلان وفلان، وعدّا جماعة، إلى أن قالا: وجعفر بن المعتصم، فقال: رضي المسلمون، اصفقا على يدي، فصفقا، ثم أرسل إليّ، فكان ما أرى، قال المتوكل: فبقي ما قاله ابن الزيات وايتاخ في نفسي فقتلتهما بما اعتزما به على قتلي، فقتلت ابن الزيات في التنور وإيتاخ بالماء البارد.

ولما قتل الأتراك المتوكل بمواطأة ابنه المنتصر وأفضى الأمر بعده وبعد

المستعين إلى المعتز، لم تزل أمه قبيحة تحرضه على الإيقاع بقتلة أبيه، فكان يمنيها ذلك ويعلم أنه لا يقوى بهم مع شدة شوكتهم، فأبرزت قبيحة يوماً للمعتز قميص المتوكل الذي قتل وضرج بدمه وجعلت تبكي وتحرضه على الطلب بدمه، فقال: يا أمي، أرفعي وإلا صار القميص قميصين؛ فعندها أمسكت ولم تعد.

(آيا صوفيا: أ أ)

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حَرف الجيم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.