من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
الطغرائي
ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن الطغرائي؟
السيد فخر الكتاب أبو إسماعيل الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد الملقب مؤيد الدين الأصبهاني المنشئ المعروف بالطغرائي؛ كان غزير الفضل لطيف الطبع، فاق أهل عصره بصنعة النظم والنثر.
ذكره أبو سعد ابن السمعاني في نسبة المنشئ من كتاب " الأنساب "، وأثنى عليه، وأورد قطعة من شعره في صفة الشمعة، وذكر أنه قتل في سنة خمس عشرة وخمسمائة.
والطغرائي المذكور له ديوان شعر جيد، ومن محاسن شعره قصيدته المعروفة بلامية العجم، وكان عملها ببغداد في سنة خمس وخمسمائة يصف حاله ويشكو زمانه، وهي التي أولها:
أصالة الرأي صانتني عن الخطلوحلية الفضل زانتني لدى العطل
[مجدي أخيراً ومجدي أولاً شرعوالشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل
فيم الإقامة بالزوراء لا سكنيبها ولا ناقتي فيها ولا جملي
ناء عن الأهل صفر الكف منفردكالسيف عري متناه عن الخلل
فلا صديق إليه مشتكى حزنيولا أنيس إليه منتهى جذلي
طال اغترابي حتى حن راحلتيورحلها وقرى العسالة الذبل
وضج من لغب نضوي وعج لمايلقى ركابي ولح الركب في عذلي
أريد بسطة كف أستعين بهاعلى قضاء حقوق للعلا قبلي
والدهر يعكس آمالي ويقنعنيمن الغنيمة بعد الكد بالقفل
وذي شطاط كصدر الرمح معتقلبمثله غير هياب ولا وكل
حلو الفكاهة مر الجد قد مزجتبشدة البأس منه رقة الغزل
طردت سرح الكرى عن ورد مقلتهوالليل أغرى سوام النوم بالمقل
والركب ميل على اكوار من طربصاح وآخر من خمر الهوى ثمل
فقلت أدعوك للجلى لتنصرنيوأنت تخذلني في الحادث الجلل
تنام عيني وعين النجم ساهرةوتستحيل وصبغ الليل لم يحل
فهل تعين على غي هممت بهوالغي يزجر أحياناً عن الفشل
إني أريد طروق الحي من إضموقد حماه رماة من بين ثعل
يحمون بالبيض والسمر اللدان بهسود الغدائر حمر الحلي والحلل
فسر بنا في ذمام الليل معتسفاًفنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل
فالحب حيث العدا والأسد رابضةحول الكناس لها غاب من الأسل
نؤم ناشئة بالجزع قد سقيتنصالها بمياه الغنج والكحل
قد زاد طيب أحاديث الكرام بهاما بالكرائم من جبن ومن بخل
تبيت نار الهوى منهن في كبدحرى ونار القرى منهم على قلل
يقتلن أنضاء حب لا حراك بهاوينحرون كرام الخيل والإبل
يشفى لديغ العوالي في بيوتهمبنهلة من غدير الخمر والعسل
لعل إلمامة بالجزع ثانيةيدب منها نسيم البرء في عللي
لا أكره الطعنة النجلاء قد شفعتبرشقة من نبال الأعين النجل
ولا أهاب الصفاح البيض تسعدنيباللمح من خلل الأستار والكلل
ولا أخل بغزلان تغازلنيولو دهتني أسود الغيل بالغيل
حب السلامة يثني هم صاحبهعن المعالي ويغري المرء بالكسل
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقاًفي الأرض أو سلماً في الجو واعتزل
ودع غمار العلا للمقدمين علىركوبها واقتنع منهن بالبلل
رضى الذليل بخفض العيش مسكنةوالعز تحت رسيم الأينق الذلل
فادرأ بها في نحور البيد حافلةمعارضات مثاني اللجم بالجدل
إن العلا حدثتني وهي صادقةفيما تحدث أن العز في النقل
لو أن في شرف المأوى بلوغ منىلم تبرح الشمس يوماً دارة الحمل
أهبت بالحظ لو ناديت مستمعاًوالحظ عني بالجهال في شغل
لعله إن بدا فضلي ونقصهملعينه نام عنهم أو تنبه لي
أعلل النفس بالآمال أرقبهاما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
لم أرض بالعيش والأيام مقبلةفكيف أرضى وقد ولت على عجل
غالى بنفسي عرفاني بقيمتهافصنتها عن رخيص القدر مبتذل
وعادة النصل أن يزهى بجوهرهوليس يعمل إلا في يدي بطل
ما كنت أوثر أن يمتد بي زمنيحتى أرى دولة الأوغاد والسفل
تقدمتني أناس كان شوطهموراء خطوي إذ أمشي على مهل
هذا جزاء امرئ أقرانه درجوامن قبله فتمنى فسحة الأجل
وإن علاني من دوني فلا عجبلي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
فاصبر لها غير محتال ولا ضجرفي حادث الدهر ما يغني عن الحيل
أعدى عدوك أدنى من وثقت بهفحاذر الناس واصحبهم على دخل
وحسن ظنك بالأيام معجزةفظن شراً وكن منها على وجل
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجتمسافة الخلف بين القول العمل
وشان صدقك عند الناس كذبهموهل يطابق معوج بمعتدل
إن كان ينجع شيء في ثباتهمعلى العهود فسبقُ السيف للعذَل
يا وارداً سؤر عيش كله كدرأنفقت صفوك في أيامك الأول
فيم اقتحامك لج البحر تركبهوأنت يكفيك منه مصة الوشل
ملك القناعة لا يخشى عليه ولايحتاج فيه إلى الأنصار والحول
ترجو البقاء بدار لا ثبات لهافهل سمعت بظل غير منتقل
ويا خبيراً على الأسرار مطلعاًأصمت ففي الصمت منجاة من الزلل
قد رشحوك لأمر لو فطنت لهفاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل ومن رقيق شعره قوله:
يا قلب مالك والهوى من بعد ماطاب السلو وأقصر العشاق
أو ما بدا لك في الإفاقة والألىنازعتهم كأس الغرام أفاقوا
مرض النسيم وصح والداء الذيتشكوه لا يرجى له إفراق
وهذا خفوق البرق والقلب الذيتطوى عليه أضالعي خفاق وله أيضاً:
أجما البكا يا مقلتي فإنناعلى موعد للبين لا شك واقع
إذا جمع العشاق موعدهم غداًفواخجلتا إن لم تعني مدامعي ومن شعره:
ولا غرو إن أهديت من فيض برهإليه قليلاً ليس يعتده نزرا
فإني رأيت الغيم يحمل ماءهمن البحر غمراً ثم يهدي له قطرا ومن شعره:
لا تحقرن الرأي وهو موافقحكم الصواب وإن بدا من ناقص
فالدر وهو أجل شيء يقتنىما حط رتبته هوان الغائص وله أيضاً:
أخاك أخاك فهو أجل ذخرإذا نابتك نايبة الزمان
وإن رابت إساءته فهبهالما فيه من الشيم الحسان
تريد مهذباً لا غش فيهوهل عود يفوح بلا دخان ومن شعره:
ما فلان: إلا كجيفة ميتوالضرورات أحوجتنا إليه
فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم في الكتاب عليه وله من أبيات:
لا غرو إن حزت المروءة والتقىوالدين والدنيا لم تتصدع
إن النواظر والقلوب صغيرةتحوي الكبيرة وليس بالمستبدع وله:
جامل أخاك إذا استربت بودهوانظر به عقب الزمان يعاد
فإن استمر على الفساد فخله ... فالعضو يقطع للفساد الزائد وذكره أبو المعالي الحظيري في كتاب " زينة الدهر " وذكر له مقاطيع، وذكره أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " وقال: إنه ولي الوزارة بمدينة إربل مدة، وذكر العماد الكاتب في كتاب " نصرة الفترة وعصرة الفطرة " - وهو تاريخ الدولة السلجوقية - أن الطغرائي المذكور كان ينعت بالأستاذ، وكان وزير السلطان مسعود بن محمد السلجوقي بالموصل، وأنه لما جرى المصاف بينه وبين أخيه السلطان محمود بالقرب من همذان وكانت النصرة لمحمود، فأول من أخذ الأستاذ أبو إسماعيل وزير مسعود، فأخبر به وزير محمود، وهو الكمال نظام الدين أو طالب علي بن أحمد بن حرب السميرمي، فقال الشهاب أسعد - وكان طغرائياً في ذلك الوقت نيابة عن النصير الكاتب -: هذا الرجل ملحد، يعني الأستاذ، فقال وزير محمود: من يكن ملحداً يقتل، فقتل ظلماً.
وقد كانوا خافوا منه، ولا قبل عليه لفضله، فاعتدوا قتله بهذه الحجة، وكانت هذه الواقعة سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وقيل إنه قتل سنة أربع عشرة، وقيل ثماني عشرة، وقد جاوز ستين سنة، وفي شعره ما يدل على أنه بلغ سبعاً وخمسين سنة لأنه قال وقد جاءه مولود:
هذا الصغير الذي وافى على كبريأقر عيني ولكن زاد في فكري
سبع وخمسون لو مرت على حجر ... لبان تأثيرها في صفحة الحجر والله تعالى أعلم بما عاش بعد ذلك، رحمه الله تعالى.
وقتل الكمال السميرمي الوزير المذكور يوم الثلاثاء سلخ صفر سنة ست عشرة وخمسمائة في السوق ببغداد عند المدرسة النظامية، وقيل: قتله عبد أسود كان للطغرائي المذكور، لأنه قتل أستاذه.
والطغرائي - بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة وفتح الراء وبعدها الف مقصورة - هذه النسبة إلى من يكتب الطغري، وهي الطرة التي تكتب في أعلى الكتب فوق البسملة بالقلم الغليظ، ومضمونها نعوت الملك الذي صدر الكتاب عنه، وهي لفظة أعجمية.
والسميرمي - بضم السين المهملة وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء ثم ميم - هذه النسبة إلى سميرم، وهي بلدة بين أصبهان وشيراز، وهي آخر حدود أصبهان.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع