من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
سالم الخاسر
أبو عمر سالم الشاعر عرف بالخاسر؛ يقال إنه مولى أبي بكر الصديق، وقيل بل مولى المهدي، وهو سالم بن عمرو بن حماد بن عطاء بن ياسر، هكذا نسبه أحمد ابن أبي طاهر، وسمي الخاسر لكونه باع مصحفاً واشترى بثمنه طنبوراً. قدم بغداد ومدح المهدي والهادي والبرامكة، وكان على طريقة غير مرضية من المجون والتظاهر بالخلاعة والفسوق.
وكان سالم المذكور قد مدح المهدي بقصيدة منها:
حضر الرحيل وشدت الأحداجوحدا بهن مشمر مزعاج
شربت بمكة في ذرى بطحائها ... ماء النبوة ليس فيه مزاج وكان المهدي أعطى مروان بن أبي حفصة مائة ألف درهم بقصيدته التي أولها:
طرقتك زائرة فحي خيالها ... فأراد أن ينقص سالماً من هذه الجائزة فحلف سالم أن لا يأخذ إلا مائة ألف وقال: تطرح القصيدتان إلى أهل العلم حتى يخبروا بتقدم قصيدتي؛ فأنفذ له المهدي مائة ألف درهم وألف درهم، وكان هذا ماله.
وكان ينتمي إلى ولاء تيم بن مرة من قريش، فلما بلغ زمن الرشيد، وكان الرشيد قد بايع لمحمد بن زبيدة، يعني ولده الأمين، قال قصيدته التي أولها:
قل للمنازل بالكثيب الاعفرأسقيت غادية السحاب الممطر
قد بايع الثقلان مهدي الهدى ... لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر فحشت زبيدة فاه دراً فباعه بعشرين ألف دينار. وتقدم لمروان بن أبي حفصة مع زبيدة مثل ذلك في حرف الزاي.
ومات سالم في أيام الرشيد وقد اجتمع عنده ستة وثلاثون ألف دينار، فاودعها أبا السمراء الغساني فبقيت عنده، وإن إبراهيم الموصلي دخل يوماً على الرشيد وغناه فأطربه فقال: سل ما شئت، قال: نعم يا سيدي، أسأل شيئاً لا يزرأك، قال: ما هو قال: مات سالم وليس له وارث وخلف ستة وثلاثين ألف دينار عند أبي السمراء الغساني، تأمره أن يدفعها إلي، فتسلمها.
وكان الجماز قدم هو وأبوه يطالبان بميراث سالم بأنهما من قرابته. وذكروا أنه لما قال أبو العتاهية:
تعالى الله يا سلم بن عمروأذل الحرص أعناق الرجال
غضب سالم وقال: يزعم أني حريض وقال يرد عليه:
ما أقبح التزهيد من واعظيزهد الناس ولا يزهد
لو كان في تزهيده صادقاًأضحى وأمسى بيته المسجد
ويرفض الدنيا ولم يقنهاولم يكن يسعى ويسترفد
يخاف أن تنفد أرزاقهوالرزق عند الله لا ينفد
والرزق مقسوم على من ترىيناله الأبيض والأسود
كل يوفى رزقه كاملاً ... من كف عن جهد ومن يجهد وكان سالم من الشعراء المجيدين من تلامذة بشار، وصار يقول أرق من شعر بشار. وكان بشار قد قال:
من راقب الناس لم يظفر بحاجتهوفاز بالطيبات الفاتك اللهج وقال سالم:
من راقب الناس مات غماً ... وفاز باللذة الجسور فغضب بشار وقال: ذهب والله بيتي؛ يأخذ المعاني التي تعبت فيها فيكسوها ألفاظاً أخف من ألفاظي، لا أرضى عنه، فما زالوا يسألونه حتى رضي عنه.
وقال أبو معاذ النميري: رأيت بشاراً لما قال هذا البيت وهو يلهج به كثيراً:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... البيت ... قلت: يا أبا معاذ، قد قال سالم الخاسر بيتاً في هذا المعنى هو أخف من هذا، وأنشدته:
من راقب الناس مات غماًفقال: ذهب والله بيتي، والله لا أكلت اليوم شيئاً ولا صمت
وكانت وفاة سالم المذكور سنة ست وثمانين ومائة، رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع