من «الكتيبة الكامنة فيمن لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
الكتيبة الكامنة (٢)
الخطيب الأستاذ أبو سعيد فرج بن قاسم بن احمد بن لب
التغلبي، وهو لهذا العهد بقيد الحياة:
هذا الرجل توكئ عليه لما عدم الزمان الوساد، وخلت الديار فساد، وخلف ثعلبانه الاساد، لم يستند إلى ابوة ترعى، ولا ناظر عن اصل الأصالة فرعا، انما هو اكتساب لا انتساب، ونجابة لم يقع عليها حساب، جعلت العلم درجا، واجبلت عليه بسببه فرجا، فنالت من أهلها ما اشتهت، واستأثرت بجنى السحوق، الجامحة عن اللحوق، وقد زهت، حتى إذا حصل المطلوب، واطمأنت بتحصيل الغاية القلوب، ودرت الحلوب غلب الهوى المغلوب، فبدا له، وحطت الحال الصالحة لادالة، وعزلت الجرحة العدالة، وساء الاعتقاد، وعظم من الناس الانتقاد، ونيطت الهنات، وهدمت الصروح المبتناة، وفكت الألسن العناة، وقبحت من بعد المشيب القالة، وشهدت بفساد المعاملة الأولى هذه الاستقالة، والشيخ
لا يبالي بعذل، في مهاودة الطبع الخاذل، وليس بأول من ابق، وفك الربق، واعجبه أصيل العمر فاغتبق. ولله القائل:
وقالوا: أتلهو والشباب قد انقضىوعمرك قد ولى ولم يبق طائل
فقلت: أصيل العمر ما قد بلغته ... وأطيب أوقات النهار الأصائل وما عسى ان يجدي التانيب، وقد شرد الجنيب ﴿الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب﴾ (الشورى:) وهو وان ضل عن هدى، واصبح في هواه مجتهدا، فمحله من الطلب لا ينكره ذو حب صاف، ولا مدعي اتصاف بوصف انصاف، ويلم بالنظر أحيانا، ويبين عن أغراضه بيانا، راجع الله به. فمن شعره:
خذوا للهوى من قلبي اليوم ما أبقىفما زال قلبي كله للهوى رقا
دعوا القلب يصلي في لظى الوجد نارهفنار الهوى الكبرى هو الأشقى
سلوا اليوم أهل الوجد ماذا لقوا بهفكل الذين يلقون من بعض ما ألقى
فان كان عبد يسال العتق مالكافلا ابتغي من مالكي في الهوى عتقا
بدعوى الهدى يدعو أناس وكلهمإذا سئلوا طرق الهوى جهلوا الطرقا
فطرق الهوى شتى ولكن أهلهيحوزون في يوم السباق به السبقا
فكم جمعت طرق الهوى بين أهلهاوكم أظهرت عند السرى بينهم فرقا
بسيما الهوى تسمو معارف أهلهفحيث يرى سيما الهوى فاعرف الصدق
فمن زفرة تزجي سحائب عبرةإذا زفرة ترقى فلا عبرة تبقى
إذ سكتوا عن وجدهم أعرفت بهم ... بواطن أحوال وما عرفت نطقا وقال يمدح بعض مماليك السلطان يسترفده، أيام كانت فارغة من الدنيا يده:
مالت بنا ايدي الرجاء فلم تجدمتناولا للجود غير مسافر
فتناولته وهو في بحر الندىعذب يطيب لوارد أو صادر
قد دل منك عليك فضلك إننيلم آت إلا بالدليل الظاهر
القى عليك الفضل منه محبةفي الناس تنفح بالثناء العاطر
نشر الرجاء وكان يدعى ميتافاليوم يدعى بالرجاء الناشر
وإذا الرجاء آتى بصدق أولاشهدت أوائله بصدق أواخر
أمسافر خير المتاجر متجرلله فيه عرفت اربح تاجر
لازلت تجمع بين غر محامد ... تهدى إليك بين غر مآثر ومن شعره في الغرض الذي انهمك فيه الكبر، وإنها لإحدى الكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله:
وصالك يا مولاي بعت به دينيفعجله قبل الحين للصب في الحين
وصالك مطلوبي وقربك جنتيوان زينت بالحور عدن وبالعين
وما أنا إلا ميت إن هجرتنينحولي يكفيني إذا شئت تكفيني
غليل: ولكن أنت ريي من الظماعليل: ولكن ليس غيرك يشفيني
لقد جل ما بي عن عبارة مقوليوما كل حال يستفاد بتبين
طبقة المقرئين والمدرسين، والممهدين لقواعد المعارف والمؤسسين
وهذه الطبقة أولى ممن قبلها بدرجة الانحطاط، وغض عنان الاشتطاط، اذ لا خفاء عند المتمرس، بفضل الخطيب في باب الفصاحة على المدرس، إلا ما وقع بالعرض، وخرج عن هذا القياس المفترض.
الشيخ الاستاذ أبو عبد الله محمد بن علي الفخار من شريش
رجل سليم الباطن، متفق على فضله وورعه من الراحل والقاطن، نافع التعليم، متلقاة دعوى معرفته بالتسليم، خرج من بلدة أركش لما استباح
العدو حماه، وغير اسماه ومسماه، فانتصب يقرئ الفنون، حتى لقي المنون، وأوجب الله به النفع فوجب، وقل أن لا يقرأ عليه أحد إلا نجب. وكان له شعر شهير الشان في الاخشيشيان، تنزر منه الإجادة نزور الأبيض بين الحبشان فمن ذلك قوله:
أنظر إلى ورد الرياض كأنهديباج وشي في بنان زبرجد
قد فتحته نضارة فبدا لهفي القلب رونق صفرة كالعسجد
حكت الجوانب خد حب ناعموالقلب يحكي خد صب مكمد وقال:
خرجت يوما من حلقة الأستاذ بشريش، وأنا شاب في جملة الطلبة، وكان يقابل باب المسجد حانوت سراج وفيه فتى وسيم يرقم جلدا فقالوا لي: لا تجاوز هذا الباب حتى ترتجل لنا شيئا في ذلك الفتى فقلت:
ورب معذر للحب داعيروق بهاء منظره البهيج
وشى في وجنتيه الحسن وشياكوشي يديه في أدم السروج
؟ الشيخ المقرئ أبو عبد الله محمد بن محمد بن ادريس
القلطوسي من اسطبونة، رحمه الله تعالى:
شيخ قديم الطلب والاجتهاد، هامي العهاد، كلف بالقوافي والعروض، كلف العابد بالنوافل والفروض، وله في ذلك، ما يدل على عنايته بذلك، وتردده بتلك المسالك. ومن شعره يمدح الوزير ابن الحكيم من قصيدة:
علاه رياض أورقت بمحامدتنور بالجدوى وتثمر بالأمل
تسح عليها من نداه غمائمتروي ثرى المعروف بالعل والنهل
وهل هو إلا الشمس نفعا ورفعةفيغرب بالجدوى ويقرب بالأمل
تعم أياديه البرية كلها ... فدان وقاص جود كفيه قد شمل ومن شعره أيضا يمدح القائد أبا عبد الله ابن الرنداحي:
اطلع بأفق الراح كاس الراحوصل الزمان مساءه بصباح
خذها على رغم العذول مدامةتنفي الهموم وتأتى بالأفراح
والأرض قد لبست برود أزاهروتمنطقت من نهرها بوشاح
والجو إذ يبكي بدمع غمامةضحك الربيع له بثغر أقاح
والروض مرقوم بوشي أزاهروالطير تفصح أيما إفصاح
والغصن من طرب يميل كأنمايسقى بكف الريح صرف الراح
والورد منتظم على أغصانهيبدو فتحسبه خدود ملاح
وكأن عرف الريح من زهر الربى ... عرف امتداح القائد الرنداحي الفقيه أبو عبد الله محمد بن احمد بن محمد بن فرج بن شقر آل
اللخمي الطرسوني رحمه الله تعالى
درة مغفلة، وخزانة على كل فائدة مقفلة، كان اكبر من الزمان وبنيه، فعدم روضه من يجنيه، أنظاره بعيدة، وأغراضه مبدية في الكمال ومعيدة، حكم له في رقاب المعارف تحكيم، وتصرف لا يعوقه شكيم، يتكلم في المادة المحصورة، ويشرح على الكون والفساد، ويضطلع من علل النفوس
والأجساد، بشجى الحساد، ويركض أقلام التعليم جائلة، ويعطي صور الأفلاك مستقيمة ومائلة، سابقا في كل ما أعاده وأبداه، ما لم يزاحم في مداه، ولا ظفرت به ألا يداه، إلى تحسين المجالسة وبيان الإلقاء، والجمع بين معاملة الآباء ومعاملة الأصدقاء. ظفرت منه يدي بالنهر الذي أمن غائصة الدرك، وجمع فيه القوم بين آخذ ومن ترك، هذا يندم لزهده، وهذا لما ترك من جهده، فقل أن أتبجح بغريبة، إلا وهي له اليوم منسوبة، وعلي له محسوبة، تعاهده الله تعالى من الرحمة بسحاب، ومن الملائكة الكرام بترحاب. وكان يشعر وينثر، ويعثر من المعاني ما لا يمر به غيره ولا يعثر، وقدر هذا الشيخ اقل من ان تستوعبه هذه الأسطر، أو يفي به خاطر يخطر، فسبحان الذي حجب الفضائل بالتراب، وشبه هذا المتاع الفاني بلمع السراب لا اله إلا هو. من مجموع سماه السليمانيات والعربيات قوله:
نام الطفل النبت في حجر النعامىلاهتزاز الظل في مهد الخزامى
وسقى الوسمي أغصان النقافهوت تلثم أفواه الندامى
كحل الفجر لهم جفن الدجىوغدا في وجنة الصبح لثاما
تحسب البدر محيا ثملقد سقته راحة الصبح مداما
حوله الشهب كؤوس قد غدتمسكة الليل عليهن ختاما
يا عليل الروح رفقا علّنياشف بالسقم الذي حزت سقاما
همت في ارض بها حلوا غرامافرشوا فيها من الدر حصى
ضربوا فيها من المسك خياماكنت اشفي غلة من طيفكم
لو أذنتم من ريح الصبالو أتت تحمل من سلمى سلاما ومن هذه بعد كثير:
نشأت للصب منها زفرةتسكب المع على الربع سجاما
طرب البرق مع القلب بهاوبها الأنات طارحن الحماما
طلل لا تشفي الأذن بهوهو للعينين قد ألقى كلاما
ترك الساكن لي من وصلهضمة الجدران لثما والتزاما
نزعات من سليمان بهافهم القلب معانيها فهاما
شادن يرعى حشاشات الحشاحسب حظي منه أن أرعى الذماما ومن السليمانيات أيضا:
أأرجو أمانا منك واللحظ غادرويثبت قلبي والطرف ساحر
عجبت للحظ كل قلب يطيعهويرضى بما يقضي به وهو جائر
ويترك ورد الخد نهب جفونهاجريء على دفع المعرة قاصر
واعجب من ذا كيف تنهب في الدجىلصوص الهوى نومي وطرفي ساهر
ويسلم من بعد الذي سكن الحشاويشكو من الهجران والطيف زائر
ولا نيل إلا من طروق خيالهفمن لي بوصل منه والنوم هاجر
اعد سليمان اليم عذابهلهدهد قلبي فهو للبين صابر
أشاهد منه الحسنفي كل نظرةوناظر أفكاري لمعناه ناظر
دعت للهوى أنصار سحر جفونهفقلبي له عن طيب نفس مهاجر
إذا شق عن بدر الدجى افق زرهفاني بتمويه العواذل كافر
وفي حرم السلوان طافت خواطروقلبي لما في وجنتيه مجاور
وقد ينزع القلب الشجي لسلوةكما اهتز من قطر الغمامة طائر
يقابل أغراضي بضد مرادهاولم يدر ان الضد للضد قاهر
ونار اشتياقي صعدت مزن ادمعيفمضمر سري فوق خدي ظاهر
وقد كنت باكي العين، والبين غائبفقل: كيف حال الدمع، والبين حاضر
وليس النوى بالطبع مرا وإنمالكثرة ما شقت عليه المرائر
ومن السليمانيات أيضا قال:
إلا استودع الرحمن بدرا مكملابفاس من الدرب الطويل مطالعه
وفي فلك الازرار مطلع سعدهوفي أفق الأكباد تلفى مواقعه
يصير مرآه منجم مقلتيفيصدق في قطع الرجاء قواطعه
تجسم من نور الملاحة خدهوماء الحيا فيه ترجرج مائعه
تلون كالحرباء في خجلاتهفيحمر قانيه ويبيض ناصعه
إذا اهتز غنى حليه فوق نحرهكغصن النقا غنت عليه سواجعه
يؤكد حتف الصب عامل قدهوتعطف من واو العذار توابعه
اعد الورى سيفا كسيف لحاظهفهذا هو الماضي وذاك مضارعه ومن قصيدة في هذا الغرض المذكور:
وصالك هذا أم تحية بارقوهجرك ام ليلا لسليم لتائق
أناديك والأشواق تركض حمرهابصفحة خدي من دموع سوابق
أبارق ثغر من عذيب رضابه ... قضت مهجتي بين العذيب وبارق ومن شعره يمدح السلطان حين فتح حصن اشكر:
بحيث البنود الحمر والأسد الوردكتائب، سكان السماء لها جند
حدت بهم خوص عراب ضوامروقد ضاقت الأرجاء اذ عظم الوجد
عساكر ملك شرف الله قدرهفسيان من إقدامها السهل والنجد
إذا رجعوا الذكرى حماما سواجعافأعطافهم في ميلها قضب ملد
وان حل صبر الصبر بين ضلوعهمفأفواههم من ذكر ربهم شهد
وتحسب نور الصدق والعزم دائماسراجا من التقوى بآزرهم يبدو
هم القوم رهبان إذا لبسوا الدجىوان لبسوا حر الهياج فهم أسد
حذوا حذو سلطان على الشرع عاطفرفيق بهم حان إذا عظم الجهد
وتحت لواء الشرع ملك هو الهدىتضيق به الدنيا إذا راح أو يغدو
فلو رام إدراك النجوم لنالهاولو هم لانقادت له السند والهند
تأمنت الأرواح في ظل بندهكأن جناح الروح من فوقه بند منها في الحض والقتال وآلة النفط:
على إنها ضنت بعذب وردهاغديّة راح الأسد والضمر الجرد
فكان صباح القوم قوما بوصلهاوقوما بوصل الحور قد أنجز الوعد
ولولا دفاع الخود عن عذب ريقهالما لذت الشكوى ولا عذب الورد
ومن عانق الأخطار حق له العلاومن نبذ الفاني يحق له الخلد
وظنوا بأن الرعد والصعق في السمافحاق بهم من دونها الصعق والرعد
عجائب أشكال سما هرمس بهامهندسة تأتي الجبال فتنهد
ألا إنها الدنيا تريك عجائباوما في القوى منها فلا بد ان يبدو
بعيني بحر النقع فوق أسنةتنمنمه وهنا كما نمنم البرد
سماء عجاج والقوانس شهبهاووقع القنا رعد إذا برق الهند
وقد نثلت فيها الكنائن فارتمتسقيط نثار مثلما قدح الزند
كأن قلوب الروم أهدافها التيتطير بمحياها وما شعر الجلد
ومن دمهم زرق الأسنة لفعتفتلك إذا ما شبهت أعين رمد
تسيل على الرايات منها مدامعكخد محب شفه البين والوجد
ألا شفع الرحمن غزوة أشكربها رضي الإسلام ولأحد الفرد
ومن رغبة الأشياء في نيل فضلها ... إذا سل سيف كاد يحسده الغمد وتذاكرنا يوما أساليب الشعراء وأفضلنا في ذكر ابن هاني فنظم لي في طريقته هذه الابيات مساجلا لمثلها مما ثبت في موضعها من شعره:
طرقنا ديور القوم وهنا وتغليساوقد شرفوا الناسوت اذ عبدوا عيسى
وقد رفعوا الإنجيل فوق رؤوسهموقد قدسوا الروح المقدس تقديسا
فما استيقظوا إلا لصكة بابهمفأدهش رهبانا وروع قسيسا
وقام بها البطريق يسعى ملبياوقد اصمت الناقوس رفقا وتأنيسا
فقلنا له: أمنا فأنا عصابةأتينا لتثليث وان شئت تسديسا
وما قصدنا إلا الكئوس وإنمالحنا له في القول خبثا وتدليسا
ففتحت الأبواب بالرحب منهموعرس طلاب المدامة تعريسا
فلما رأى زقي أمامي ومزهريدعاني تأنيسا لحنث وتلبيسا
وقام إلى دن ففض ختامهفكبس أجرام الغياهب تكبيسا
وطاف بها رطب البنان مزنرفأبصرت عبدا صير الحر مرءوسا
سلافا حواها القار لبسا فخلتهامثال من الياقوت في الحبر ملبوسا
إلى ان سطا بالقوم سلطان نومهمورأس فتيل الشمع نكس تنكيسا
وثبت إليه بالعناق فقال لي:بحق الهوى هب لي من الضم تنفيسا
كتبت بدمع العين صفحة خدهفطلس حبر الشعر كتبي تطليسا
فبئس الذي احتلنا وكدنا عليهموبئس الذي قد اضمروا قبل ذا بيسا
فبتنا يرانا الله شر عصابةتطيع بعصيان الشريعة إبليسا ومن مقطوعاته، رحمه الله تعالى، قوله:
أتمنع أن أقبل منك كفاوقد حرمت ثغرك بالعفاف
وهاأنا طائف بك في كل حينفعين لي المقبل للطواف
الشيخ الإمام أبو حيان محمد بن يوسف بن حيان النفزي الغرناطي
الملقب في البلاد المشرقية (أثير الدين) رحمه الله تعالى:
سيف النصرة، المدافع عن أهل البصرة، وإمام صناعة النحو، المتقلب في حججها بين الإثبات والمحو، والغيم والصحو، لو مر به أبو الأسود لقال: سلام، ثم أراه كيف ينقسم الكلام، أو مر بأبي بشر لقال يا بشراي هذا غلام. كان ﵀ برا يغرف من بحر، ونسيم سحر، يهب على تلك البلاد من شحر، رحل عن الأندلس والغصن ناضر، وزمن الشبيبة حاضر، وقد برع في علم اللسان، وفي أغراضه الحسان، واستقر بمصر على الطير الميامين، والبر الكفيل الضمين، وصحب الركبان إلى الحرم الأمين، ورفع له لواء الشهرة الذي له يشار، ولظله تحدى العشار، فقصد درسه، وعرف بالإنجاب غرسه، وتغالى فيه الغلاة، واعتنت به الأمراء والولاة، وتأكد بينه وبينهم بسبب أبنائهم الموالاة، وكثرت لديه العوائد والصلات، وانتفعت المغاربة بجاهه مدة حياته، واهتدت سراتهم بنور آياته، وساعده أمله، وكان ممن طال عمره وحسن عمله، واحب الراوين، وزين الاواوين، وكان له شعر
مهاده في الإجادة وثير، ودعابة يثيرها الطبع فتثير، وأن لم ألق هذا الرجل فهو من بلدي، وتأخرت وفاته عن مولدي، إلى أن أجاز ولدي. ومن شعره، قال رحمه الله تعالى حسبما نقل عن خطه: قدم علينا الشيخ المحدث أبو العلاء محمد بن أبي بكر البخاري الفرضي بالقاهرة في طلب الحديث، وكان رجلا حسنا طيب الأخلاق لطيف المزاج، فكنا نسايره في طلب الحديث، فإذا رأى صورة حسنة قال، هذا حديث على شرط البخاري، فنظمت هذه الأبيات:
بدا كهلال الأفق وقت طلوعهومال كغصن الخيزران المنعم
غزال رخيم الدل وافى مواصلاموافقة منه على الرغم لوم
مليح غريب الحسن أصبح معلمابحمرة خد بالمحاسن معلم
وقالوا: على شرط البخاري قد أتى ... فقلت على شرط البخاري ومسلم قال فقال لي: يا مولانا أنا البخاري فمن مسلم؟ قلت له: أنت البخاري وأنا مسلم، قلت: ولو كنت المخاطب لكان مدى الدعابة أفسح، ومن العصمة أن لا تجد. ومن أبياته في غرض التصوف قوله في جيد كلامه:
تفردت لما أن جمعت بذاتيوأسكنت لما أن بدت حركاتي
فلم أر في الأكوان لأننيأزحت عن الأغيار روح حياتي
وقدستها عن رتبة لو تعينتلها دائما دامت لها حسراتي
فها أنا قد أصعدتها عن حضيضهاإلى رتبة تقضي لها بثبات
تشاهد معنى روضه أذهب العناوأيقظني للحق بعد سناتي
أقامت زمانا في حجاب فعندماتزحزح عنها رامت الخلوات
لنقضي بها ما فات من طيب أنسنابها وننال الجمع بعد شتات ومن شعره في النسيب وما يناسبه قوله:
كتم اللسان ومدمعي قد باحاوثوى الأسى عندي وأنسي راحا
إني لصب طي ما نشر الهوينشرا وما زال الهوى فضاحا
وبمهجتي من لا أصرح باسمهومن الإشارة ما يكون صراحا
ريم أروم حنوه وجنوحهويروم عني جفوة وجماحا
أبدي لنا من شعره وجبينهخدين ذا ليلا وذا إصباحا
عجبا له يأسو الجسوم بطبهولكم بأرواح أثار جراحا
فبلفظه برء الأخيذ ولحظهأخذ البريء فما يطيق براحا
نادمته في ليلة لا ثالثإلا أخوه البدر غار فلاحا
يا حسنها من ليلة لو إنهادامت ومدت للوصال جناحا وقال رحمه الله تعالى في الغرض المذكور أيضا:
نور بخدك أم توقد ناروضنى بجفنك أم كئوس عقار
وشذا بريقك أم تأرج مسكةوسنا بثغرك أم شعاع دراري
جمعت معاني الحسن فيك فأصبحتقيد القلوب وفتنة الأبصار
متصاون خفر إذا ناطقتهأغضى حياء في سكون وقار
في وجهه زهرات روض تجتلىمن نرجس مع وردة وبهار
خاف اقتطاف الورد من وجناتهفأدار من آس سياج عذار
وتسللت نمل العذار بخدهليردن شهدة ريقه المعطار
وبخده ورد حمتها وردهافوقفن بين الورد والإصدار
كم ذا أواري في هواه محبتي ... ولقد وشى بي فيه فرط أواري ومن نظمه في المقطوعات وإن عدت لها إجادة فهي ظنة ذلك، قال رحمه الله تعالى:
أرحت في البيت من الإيناس بالناسكما غنيت عن الأكياس بالياس
وصرت في البيت وحدي لا أرى أحدابنات فكري وكتبي هن جلاسي وقال أيضا ﵀:
وزهدني في جمعي المال أنهإذا ما انتهى عند الفتى فارق العمرا
فلا روحه يوما أراح من العناولم يكتسب حمدا ولم يدخر أجرا وقال أيضا ﵀:
أجل شفيع ليس يمكن ردهدراهم بيض للجروح مراهم
تصير صعب الأمر أسهل ما أرىوتقضي لبانات الفتى وهو نائم
ومن أبدع ما ينسب إليه من المقطوعات قوله:
عداتي لهم فضل علي ومنةفلا أذهب الرحمن عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فسترتهاوهم نافسوني فاكتسبت المعاليا ومن النسيب:
سال في الخد للحبيب عذاروهو لاشك سائل محروم
وسألت التثامه فتجنىفأنا اليوم سائل محروم ومن ذلك في فتى يسمى بمظلوم:
وما كنت أدري إن مالك مهجتييسمى بمظلوم وظلم جفاؤه
إلى أن دعاني للهوى فأجبتهومن يك مظلوما أجيب دعاؤه وقال أيضا:
جن غيري بعارض فترجىأهله أن يفيق عما قريب
وفؤادي بعارضين مصابفهو داء أعيا فؤاد الطبيب وقال أيضا:
وذي شفة لمياء زينت بشامةمن المسك في ترشافها يذهب النسك
ظمئت إليها ريقة كوثريةبمثل لآلي ثغرها ينظم السلك
تعل بمعسول كأن رضابهمدام من الفردوس خاتمة مسك وقال أيضا ﵀:
بعيد ود، قريب صدكثير عتب، قليل عتبى
كالشمس ظرفا، كالمسك عرفا ... كالخشف طرفا، كالصخر قلبا الشيخ أبو عثمان سعيد بن أحمد بن ليون ﵀:
شيخ مولع بالتأليف والتدوين، متميز بذلك في بلده تمييز أواخر الأسماء بالتنوين، ويلخص ويوجز، ويظن أنه يعجز، وكان شديد التخلق، متعلقا بأهداب الفنون أشد التعلق، شهير الإيثار، وبعيدا عن الجمع والاستكثار، بضاعته خزانة جمعت الآباء والأمهات، والفرقد والمهاة، والحقائق والترهات، لا يزال عاكفا على دنانها، وجانيا لألفاف جنانها، حسن المجلس، مقصودا من الغني والمفلس، خفيف الروح، آويا إلى الصدر المشروح، وشعره يلم بالإجادة أحيانا، فيبين المقاصد بيانا، فمن ذلك قوله:
أرح النفس تنتفع بحياتكوأغنم العيش قبل يوم وفاتك
وأطرح عيب من سواك وسالمجملة الناس يغفلوا عن أذاتك
وأعتبر بالذين بادوا وبادرما يدانيك من سبيل نجاتك وقال أيضا ﵀:
كن مع الناس كيف كانوا ووافقأن من لا يوافق الناس مائق
من يخالف في شيء الناس يرجعهدفا للسهام من كل راشق وقال في المعنى:
خالف النفس في قصود هواهاتبق ما عشت سالما من أذاها
فأتباع الهوى هوان ولكنهان للنفس كي تنال مناها وقال يحرض على طلب العلم:
العلم نور وهدىفكن بجد طالبه
وأحرص عليه وأعتمدفيه الأمور الواجبة
من لازم العلم علاعلى الأنام قاطبه وقال أيضا ﵀:
فلا تكلم بما تخشاه أذاك ولابما يعاب وحاذر ذا وذا أبدا
ولا تقل غير مالو كنت تسمعهكل الورى لم تعب ولم تخف أحدا
؟ المقرئ النحوي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد
أبن لب الأمير أبن الصائغ
فاضل رحيب باع، في ميدان انطباع، ومد وإشباع، ركض في ميدان الراحة طلق عنانه، وتفسح في جنان جنانه، متمتعا بأفنانه، غير مبال بجنانه في طاعة جنانه، ثم رحل للبلاد، مستجدا للميلاد، فاستأنف العمر وجنى الثمر، وسلا في النيل وشخاتيره، عن شم قتيره، ومكابدة تقتيره، فتمشت حاله يغبطها الولي، ولا يستطيعها ببلاده الملي، ولا من له القدر العلي، إلى ان استاثر به من له البقاء الأزلي، وكان له شعر ينجده الطبع المعين، فتتخايل في جناته الحور العين؛ فمن ذلك قوله:
بعد المزار ولوعة الأشواقحكما بفيض مدامع الآماق
وخفوق نجدي النسيم إذا سرىأذكى لهيب فؤادي الخفاق
أمعللي ان التواصل في غدمن ذا الذي بغد فديتك باق
إن الليالي سبق إن أقبلتوإذا تولت لم تنل بلحاق
عج بالمطي على الحمى سقي الحمىصوب الغمام الواكف الرقراق
فبه لذي القلب السليم ودادهلا كان في الأيام يوم فراق
يا ساريا والليل ساج عاكفيفري الفلا بنجائب ونياق
عرج على مثوى النبي محمدخير البرية ذي المحل الراقي
ورسول رب العالمين ومن لهحفظ العهود وصحة الميثاق
الظاهر الآيات قام دليلهاوالطاهر الأخلاق والأعراق
بدر الهوى البادي الذي آياتهوجبينه كالشمس في الإشراق
الشافع المقبول من عم الورىبالجود والأرفاد والإرفاق
والصادق المأمون اكرم مرسلسارت رسالته إلى الآفاق
أعلى الكرام ندى وأبسطهم يداقبضت عنان المجد باستحقاق
من صير الأديان دينا واحدامن بعد إشراك مضى ونفاق
واحلنا من حرمة الإسلام فيظل ظليل وارف الأوراق
لو ان للبدر المنير كمالهما طاله كسف وكشف محاق
أو ان للآباء رحمة قلبهذابت قلوبهم من الإشفاق
ذو الحلم والعلم الخفي المنجليوالجاه والشرف القديم الباقي
آياته شهب وغر بنانهسحب النوال تدر بالأرزاق
ذو رأفة بالمؤمنين ورحمةوهدى وتأديب بحسن سياق
وخصال مجد أفردت بالخصل فيمرمى الفخار وغاية السباق ومنها بعد كثير:
يا ذا الذي اتصل الرجاء بحبلهوانبت من هذا الورى بطلاق
حبي إليك وسيلتي وذخيرتيأني من الأعمال ذو إملاق
واليك أعملت الرواحل ضمراتختال بين الوخد والأعناق
نجبا إذا نشرت حلى تلك العلاتطوي الفلا ممتدة الأعناق
تحدو لهن من النحيب ترددوتقودهن أزمة الأشواق
غرض إليه فوقتها اسهماوهي القسي برين كالأفواق
فأنختها بفنائك الرحب الذيوسع الورى بالنائل الدفاق
وقرى مؤملك الشفاعة في غدوكفى بها هبة من الرزاق
وعليك يا خير الأنام تحيةتحيي النفوس بنشرها الفتاق
تتأرج الأرجاء من نفحاتها ... أرج الندي بمدحك المصداق الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن بيش العبدري رحمة الله عليه:
شيخ قديم الطلب، حمد المأم والمنقلب، معروف انقباضه وصونه، منذ تعين كونه، عانى صناعة النحو، بين الإثبات والمحو، واشتهر بالإلحاح على كتاب الصحاح، واقتصر على التجارة في الكتب، فيا شد ما اتكل
خطره بأم، وكم خير من عزيز علمه فقده في كم. صحبني في بعض خطراتي بسبتة رسولا فأعدته إلى بلده يقيم به رسم الإقراء، فجهد زنده في الايراء، بعد ما نبذه بالعراء، فتمشت به حاله، إلى ان قوضت إلى العالم الحق رحاله، وكان له في الشعر نصيب، وبين الخواطر سهم مصيب، أنشدني بدار صنعة سبتة عام اثنين وخمسين وسبعمائة يجيب عن الأبيات التي أولها:
" يا ساكنا قلبي المعنى " ...
نحلتني طائعا فؤادافصار اذ حزته مكاني
لاغرو اذ كان لي مضافا ... أني على الكسر فيه بان وانشد في التاريخ المذكور يخاطب أبا العباس عميد سبتة وقد أهدى إليه أقلاما:
أناملك الغر التي سيب جودهايفيض كفيض المزن بالصيب القطر
أتتني منها تحفة مثل حدهاإذا انتضيت كانت كمرهفة السمر
هي الصفر لكن تعلم البيض إنهامحكمة فيها على النفع والضر
مهذبة الأوصال ممشوقة كماتصاغ سهام الرمي أو خالص التبر
فقبلتها عشرا ومثلت أننيظفرت بلثم في أناملك العشر
وأنشدني في التاريخ المذكور في ترتيب حروف الصحاح قوله:
أساجعة بالواديين تبوأيثمارا جنتها حاليات خواضب
دعي ذكر روض زانه سقي شربهصباح ضحى طير ظماء عصائب
غرام فؤادي قاذف كل ليلة ... متى ما نأى وهنا هواه يراقب ومن مطولاته، ورفعها إلى السلطان على يدي:
ديار خطها مجد قديموشاد بناءها شرف صميم
وحل جنابها الأعلى علاءيقصر عنه رضوى أو شميم
سقى نجدا بها وهضاب نجدعهاد ثرة وحيا عميم
ولا عدمت رباه رباب مزنيغادي روضهن ويستديم
فيصبح زهرها يحكي شذاهفتيت المسك يذكيه النسيم
وتنشره الصبا فتريك درانثيرا خانه عقد نظيم
وظلت في ظلال الأيك تشدومطوقة لها صوت رخيم
ترجع في الغصون فنون سجعبالحان لها يصبو الحليم
أهيم بملتقى الوادي بنجدوليس سواه في واد أهيم
وكنت صرفت عنه النفس كرهاوما برحت على نجد تحوم
وما ينفك لي ولها نزاعإلى مغنى به ملك كريم
له بيت سما فوق الثرياوعز لا يخيم ولا يريم
تبوأ من بني نصر علاهاوأنصار النبي له أروم
أفاض على الورى عدلا ونيلاسواء فيه مثر أو عديم
ملاذ للملوك إذا ألمتصروف الدهر أو خطب جسيم
تؤمله فتأمن في ذراهوتدنوا من علاه فتستنيم
ويبدو في ندي الملك بدراتحف به الملوك وهم نجوم
بوجه يوسفي الحسن طلقيضيء بنوره الليل البهيم
وتلقاه العفاة له ابتسامومنه للعدا أخذ أليم
فيا شرف الملوك لك انقطاعيوأني في محلكم خديم
وآمالي أملت إليك حتىوردن على نداك وهن هيم
فلا ظمأ ووردك خير وردنمير ماؤه عذب حميم
ولا أضحى وفي مغناك ظلظليل حين تحتدم السموم
ركبت البحر نحوك والمطاياتسير لها ذميل أو رسيم
وإن علاك أن عطفت بلحظعلي فذلك العز القديم
فوا أسفي على عمر تقضىبدار ليس لي فيها حميم
سوى ثمر الفؤاد ذهبت عنهاوبين جوانحي منها كلوم
دون لقائها عرض الفيافيوبحر موجه طود عظيم
لعل الله ينعم باجتماعوينظم شملنا البر الرحيم
بقيت بغبطة وقرار عينبملك سعده أبدا يدوم
كما دامت حلى الأنصار تتلىيشيد بذكرها الذكر الحكيم
عليك تحية عطر شذاهاكعرف الروض جادته الغيوم
المتكلم أبو الحسن علي بن إبراهيم الرقاص، رحمه الله تعالى:
رجل متهور، وفي اقبح الأطوار متطور، يأوي إلى أبوة خاملة، وحماقة على حملة العلم حاملة، إلا أنه ظهر باجتهاده، وترفع عن وهاده، واستمرت حاله على تكلف، إلى ان مات قتيلا في سبيل تخلف. ومن شعره:
أنسيانا فديتك يا حياتيلمن لم ينس حبك للممات
ورجما بالظنون أخا حنينإليك حليف شوق وانبتات
يمينا بالنهر إذا تجلىوبالقمر المنير وبالاياة
لقد أحللت حبك من فؤادي ... محل الروح من بيت الحياة المقرئ أبو عبد الله محمد بن سعد بن بقي رحمة الله تعالى عليه:
هذا الرجل فاضل الوقت ونعتذر عن القيد، ونقول إذا ذكرت المحاسن: (كل الصيد)، اما خلقه الجميلة فخميلة، وإما محادثه فجريال
مستميلة، وإما فوائده فجزيلة، وللشكوك مزيلة، ينتهي في العلم والدين إلى المجد، ويشير من سلفه إلى علم نجد، ويدرس العلم حلف سداد، واستظهار بالتحصيل والرأي الأصيل واعتداد. وقام بالرباط الذي بنيناه بالحضرة قياما أرضى الوارد، وأعذب الموارد. وله نظم لا تنكر الإجادة نسبه، ولا تنازع مكسبه. فمن ذلك ما أنشدنيه مما نظمه عند مواراة جنازة:
كم أرى مدمن لهو ودعهلست أخلي ساعة من تبعه
كان لي عذر لدى عهد الصباوأنا آمل في العمر سعة
أو ما يوقظنا من كلناآنفا لقبره قد شيعه
سيما إذا قد بدا في مفرقيما أخال الموت قد جاء معه
فدعوني ساعة ابكي علىعمر أمسيت ممن ضيعه
الفقيه أبو محمد عبد الله بن أبي القاسم بن جزي الكلبي ﵀:
خزانة تنفق الأدب إذا كسد، وتصلح من أدواته ما فسد، ونفس لا تناسب الجسد، هي حركة في جمود، وبحر مجمود، في طي منزور مثمود، وذهول، غطى على ربع مأهول، وروض مفتح نور، إلا أنه محتجب في غور، ان ذكر النحو أزرى بحفاظ بصرته، وسل على كافة الكوفيين صوارم نصرته، أو ذكر البيان، أنسى الخبر العيان، إلى مجادة سندها معنعن، وأصالة ليس فيها مطعن، يعضدها عم وخال، ويزين أعلاها وأسفلها خال وخلخال؛ وهواليوم بمدرسة الحضرة يعرب فيغرب، فيباهي به على المشرق والمغرب، وشعره وان شغلته عنه شواغل الفنون، مظنة اللؤلؤ المكنون، وشاهد لعناية الله تعالى بالحمأ المسنون، وإيجاد المعدومات بين الكاف والنون، فمن شعره من المقطوعات يوري بألقاب من العروض:
لقد قطعت قلبي يا خليليبهجر طال منك على العليل
ولكن ما عجيب منك هذاإذ التقطيع من شأن الخليل
ومن التورية النحوية قوله:
لقد كنت موصولا فأبدل وصلكمبهجر وما مثلي على الهجر يصبر
فما بالكم غيرتم حال عبدكموعهدي بالموصول لا يتغير ومن التورية بالعدد وهو مليح:
يا ناصبا علم الحساب حبالةلقناص ظبي ساحر الألباب
إن كنت ترزق بالحساب وصالهفالله يرزقنا بغير حساب ومن التورية العروضية:
لقد كمل الود ما بينناودمنا على فرح شامل
فان دخل القطع في وصلنافقد يدخل القطع في الكامل وقال في تضمين مثل:
ألا اكتم حب من أحببت واصبرفان الهجر يحدثه الكلام
وان أبداه دمع أو نحولفمن بعد اجتهادك لا تلام ومن التورية بأسماء كتب جوابا عن معمى:
لك الله من خل حباني برقعةحبتني من أنبائها بالنوادر
رسالة رمز في الحجال مهابةذخيرة نظم أتحفت بالجواهر ومن النسيب قوله:
واشنب الثغر له وجنةتعدت النحل على وردها
ما ذاك إلا حسدا إذ رأترضابه أعذب من شهدها
وقال في النسيب أيضا:
لئن كان باب القرب قد سد بينناولم يبق لي في نيل وصلك مطمع
واخفر عهدي دون ذنب جنيتهواصبح ودي فيك وهو مضيع
ولم ترث لي مما ألاقي من الأسىوصرت أنادي منك من ليس يسمع
وضاقت بي الأحوال من كل وجهةلما ارتجي من رحمة الله أوسع وقال ﵀ يخاطب رجلا من أصحابه:
أبا حسن ان شئت الدهر شملنافليس لود في الفؤاد شتات
وان حلت عن عهد الإخاء فلم يزللقلبي على حفظ العهود ثبات
وهبني سرت مني إليك إساءة ... ألم تتقدم قبلها حسنات وقال وهو مما نظمه في التضمين وفيما يظهر منه:
لقد صرت في غصب القصائد ماهرافما اسم جميع الشعر عندك غير لي
ولم تبق شعرا لامرئ متأخرولم تبق شعرا يا ابن فعل لأول
فشعر جرير قد غصبت ورؤبةوشعر ابن مرج الكحل وابن المرحل
وان دام هذا الأمر أصبحت تدعي" قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل " وقال في التورية:
إلى الله أشكو غدر آل تودديإلي فلما لاح سري لهم حالوا
لقد خدعوني إذ اروني مودة ... ولكنه لا غرو ان يخدع الآل وهو الآن فتى بقيد الحياة يتولى ما ذكر.
المقرئ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد العظيم ﵀:
بقية بيت، وكيت وكيت، وحسب ميت، وفتيل سراج قديم عهده بزيت؛ أقام رسم الإقراء ببلده على لوثة تخل بخلاله، وتطرق حده بكلاله، وكان النحو محط رحاله، ومعول انتحاله. وله شعر مهلهل، لا يجم به منهل، ولا يعلم به مجهل، فمن ذلك قوله يمدح الأمير بسبتة ويصف الأسطول من قصيدة أوله:
أما الوصال فإنه كالعيدعذر المتيم واضح في الغيد
منها:
بتنا وليس سوى النجوم نديمنانجني الأزاهر من رياض خدود
حف العناق بنا كأنا في الهوىغصنان معتنقان في تأويد
نثني على يحي الذي زان العلابإمارة وإنارة وصعود
ثم انثنينا عامدين لقصرهفي خير أسطول وخير بنود
نسري ونركب كل طرف ما ونىعن كل شأو في المياه مديد
قد نازعنه الريح في فعل لهفجرى مخافة ذلك المقصود
أقدامه عود ولكن طوقتليلا بنار مضرم ووقود
وانظر إلى ماء ونار واعتبريا صاح كيف تجمعا في عود
وتر ولا لسواه إلا أربعسر السباق يبين في التعديد
إن قلت فيه البرق حقيقةلكن ندى يحيى سحاب الجود
إن قلت أن الفلك أفلاك فقلوجه الأمير كمثل بدر سعود
- ؟
طبقة القضاء أولي الخلال المرتضاة
وهذه الطبقة منحطة في البيان، لاقتصار مداركها على علوم الديان، وما يصدر عنها فعلى جهة الافتنان وسخاء الأفنان، وربما ندر في هذه الطبقة ما يعي يد الحالب، ويحسب الطالب، لكن الحكم للغالب.
الشيخ أبو جعفر احمد بن محمد بن محمد بن احمد بن فركون القسري
رحمة الله تعالى عليه:
قاض ركب الكفاية ظهرا، وجعل الاجتهاد للخطة مهرا، قريع بيت ضيعة نوه به حظه، فسمى إلى الغاية لحظه، إذ كان مولى على الأحكام، فارعاً منها للأكام، ماهراً في علم الفريضة، طبيباً لمعاناة مقاماتها
المريضة، شديد القحة والصلف، مزريا بالخلف والسلف، يدعو المشيخة بأسمائها، فتشجى بغمائمها، وينبزها بالقابها، فتنجحر بانقابها، تلوي برقابها، وله نادرة شاردة، وفكاهات صادرة في مجلس القضاء وواردة، يبدي بها في مقصد الحكم، وجوه الصم والبكم، فيهضم جبارها، وتنقل أخبارها وكان ينظم شعرا منحطا، ويرتاد من طبعه جنابا يشتكي قحطا، فمن ذلك قوله يخاطب السلطان:
شفاؤك للملك اعتزاز وتأييدوبرؤك مولانا به عندنا عيد
مرضت فلم تأو النفوس لراحةولا كان للدنيا قرارا وتمهيدا
ولم تستطع عيني تراك مؤلماولازمها طول اعتلالك تسهيد
فلما شفاك الله وافى سرورناولم يبق للدنيا على الدهر تعديد
فللبشر بالأبلال في القلب موقعوللشكر في الأقوال لله ترديد
هنيئا وبشرى للعباد ببرئكمنعم وبه الإعزاز للدين موجود
شهدت بان الفتح يدنو مبادراويتلوه يوم في عداتك مشهود
وتملك أمصار العدا ورقابهموللنصر تاج في لوائك معقود
لذاتك في الدنيا اعتلاء ورفعةوعز وفي الآفاق ذكرك محمود
بقيت على مر الدهور مملكاجنابك محروس وبابك مقصود وكتب يهنئ بمولود:
هنيئا للقيادة والمعاليوبشرى للمجادة والجلال
بمولود بمولده استقامتلوالده السعود على التوالي
به بلغت أمانيه مناهابه غدت المكارم في احتفال
سيطلع في سماء المجد بدراومنصبه على الجوزاء عال
ويغدو بالنفاسة في ابتداءويحظى بالرئاسة في المآل
ويحرسه الإله بعين حفظويمنحه البقاء مدى الليالي
تباكرك المسرة كل يوم ... ويصحبك السرور بلا انفصال وقال في شأن ما كان يقرف به غفر الله له:
أنا من الحكم تائبوعن دواعيه راغب
بعد التفقه دهريونيل أسنى المراتب
أصبحت أرمي بعارللحال غير مناسب
أشكو إلى الله بثيفهو المثيب المعاقب
الشيخ القاضي أبو عبد الله محمد بن يحيى بن غالب:
كان هذا الرجل ممن ينتحل الأدب في جيله، يتبرع بمجاولة مجيله، ويكتب قاضي الاستحسان، على أغراضه الحسان بتسجيله، فاشتهرت أبياته، وحفظت مبتدهاته ومروياته؛ فمن ذلك قوله يمدح السلطان ويصف الأسطول من قصيدة طويلة:
أضاءت بك الدنيا وأشرق نورهاولاح عليها بشرها وسرورها
وقد طلعت بالسعد منك سعودهاكما صلحت بالأمر منك أمورها
فكل إلى مرآك هزته وحشةكما استوحشت غرناطة وقصورها
وبان بأن الحق حقك في العلاوبان بكم إفك العداة وزورها
فمن لم يقوم ميله عنك عقلهتقومه إعجاز القنا وصدورها منها في وصف الأسطول:
بعثت لتأمين البحور جنودهابها أمنت كالبر منها بحورها
شواني تحكيها انقضاضا شواهنوإن صرصرت يوما حكاها صريرها
وإن قيل غربان فمن أجل أنهانواعب أرواح العدا إذ تغيرها
وإن قيل عقبان فغير حقيقةوإلا على التحقيق فهي وكورها
تخطف إذ تنقض كالنجم يرتميبغاث العدا عقبانها وصقورها
تجاذبها اجناحها شبها كمانواظرها زرق العيون وحورها
لها صفحات الماء مثل صحائفوتلك الجواري المنشئات سطورها
ميامين في الأسفار أنى تيممتفباليمن والإقبال يأتي سفيرها ومن شعره في غرض النسيب:
آه من لوعتي ومما أعانيضاق صدري بالسر والكتمان
كنت أخفي عن الوشاة إلى أنفضحتني بدمعها أجفاني
ولئن دام يا خليلي ما بيفاحسباني بالحب لا شك فان
ونحولي على غرامي دليلشاهد بالذي يجن جناني
مذ زمان قد كنت أخفي ولكنمن نحولي لم يدر مني مكاني
يا فؤادي صبرا عسى من قضىبالبعد يقضي من بعده بالتداني
يا زمان الوصال هل من رجوعحفظ الله عهد ذاك الزمان
أين ورد وسوسن كنت أجنيأين شهد رشفت من أقحوان
بت ليلي والبدر فيه نديميمخجلا بدره ببدر ثان
قائلا للحساد موتوا بغيظنلت ممن أحب كل أمان
ولكم بت أرقب النجم سهداودموعي كالوابل الهتان
باسطا لليدين أدعو بذل ... ليس لي بالبعاد منك يدان ؟ الشيخ القاضي المسن أبو جعفر أحم بن عتيق الشاطبي
من الأكاليل؛ رحمه الله تعالى بمنه:
شيخ طالت مصاحبته للأنساء، وملازمته للإصباح والأمساء طالما نظر بين غني ومسكين، وذبح بغير سكين، يقضي عمره في الحقوق، ويهب بين رعود وبروق، واكتسب مالا، وبلغ من الدهر آمالا، إلى أن أوثقته إشراك الحمام، وكل شيء فإلى تمام. وله شعر
خفيف الروح، ودعابة توسى بها الجروح، فمن ذلك قوله يخاطب نفسه:
تراخت بك الدنيا وجد بك السيروأشغلت بالفاني وقد زهد الغير
فحتى متى تكبو السوابق في الثرىوتصحب رجلاك السلامة يا عير
عدت بك عن نيل المعيشة كبرةتراخت لها الأعضاء وأستنزر الخير
وقل انتفاع الأهل منك فأعرضواكأنك فرخ مل من زقه الطير
مراد الغواني منك خير ووزنه ... فها أنت لا خير لديك ولا أير وقال وقد استسلم للقضا، وعجز عن خطة القضا، وتلقى أمر الله ﷻ بالرضى:
قد عجزت عن القضاكل شيء إلى انقضا
أغمد الدهر مرهفاكان منا قد انتضى
كل ما يفعل الإلهقبلناه بالرضى
نسأل الله عفوه المرتجىفي الذي مضى
؟ الشيخ القاضي أبو جعفر أحمد بن محمد بن سعيد بن
أبي حبل المعافري رحمة الله عليه:
فذ تثنى عليه الخناصر، وصدر لا يحصر فضائله حاصر، وقاض يريش سهام الأحكام ويبريها، ويزيل بنظره الشبه التي تعتريها، ويطبق مفاصل الفصل، بذهنه الذلق النصل، فيعريها، تولى الأقطار فازدانت، وتقلد الأحكام فلاحت المعدلة وبانت، وظهرت الحقوق الشرعية حيث كانت، وأما الأدب فكان من سباق حلبته، وفراع هضبته، وإن كان بغير فنه معروفا، وإلى سواه من الفنون الشرعية مصروفا؛ فمن شعره:
تكفل بالرزق الذي تستحثه ألهك فلتجمل إذا آنت طالبه ...
وكن ساعيا فيه على وفق أمرهشكورا له فالشكر لاشك جالبه
وإياك والسعي المذل فإنهينالك منه ما أنالك واهبه
دع الحرص فيه واسأل الله بسطةفما الحرص مدنيه ولا البطء سالبه
فيا رب إن ناله كيف ما اشتهىورب حريص أعوزته مكاسبه وقال وهو من شواهد كماله:
عتوي كل يوم في ازديادوعمري في انحطاط وانتقاض
ولذاتي تقضت واتباعيبها باق إلى يوم القصاص
ولي حاجات نفس لا أرى ماأشير إليه منها غير قاص
وقد حملت أعباء ثقالاجوافي لا تنوء بها قلاصي
ويبطئني المعاش ولا عتابعلى قدر لرزق ذي اعتياص
ألقي دونه حربا عوانابأعداء على قتلي حراص
ثنوا نحوي أعنتهم طلاباوجاسوا بالأداني والأقاصي
فمهما لحت أصمتي سهام ... نوافذ لا تقي منها دلاصي وقال يتفجع لعمره الماضي، وزمانه المتقاضي، ويرتقب غريم التقاضي:
مضى من دن عمري كل صفوفما أبغي من الدردي لهفي
وولت طيبات العيش عنيوأعوز من بقاياها التشفي
ولذات المطاعم شرها ماغدا بالسن من خلل وضعف
وذا داعي المنون ضحى وممسىيناديني هلم نداء عنف
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ فلي هرب المروع يروم منجىأمامي وهو لا ينفك خلفي
وقد جعلت لي الستون قيداوثيقا مؤذنا بلحاق حتف
وشيبي منذر لو أن نفسيتطاوع بالمتاب بغير خلف
فكم وعد لها من بعد وعدولكن ما لها عزم موفي
وليس سواك يا مولاي أرجوعلى إسرافي الأحرى بصرف
فعامل بالجميل جميل ظنيوقابل نكر أفعالي بعرف
النص من طبعة دار الثقافة ببيروت (١٩٦٣م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع