من «الكتيبة الكامنة فيمن لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
الكتيبة الكامنة (٣)
ومن شعره مقتطعا من أبيات:
أقول لها من بعد ما كدت للهوىأميل وأعصي داعي الرشد والنصح
إليك فهذا الشيب أوضح صبحهوقد أوجب الإمساك متضح الصبح
فصدت وأغرت بالخضاب لعلهاتسوم دليل الحكم يوما من القدح
فقلت كفى بالزور في الوجه شاهدا ... يحط جميلا في الوقار إلى القبح ؟ القاضي أبو القاسم محمد بن يوسف المعروف بابن الجقالة:
صدر في القضاة، وينبوع للخلال المرتضاة، وطابع لسيوف الكلام المنتضاة، شب في الحكم وشاب، وورد الجمام والأوشاب، وسلك من الأدب على السنن المأثور، وركض جياد المنظوم والمنثور، فكان مخصوصا في أهل زمانه بالإجادة، إلى ما تميز به من الأصالة والمجادة، ومن شعره في غرض النسيب:
أعد التفاتك في الهوى لمتيميشكو النوى من ظلم متظلم
لو كنت تسمح بالتفاتك ساعةلرأيت كيف أذاب حبك أعظمي
جسم نحيل لو وقفت برسمهلعرفته من بعد طول توهم
أخفى الضنى جسدي فصار كأنهمعنى خفي في كلام مبهم
ولنار شوقي في الضلوع توقدويزيدها دمعي التهاب تضرم
وعجبت من ضدين كيف تجمعاالنار تضرم والمدامع تنهمي
رحماك في دنف أرق من الهوارفقا بمن يهواك وارحم ترحم
يا هاجري يا قاتلي بصدودهأحللت لا بالشرع قتل المسلم
هذا نجيعي فوق خدك شاهدأجنيت حتى حل قتلي أو دمي
إن قلت ما في الخد غير توردفدمي عليه لائح كالعندم
سلت على قرب لحاظك مرهفاورمت على بعد كرمي الأسهم
ولقد علمت بأنها سفكت دميلكن جهلت كأنني لم أعلم
وأردت أخذ الثأر منك فراعنيمن غابة الغزلان صولة ضيغم
ما كنت اطلب منك ثارا في دميأن شئت قتلي فهو غير محرم
لا ثار لي غير الوصول وأخذهصعب المنال على المشوق المعدم
بهواك إلا ما رحمت صبابتيونظرت من حالي بعين ترحم ومن مقطوعاته قوله:
وصحبت أيامي على علاتهاوبلوتها في شدة ورخاء
وقطعتها بالشكر في نعائمها ... ولقيتها بالصبر في الضراء وقال يرثي الوزير أبا عبد الله بن الحكيم ﵀، وكان لم يقبر:
قتلوك ظلما واعتدوافي فعلهم حد الوجوب
ورموك أشلاء وذاأمر قضته لك الغيوب
إن لم يكن لك سيديقبر فقبرك في القلوب
؟ إسماعيل بن محمد بن محمد بن هانئ القاضي
أبو الوليد، ﵀:
قريع حسب، جامع بين مورث في الفضل ومكتسب، تحلى بالصيانة الضافية الجلباب، ونشا في اللباب، من ذوي العكوف والاكباب، فحفظ موطأ الأمام، كأنما اجترع جرعة من ماء الغمام، ورحل من بعد التحصيل، وطلب الأصيل، وأستقر بالمشرق بادي احتشام، مدرسا بحماة الشام، وله شعر عارضته قوية، وسبله في الإجادة سوية، فمن ذلك قوله:
أتعرف ربعا للتواصل قاوياعفت آية إلا الصوى والأواريا
تعاور فيها كل عاس مجلجلوجرت عليه الرامسات السوافيا
بكت برباه للسحاب مدامعفلما وهت ألقت عليه المآقيا
ولما دعا داعي الفراق وأجهشتقلوب تلقت من يد الشوق فاريا
وأصبح داعي الشوق لأيا مسيرهوداعي التنائي ناعب السرب ضاويا
ظللت ترجي الوصل منه ولم تكنله قبل إلمام التفارق راجيا
إذا شمت برقا هجت بشرا لعلهأتى موهنا من أرضه لك ساريا
وان سمعت أذناك في سبب صدىأصخت رجاء إن أتى لك داعيا
وان كان وافى في الدجنة طارقتبادر عساه أن يكون الموافيا
لعلك تلقاه بعاف سبيلهمن الأرض قد أضحى من الأنس خاليا
عفا فغدا لا يستبين لناظروإدراكه يعشي العيون الروانيا
فتلقاه فردا لا يراع بكاشحأمينا من آن تلقى سواه ملاقيا
قريب التلافي غير صعب قيادهكما شئت بسام الثنايا مواليا
يمد رواقا للتواصل سجسجاويورد عذبا من تدانيه صافيا
فتجني الرضى منه على حين غفلةمن الدهر مهلا ليس ترهب واشيا ومنها بعد كثير:
فهاك معنى القلب جمر غرامهله لوعة لا ترتجي الدهر آسيا
يجهز جيشا للغرام مظفراويورده بحرا من الدمع طاميا
موارد دمع لا يخاف نفادهايمد الثكالى بحرها والبواكيا
يغالب أشجانا براه غلابهافاصبح للخدين والوجه كابيا
سفاه لعمري ان يغالب قادرعلى الفصل لا يلقى عن الهم ثانيا
ومن رام غمر البحر يزحم موجهفأوشك بان يلقى لدى النسف طاميا
فلا تتبع يأسا فتتلف بالأسىفؤادا بنار الوجد اصبح صاليا
فقد يدرك الصعب البعيد مرامهويضحي الذي أبدى الجماح مواتيا
ويضحي الذي منه الغرام وداؤهإذا شاءه الله الطبيب المداويا وقال في قصيدة:
هوى والهوى يتلوه اثر الهوى هوىكذاك هوى حتى ازور المقابرا
فلو جئت قبري بعد سبعين حجةتزور وقد صارت عظامي نواخرا
لكان الصدى مهما أتيت مسلما ... ومؤتمرا إن كنت قد جئت أمرا وهو لهذا العهد بالبلاد قد ارتبط واغتبط، وفي غير الفنون النافعة ما خبط، وبلغت عنه وفاة كاذبة اقتسم لها ميراثه، كما قيل:
أكلوه حيا هل سمعت كآكلمن غير مضطر للحم أخيه
الشيخ القاضي أبو عمرو عثمان بن محمد
بن يحيى بن منظور القيسي
صدر معارف جمة، وصاحب نفس بالكمال مهتمة، كانت أخلاقه كالزلال بل هي أعذب، وشمائله يحسدها الأريحي المهذب، بذ السوابق في منقول ومعقول، وبشر مصقول، وتولى القضاء فحسنت السيرة، وسهلت في الحق المذاهب العسيرة، وكان لا يتصف بنثر ولا نظم، ولا يغتبط من ذلك بلحم ولا بعظم، إلا ما وقفت عليه بخطه في ظهر كتاب ألفه شيخنا الوزير أبو بكر ابن الحكيم، ﵀،وسماه الفوائد المنتخبة والمواد المستعذبة، فاستحق الذكر في هذه الطبقة لذلك، والسير في هذه المسالك، ونصه:
قد جمع الحكم وفصل الخطابما ضمه مجموع هذا الكتاب
من أدب غض ومن عليةتسابقوا للخير في كل باب
فجاء فذا في العلا والنهىومنتقى صفو لباب اللباب
ألفه الحبر الجليل الذيحاز العلا إرثا وكسبا فطاب
القاضي الشيخ أبو بكر بن ولي الله تعالى أبي جعفر ابن الزيات
هضبة توقير لا ترجف ولا تزلزل، وذروة دونها السماك ألا عزل، بنى على أساس الأبوة الشهيرة، وسفر فضله عن محيا شمس الظهيرة، وكان فرعا من دوحة، وصفي غدوه في سبيل الله وروحه، متجر الرواية عاليها، متصل المثابرة متواليها، حسن الخط مجيده، محليا به نحر ما يلفظه وجيده. وكان يلم يشعر لم اقف منه ألا على قوله:
يفاتح بالتسليم مجلس عزلكموبالرحمة العظمى وبالبركات
وحبي فيكم غير خاف عليكموحسبي هذا الحب طول حياتي
أدام لك الله السعود وأبقيت ... علاك بجيد الملك منتظمات وكتب مستدعيا إجازة أهل عصره إياه، فكان من منظوم ذلك قوله:
لما علوتم يا مصابيح الدجىرتبا قصرت عليكم مني الرجا
وقرعت باب الفضل منكم سالكاسننا من الحرص الرضي ومنهجا
وأبيت إلا ان أكون ابنا لكمعملا بما يقضي به حكم الحجى
والله جل اسما يطيل بقاءكمويري ابنكم فيكم جميعا ما رجا
محمد بن محمد بن شعبة الغساني أبو عبد الله، رحمة الله عليه:
فاضل نزع من بيت العمل، إلى ارعاء الهمل، وصحا من بعد الثمل، فظفر من القضاء بالأمل، وجنح على قلم الحساب، إلى الاستماء للخطط الرفيعة والانتساب، لما شهر بزهده في الاكتساب، فكان مشكور التحول، محمود التعول، وفقا في ترك التكسب المعتاد والتمول، وله ادب نبيل، وسمت وضح منه في التزامه سبيل فمن ذلك قوله:
يبلى على مر الجديدين الهوىوهواك يا ليلى جديد باق
قد رق من فرط الهوى جسمي فهللي في الهوى من مشفق أو راق
ما ذاق قيس في الهوى ما ذقتهكلا ولا أحد من العشاق
أنت المنى فصلي محبك أو ذريلابد منك على نوى وتلاق ومن شعره قوله:
إذا ما الخل خالك دمن ودوجارك بالكلام عليك جارا
ففارق كل من يدعى خليلاولا تصحب من الأقوام جارا
ومن شعره أيضا:
ما ذوق الدهر الأنام مشقةمثل اعتياض شبيبة بمشيب
وبعاد من قربت إليهم داره ... وفراق كل حبيبة وحبيب محمد بن سعد بن قاسم الأوسي أبو عبد الله بن الفخار، ﵀:
متفنن من المعارف في أزهار على انهار، بين بنفسج وبهار، ونفس سهلة، تريك عين السراوة لأول وهلة، لا تدري من أي أمريه تعجب، ولا أيهما بالاستحسان أوجب أصورته الوضية، أم أخلاقه المرضية، برع في الوثيقة وأحكامها، وتنزيل فصولها على مقتضيات أحكامها، وولي القضاء فشكر له فيه التصرف، وأمكن بالمعارف التعرف؛ وله شعر نبيه، وبستانه في الفضل والظرف شبيه؛ فمن ذلك قوله من كتاب سماه: " خمائل في شمائل الكرام ":
جمال ذي الأنفس أن تتضعفاعمل على تحصيل ذا تنتفع
فهذه الأثمان في وزنهاأن يك فيها ناقص يرتفع وقال في الزهد:
اخرج من الدنيا ولا تعتلقمنها بما لا بد أن ينتسف
ألا ترى البدر على بعدهمهما يكن في ظلها ينكسف ومن ذلك قوله:
إياك من زهرة الدنيا وزينتهاولتنا عن ذا الدنا مهما إليك دنا
وازهد إذا أمكنت من نفسها كرمافالزهد فيها يريح النفس والبجنا ومن ذلك في فعل الخير:
دار بهذي الدار سكانهاتقم على التأسيس أركانها
ولتفعل الخير فما غيرةمن واجب قاوم إمكانها ومن ذلك في اجتناب الغش
صاف لمن صافاك وابرزلةمستوي الباطن والظاهر
لا تك كالماء يغر الفتىصفاؤة وليس بل لطاهر ومنة في السفر
سافر فما استولى على غايةمن ليست الأسفار من ديدنة
فالغيث غيم وهو في جوةوالتبر ترب وهو في معدنة
الشيخ القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن منظور القيسي
رجل أصيل الحسب،كريم النسب، جامع في الفضل بين الموروث والمكتسب، احسن الناس لقاء، وأرواهم في البر سقاء، وأوطأهم كنفا، واقلهم بأواً وأنفا، شيم تنم الأصالة على أثوابها الضافية، وتخبر رواية الرواة عن فضل مواردها الصافية، وان يصدر منه شعر لم يحضرني منه الآن ما أنشدنيه:
ما للعطاس ولا للفال من اثرفثق فديتك بالرحمن واصطبر
وسلم الأمر فالأحكام ماضيةتجري على السنن المربوط بالقدر الشيخ القاضي أبو الحجاج يوسف بن موسى
الجذامي المتشافري
حسنة من حسنات الدهر، وتحفة من تحف السر والجهر، وجالب أبكار أفكار تجل عن المهر، شيخ دمث الخلائق، متمسك من
الفضل بأقوى العلائق، كلف بالأدب الرائق، وشتى الفنون والطرائق، سبق بقطرة حلبة الرهان، وصان حشمته من الامتهان، وعني بالبيان، فجاء على خبرة بالعيان، وطارت منظومات في الأقطار كل مطار، مزرية بعرف الروضة المطار، وله تواليف حسنة الاغراض، وجواهر تلفى خلل تلك الأعراض، وولي القضاء فحمدت سيرت، وأثنت علية جيرتة. لقيتة في بعض الغزوات فاستظرفته، لما عرفته، وخاطبته بقولي:
حفظت على فرط المشقة رحلةأتاحت لعيني إجلاء محياكا
وقد كنت بالتذكار في البعد قانعاوبالريح ان هبت بعاطر رياكة
فجاءت لي النعمى بما أنعمت به ... علي فحياها الإله وحياكا واتصل بها نثر ثبت في غير هذا فأجابني بمنظوم ومنثور، افتتحه بهذه الأبيات:
حباك فؤاد نيل بشرى فأحياكاوحيد بآداب نفائس حياكا
بدائع أبداها بديع زمانهفطاب بها يا عاطر الروض رياكا
أمهد أودعت قلبي علاقةوان لم أزل مغرى قديما بعلياكا
إذا ما أشار العصر نحو فريدةفإياك يعني بالإشارة أياكا
لأتحفني لقياك أسنى مؤمليوهل تحفه في الدهر الا بلقياكا
وأعقبت إتحافي فرائدك التيوجوب ثنائي يا لساني أعياكا
وأنشدني قصيدته المطولة في مدح مولانا رسول الله ﷺ:
لم تناهى الصب في تشويقهدرر الدموع أعتاضها بعقيقه وقصيدته في الغرض المذكور وأولها:
إليك تحن النجب والنجباءفهم وهي في أشواقهم شركاء وأنشدني من شعره
هواكم بقلبي ما لنحكمه نسخومن اجله جفني بمدمعه يسخو
ومن نشأتي ما أن صحت منه نشوتيسواء به عصر الشباب أو الشرخ
عليه حياتي قد تمادت وميتتيوبعثي إذا بالصور يتفق النفخ
ولي جلد أضحى قنيص غرامهولا شرك يدني إليه ولا فخ
قتلت سلوي حين أحييت لوعتيوما احتيج للإقرار في حالتي لطخ
وما صح جسمي إذ زكت بيناتهيحول عليه من دموع الأسى نضخ
وأرجو بتحقيقي هواكم بان أفيبعهد ولا نقض وعقد ولا فسخ
وما الحب إلا ما استقل ثبوتهلمبناه زص في الجوانب أو رسخ
إذا مسلك لم تستقم بطريقهسلكت اعتدالا مثلما يسلك الرخ
بدا لضميري من سناكم تلمحفبخ لعقل لم يطر عندها بخ
على عود ذاك العهد مازلت نادباكما تندب الورقاء فارقها الفرخ
يدي بأياديكم وقلبي شاغلفمن فكرتي نسج ومن أناملي نسخ
ومن مقطوعاته:
أدب الفتى في أن يرى متيقظالأوامر من ربه ونواهي
وإذا تمسك بالهوى يهوي بهفالحبل منه لمن يتقن واه ومنها:
ترى شعروا أني غبطت نسيمةذكت بتلاقي الروض غب الغمائم
كما قابلت زهر الرياض وقبلتثغور أقاحيه بلا لوم لائم ومنها:
لوعة الحب في فؤادي تعاصتأن تداوى ولو أتى ألف راق
كيف برئي من علة وعليهازائد علة النوى والفراق
فانسكاب الدموع جار مجاروالتهاب الضلوع راق فراق ومنها:
يا من في دنياه ظل في لججحقق بأن النجاة في الشاطئ
تطمع في إرثك الفلاح وقدأضعت ما قبله من اشراط
كن حذرا في الذي طمعت بهمن حجب نقص وحجب إسقاط
القاضي أبو جعفر احمد بن عبد الحق الجدلي الأستاذ، ﵀:
مدلول لفظ الظرف، وروضه العطر العرف، المستوقف للطرف، فتح الله له الفضل باعا، وملاه له انقيادا وانطباعا، أمتعه إمتاعا وخوله من حظوظ العاجلة والآجلة متاعا؛ ما شئت من وجه جميل، ووخد في السرو وذميل، واضطلاع بالفنون الجمة، والمعارف [ب] المخولة المعمة، يجيل في ميادينها الجياد، ويروم صعابها فتعطي القياد، واتصلت برعيي إياه أيام ولايته، وضفت عليه لله أثواب عنايته، إلى أن مات موجع الفقد، وثيق العقد، محاشى صداق صدقه من النقد. وكان له شعر يحسن متى يسرد، ومعان عن حمى الإجادة لا تطرد. فمن ذلك قوله في جدول:
ومنمنم الشطين منه حمائلكالمشرفي قد اكتسى بفرنده
فخمائل الديباج منه خمائلمتعانق فيها البهار بورده
وقد اختفى طوق له في دوحةكالسيف رد ذبابه في غمده وقال في شجر نارنج:
وثمار نارنج ترى أزهارهمع قانئ النارنج في تنضيد
فإذا نظرت إلى تآلفها أتتكمباسم أومت للثم خدود وكتب صحبة أقلام أهداها:
يا ناظما أربى على حسانيا ناثرا أزرى على سحبان
خذها ذوا بل من وشيج يراعةحازت قواما مثل غصن ألبان
أهديتها لبراعة راقت علىطرس لكم يربي على بستان
آخيت بين يراعة وبراعةإذ زنت خطا رائقا ببنان الشيخ القاضي أبو زكريا يحيى بن السراج
الأستاذ المعروف بابن جلوط
شيخ سكون، له إلى حومة الخير ركون، منقبض عن الناس، طاهر ثوب العدالة من الأدناس، نشأ خدن الصيانة، وقاضيا دين الديانة، ولقي جلة، وقادة بأعباء الفضل مستقلة، فاستفاد معارف تجمل منها بحلي ومطارف، وولي القضاء فلم يأل تسديدا، ولا عدم للنزاهة ظلا مديدا، لقيته بجبل الفتح حليف اغتباط، بجهاد ورباط، وقيدت من شعره ما وسعه زمان لقائه، مكتتبا من ألقاه، فمن ذلك قوله وهو شاهد بزهده، وانقباضه عن الدنيا بجهده، رحمة الله تعالى:
نهاك نذير الشيب لو كنت ترعويوهل بعد انذار المشيب نذير
إلى كم ترى عن نصح نفسك معرضاوتصغي إلى الآمال وهي غرور
أرى العمر ولي معرض عنك فاغتنمبقيته أن البقاء عسير
وبادر إلى الطاعات غير مقصرفأطول أيام الحياة قصير
إلهي أجرني من عذابك انهعذابك محذور وأنت مجير
ولا تخزني يوم الحساب ونجنيبفضلك إن الفضل منك كبير
ندبت إلى الصفح الجميل فجد بهفأنت به يا ذا الجلال جدير
ومن بجبري من قبيح إساءتيفعبدك مما قد جناه كسير
فما ضل من أتيته رشد نفسه ... ولا ذل من والاه منك نصير القاضي أبو جعفر احمد بن محمد بن علي بن برطال رحمة الله عليه:
رجل تجمل بلباس نبيه، من ميراث ابيه، فلم يأل اقتصادا، ولا اعمل للعنقاء مصادا، ولا أرصد للحظ إرصاداً، فجاءه عفوا، ووروده صفوا؛ وتقدم قاضي الجماعة، شاردا أمله عن الطماعة، وعجب لذلك خطاب
الخطة، والقدر لا يستعدى عليه صاحب الشرطة، وفي ذلك يقول شيخنا أبو البركات:
إن تقديم ابن برطال دعاطالبي العلم إلى ترك الطلب
حسبوا الأشياء من أسبابها ... فإذا الأشياء من غير سبب إلى انه وان لم يعمل الاستعداد، لم يتخط السداد، وكان الصون أخص صفاته، والهوادة تزل عن صفاته، وكانت ولايته قريبة من وفاته، ولم ينتحل الشعر ليحسب من أربابه، أو يعده منحيا الرزق وأسبابه، إلا أنني وقفت له على بيتين يندران على مثله، ويدخلان وليمة الشعر ويترفعان عن مثاله، وهما ما أنشد من ودعه:
استودع الرحمن من لوادعهمقلبي وصبري آذنا بوداع
بانوا فطرفي والفؤاد ومقوليباك ومسلوب العزاء وداع
الشيخ القاضي أبو البركات محمد بن أبي بكر محمد بن إبراهيم
ابن الحاج البلفيقي السلمي شيخنا رحمه الله تعالى
واحد الفئة، وصدر صدور هذه المائة، ولعمري ان قوادم الاجتهاد لمقصوصة، وقواعد النصفة غير مرصوصة، لتعيين غاية مخصوصة، بل نقول وهو الوفاء، وفيه للصدر الشفاء، تحفة الدهر التي يقل لها الكفاء، وبقية السلف التي يقال عندها: " على آثار من ذهب العفاء "، اما لفظ السيادة فهو مدلوله، وأما ربع المجادة فلولاه لا قوت طلوله، فما شئت من شرف زاحم الثريا بمناكبه، ومجد خفقت بنوده فوق مواكبه، وحسب ككعوب الرمح كابرا عن كابر، وأصالة تنتقل أسرارها إلى بطون المحارب من ظهور المنابر، تواضع عن علو الهمة، وتنازل مع الاستواء بأعلى القمة، وآثر الخمول مع جلالة القدر ووفور الذمة، واخذ عن الأصاغر مع كونه إمام الأئمة؛ كان ﵀ ابعد خلق الله عن الحسد، وأشدهم إقداما على الاسد، ومتنفسا عن نفس لا نسبة بينها وبين الجسد؛
معروف الوفاء لمن عرفه، لا يساكنه الرياء في بقعه، ولا يساوقه الملق في رقعه، يرسل النادرة، ثم يتبعها الزفرة البادرة، والعبرة الهادرة، فمجالس العدل والأقساط، مشوبة بالانبساط، ودسوت الإثبات والمحو، متعاقبة الغيم والصحو، وسقائف الجعجاع، جامعة بين الاسترسال والاسترجاع، والتفكه بالاسجاع، والتزلف بتسكين الأوجاع؛ وأما الخطابة فهو زيد الخيل إذا منبر اخرج، ولموقف الفضل اسرج، يبتده الشوارد على ظهره، معفيا طبعه من قهره، مقتضيا منه في الساعة من دهره، خبيئة شهره، كلما فجر مذانب البيان من نهره، أتحفها عود المنبر بزهره.
وبالجملة فكان هذا الشيخ في سلف، واهتمام زكلف، وعدم خلف، بمنزلة أبي دلف، " ولت الدنيا على أثره "، وقل إن ترجع، والبرهان يفضح من يجعجع؛ وله في الأدب عليا الدرجات، والافواح المتأرجات، والبدائع التي سارت مسير الشمس في الأقطار، وتغنى بها راكب الفلك وحادي القطار؛ فمن ذلك قوله في الأغراض الواهيات والأذواق الشهيات:
يأبى شجون حديثي الإفصاحإذ لا تقوم يشرحه الألواح
قالت صفية عندما مرت بهاابلي أتنزل ساعة ترتاح
فأجبتها لولا الرقيب لكان فيما تبتغي بعد الغدو رواح
قالت: وهل في الحي حي غيرنافاسمح فديتك فالسماح رباح
فأجبتها: إن الرقيب هوالكبيديه منا هذه الأرواح
وهو الشهيد على موارد عبدهسيان ما الإخفاء والإيضاح
قالت وأين يكون جود الله إذيخشى ومنه هذه الأفراح
فافرح على اسم الله ﷻواشطح فنشوان الهوى شطاح
وارهج على ذمم الرجال ولا تخففالحلم رحب والنوال مباح
وانزل على حكم السرور ولا تبلفالوقت صاف ما عليك جناح
واخلع عذارك في الخلاعة يا أخيباسم الذي دارت به الأقداح
وانظر إلى هذا النهار فسنهضحكت ونور جبينه وضاح
أنواره نفحت واترع كأسهفقد استوى ريحانه والراح
وانظر إلى الدنيا بنظرة رحمةفجفاؤها بوفائها ينزاح
لا تعذل الدنيا على تلوينهافلليلها بعد المساء صباح
فأجبتها لو كنت عالمة الذييبدو لتاركها وما يلتاح
من كل معنى غامض من أجلهقد ساح قوم في الجبال وناحوا
حتى لقد سكروا من الأمر الذيهاموا به عند العيان فباحوا
لعذرتني وعلمت أنى طالبما الزهد في الدنيا له مفتاح
فاترك صفيك قارعا باب الرضىوالله ﷻ فتاح
يا أخت حي على الفلاح وخلنيفجماعتي حثوا المطيّ وراحوا ومن هذا النمط الغريب النزعة:
خذها على الرغم الفقيه سلافةتجلى بها الأقمار في شمس الضحى
أبدى أطباء العقول لأهلهامنها شرابا للنفوس مفرحا
وإذا المرائي قال في نشوانهاقل أنت بالإخلاص فيمن قد صحا
يا قهوة دارت على أربابهافاهتزت الأقدام منها واللحى
مزجت فغار الشيخ من تركيبهافلذاك جردها وصاح وصرحا
وبدت فغار الشيخ من إظهارهافاشتد يبتدر الحجاب ملوحا
لا تعترض أبدا على مستهترلم [يدر] ما الإيضاح لما أوضحا
سكران يعثر في ذيوله لسانه ... كفرا ويحسب انه قد سبحا كتم الهوى حرية بعض وبعض ضاق ذرعا بالغرام فبرحا ...
لا تحسبن على العدالة هاتفانقد ارتياح العاشقين مبرحا
الحب خمر العاشقين وقد قضتحتما على من ذاقها أن يشطحا
فاشطح على هذا الوجود وأهلهعجبا فليس براجح من رجحا
كبر عليهم انهم موتى علىغير الشهادة ما اعر واقبحا
واهزأ بهم فمتى يقل نصحاؤهمافلح فقل حتى ألاقي مفلحا
وإذا رزينهم استخفك قل لهبالله يا يحيى العامرية بن يحيى دع جحا
ابني سليمى قد محا مجنونكممجنون ليلى العامرية قد محا
هل يستوي من لم يبح بحبيبهمع من بذكر حبيب قد صرحا
فافرح وطب وارهج وقل ما شئتهما املح الفقراء يا ما أملحا
ومن الأبيات المقطوعات قوله لمن استدبره بحلقة العلم بسبتة أيام رحلته أليها في طلب العلم الشريف يعتذر من فعله ذلك:
إن كنت أبصرتك لا أبصرتبصيرتي في الحق برهانها
لاغرو أني لم أشاهدكمفالعين لا تبصر إنسانها ومن ذلك قوله في غرض التورية وهو بديع:
يلومونني بعد العذار على الهوىومثلي في حبي له لا يفند
يقولون: امسك عنه قد ذهب الصبا ... وكيف أرى الإمساك والخيط اسود ومن ذلك قوله في المجبنات وهو بديع جدا:
ومصفرة الخدين مطوية الحشاعن الجبن والمصفر يؤذن بالخوف
لها بهجة كالشمس عند طلوعها ... ولكنها في الحين تغرب في الجوف وقال في معتقل شفع فيه يقال له مرجى:
مرجى يرجي فضل أنعمك التيبكفيك مجراها ثناء وموحدا
وقد جدت بالإحسان في حل قيدهفصيره بالإحسان مقيدا ومن قوله في السر والمحافظة عليه:
إذا ما كتمت السر عمن أودهتوهم أن الود غير حقيقي
ولم أخف عنه السر من ظنه بهولكنني أخشى صديق صديقي ومن قوله في شكوى البعاد:
قالوا:تغربت عن أهل وعن الوطنفقلت: لم يبق لي أهل ولا وطن
مضى الأحبة والأهلون كلهموليس بعدهم سكنى ولا سكن
أفرغت حزني ودمعي بعدهم فأنامن بعد ذلك لا دمع ولا حزن ومن قوله في الحكم والأمثال:
ما رأيت الهموم تدخل إلامن ضروب العيون والآذان
غض طرفا وسد سمعا وإن ... أحسست هما فلا تثق بضماني وقال في زرقة عينيه وهو من الغريب في معناه:
حزنت عليك العين يا مغنى الهوىفالدمع منها بعد بعدك ما رقا
ولذاك ما صبغت بلون ازرقأو ما ترى ثوب المآتم ازرقا ومن نفثاته الغريبة قوله:
تطالبني نفسي بما ليس لي بهيدان وأعطيها الأماني فتقبل
عجبت لخصم لج في طلباتهيصالح عنه بالمحال فيفصل وقال في ذم النساء:
ما رأيت النساء يصلحن إلاللذي يصلح الكنيف لأجله
فعلى هذه الشريطة فأصبحنلا تعد بامرئ عن محله وقال في المعنى المذكور:
قد هجوت النساء دهرا فلمأبلغ أداني صفاتهن الذميمه
ما عسى أن يقال في هجو من قدخصه المصطفى بأقبح شيمه
أو يبقى لناقص العقل والدينإذا عدت المثالب قيمه وقال وما أعرقه في الأصالة:
قد كنت مغرورا بوعظي وماأبث من علمي بين البشر
من حيث قد أملت إصلاحهمبالوعظ والعلم فخان النظر
فلم أجد أوعظ للناس منأصوات وعاظ جلود البقر ومما أنشدني وقد خرجت يوما لتوديعه:
يا من إذا ما رمت توديعهودعت قلبي قبل ذاك الوداع
فأترك التوديع عمدا لكيأعلل النفس ببعض الخداع
يا محنة النفس بمألوفها ... من اجلها قد جاء هذا الصراع ولو لم يكن في هذه الطبقة الجليلة إلا هذا الرجل لكان كافيا، رحمه الله تعالى.
؟ القاضي أبو يزيد خالد بن [عيسى بن]
أحمد القتوري البلوي صاحبنا:
هذا الرجل كان كالجمل المحتمل يريبك مجموعه، ويهولك مرئيه ومسموعه، فإذا زمزم الحادي سالت من الرقة دموعه، فظاهره جسم جسيم، وللزرافة قسيم، وباطنه في اللطافة نسيم، وروض يرتاده مسيم؛ سكن
البادية خيرا عفيفا، ومن المؤن خفيفا، يرتاح إلى عقائل الآداب ارتياح قيس إلى ليلى، ويميل به الغبيط إلى الاغتباط ميلا، وكلما ظفر بها يوما أو ليلا، طفف كيلا، وجمع ثريا وسهيلا، ثم راح المشرق، وعشا إلى نوره المشرق، مع اخضرار العود وسواد المفرق، وغفلة من الزمان المطرق، فحج وزار، وطرح الأوزار، واستسقى السحب الغزار، ودون رحلته فأحسن وأطرف، وحلى وعرف، وقفل مغربا بتشريقه، وكتب عن بعض الملوك الكبار بطريقه، ثم ارتسم في حزب القضاء وفريقه، وأدبه مشتمل على نثر ونظم، ولحم وعظم، ولنثره على نظمه شفوف، والى اللحاق بذي الإجادة خفوف؛ فمن شعره:
الله أكبر حبذا إكبارههذا الشفيع لنا وهذي داره
لاحت معالم يثرب وربوعهامثوى الرسول وداره وقراره
هذا النخيل وطيبة ومحمدخير الورى طراً وهاأنا جاره
هذا المصلى والبقيع وها هناربع الحبيب وهذه آثاره
هذي منازله المعظمة التيجبريل ردد بينها تكراره
هذي مواضع مهبط الوحي الذيتشفي الصدور من العمى أسطاره
هذي مواطئ خير من وطئ الثرىوعلا على السبع العلا استقراره
ملأ الوجود حقيقة إشراقهفأضاء منه ليله ونهاره
والروضة الفيحاء هب نسيمهاوالبان بان ونم منه عراره
وتعطرت سلع فسل عن طيبهالم لا تطيب وبينها مختاره
بشراك يا قلبي فقد نلت المنىوبلغت ما تهوى وما تختاره
وتجل يا طرفي فيالك ناظراًأبصرت طيبة فانقضت أوطاره
قد أمكن الوصل الذي أملتهوكذاك حبي أمكنت أسراره
قد كان عندي لوعة قبل اللقاوالآن ضاعف لوعتي أبصاره
رفقا قليلا يا دموعي اقصريفالدمع يحسن في الهوى اقصاره
قد كانت الدمن الكريمة في غنىعن أن يفيض بربعها تياره
أيضيع من زار الحبيب وقد رأىأن المزور بباله زواره
أيخيب من قصد الكريم وعندهحسن الرجاء شعاره ودثاره
! أيؤم بابك مستقيل عاثرفيرد عنك ولا تقال عثاره
حاشا جلالك أن يؤمله امرؤفيعود صفرا خيبت أسفاره
يا سيد الإرسال ظهري مثقلفعسى تخف بجاهكم أوقاره
رحماك فيمن أوبقته ذنوبهفكأنما إقباله أدباره
لبس الصغار وقد تعاظم وزرهوالعفو تصغر عنده أوزاره
شط المزار ولا قرار وشد مايلقى محب شط عنك مزاره
وافى حماك يفر من زلاتهواليك يا خير الأنام فراره
واتاك يلتمس الشفاعة والرجايقتاده وظنونه أنصاره
والعبد معتذر ذليل خاضعومقصر قد طولت أعذاره
متوسل قد أغرقته دموعهمتوصل قد أحرقته ناره
قذفت به في غربة أوطانهورمت به لعلائكم أوطاره
فامنن وسامح واعف واصفح واغتفرفلانت ماح للخطا غفاره
صلى عليك الله ما حيا الحيا ... روض الربى وترنمت أطياره ومما نسب لي إلى نفسه، وأربى يومه في الإجادة لديها على أمسه، قوله:
بعثت خيالا والعواذل هجعفسرى ينم به شذا يتضوع
ودنا يعاطيني الحديث على دجىكاس الثريا في يديه تشعشع
وكأنما الإكليل جام مذهببيواقت الجوزاء فيه يرصع
نادمت فيه أخا الغزالة جؤذرايغدو بأكناف القلوب ويرتع
في ليلة لا الوصل فيها بينناخجل ولا قلب العفاف مروع
رق الهواء بها ورق لي الهوىفمشى موشى بيننا وموشع
يا جيرة جار الزمان ببعدهمومقرهم مني الحشا والأضلع
إن كان موضعكم خلا عن ناظريلم يخل منكم في فؤادي موضع
لم تسكنوا وادي الأراك وإنماقلبي مصيفكم ودمعي المربع
والله ما ضحك الربيع بربعكمإلا وعن عيني مزن يهمع
وإذا شكوت إلى الصديق فانهيسليك أو يغنيك أو يتفجع
يا بارقا تنشق عنه سحابةعن مثل مدمعي السفوح وتقلع
أشبهت من أهوله حسن تبسمفأصبت إلا انه هو انع
بالله خذ عني تحية نازحلم يبق فيه اليوم فيما يطمع
وأقرا على الجزع السلام وسح منقطرات دمعك حيث تلك الأربع
ما كان أطيب الماضي عيشنا الماضي بهالو كان ذاك العيش فيها يرجع
أيام نغفر للصبا ذنب الهوىونشفع الوجه الجميل فيشفع
ما سرني تبديد دمعي لؤلؤا ... وعهدته بيد الحسان يجمع القاضي أبو جعفر بن أبي القاسم محمد بن أبي القاسم محمد بن جزي
ولد الخطيب المذكور
هضبة وقار، تنظر إلى رضوى بعين احتقار، اقتدى بما له من كرم الأبوة، ولبس وقار الشيخ في سن الفتوة، فتقلد مآثر الفتوة وتوشح، وتأهل لرتبتهم لا علية وترشح، فما شئت من هدوء وسكون، وجنوح إلى الخير وركون، ونزاهة وعفاف، وتبلغ بكفاف، واصبح في عصره زينا، وفي جملة أعيانا عينا، إن ركض في مركزه سبق، اغو اهتز إلى محاضرة تأرج عرفة وعبق، وأدبه أدب ساطع، حسن المقاطع؛ فمن غزر قصائده التي حملتها عنه الرواة، وأعانه على مصنوعه الشريف الأدوات، قوله:
أقول لعزمي أو لصالح أعمالي" ألا عم صباحا أيها الطلل البالي "
إما واعظي شيب سما فوق لمتي" سمو حباب الماء حالا على حال "
أنار به ليل الشباب كأنه" مصابيح رهبان تشب لقفال "
نهاني عن غيي وقال منبها" الست ترى السمار والناس أحوالي "
يقولون غيره لتنعم برهة" وهل يعمن من كان في العصر الخالي "
أخالط دهري وهو يعلم إنني" كبرت وان لا يحسن اللهو أمثالي "
ومؤنس نار الشيب يقبح لههوه" بآنسة كأنها خط تمثال "
أشيخا وتأتي فعل من كان عمره" ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال
وتشغفك الدنيا وما إن شغفتها" كما شغف المهنوءة الرجل الطالي "
إلا إنما الدنيا إذا ما اعتبرتها" ديار لسلمى عافيات بذي خال "
فأين الذين استأثروا قبلنا بها" لناموا فما إن من حديث ولا صال "
ذهلت بها عنا فكيف الخلاص من" لعوب تنسيني إذا قمت سربالي "
وقد علمت مني مواعد توبتي" بأن الفتى يهذي وليس بفعال "
ومذ وثقت نفسي بحب محمد" هصرت بغصن ذي شماريخ ميال "
فأصبح شيطان الغواية خاسئا" عليه القتام سيئ الظن والبال "
ألا ليت شعري هل تقول عزائمي" لخيلي كري كرة بعد إقبال "
فانزل دارا للنبي نزيلها" قليل هموم ما يبيت بأوجال "
فطوبى لنفس جاورت خير مرسل" بيثرب أدنى داراها نظر عال "
فمن ذكره عند القبول تعطرت" صبا وشمال في منازل قفال "
جوار رسول الله مجد مؤثل" وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي "
وماذا الذي يثني عنان السرى وقد" كفاني ولم اطلب قليل من المال "
ألم تر إن الظبية استشفعت به" تميل عليه هونة غير مجفال "
وقال لها: عودي فقالت له: نعم" وكان عداء الوحش مني على بال
ويا لبعير قال أزمع مالكي" ليقتلني والمرء ليس بقتال "
وثور ذبيح بالرسالة شاهد" طويل القوى والروق اخنس ذيال "
وحن إليه الجذع حنة عاطش" لغيث من الوسمي رائده خال "
وأصيلن من نخل قد التأما له" بما احتسبا من لين مس وتسهال "
وقبضة ترب منه ذلت لها الظبا" ومسنونة زرق كأنياب اغوال "
وأضحى ابن جحش بالعسيب مقاتلاً" وليس بذي السيف وليس بنبال "
وحسبك من سوط الطفيل إضاءة" كمصباح زيت في قناديل ذبال "
وبزت له العجفاء كل مطهم" له حجبات مشرفات على الفال "
ويا خسف ارض تحت باغيه إذ علا" على هيكل بل الجزارة جوال "
وقد أخمدت نار لفارس طالما" أصابت غضا جزلا وكفت باجذال "
أبان سبيل الرشد إذ سبا الردى" يقلن لأهل الحلم ضلاّ بتضلال
لا حمد خير العالمين أنتقيهاورضت فذلت صعبة أي إذلال "
وان رجائي أن ألاقيه غداً" ولست بمقلي الخلال ولا قال "
فأدرك آمالي وما كلُ آملٍ ... " بمدرك أطراف الخطوب ولا آل " ومن غير المطولات ما أجابني به وقد خطبت شيئا من نظمه، صحبة ما طلبت منه:
فديتك يا سيدي مثلمافداك الزمان الذي زنته
جمال فعالك أظهرتهوسر كمالك أخفيته
تشوفت مني إلى بنت فكريفشرفت شعري وزينته
وقد وردتك وأنت الذيأخذت فؤادي فخذ بنته
ومن المقطوعات قوله:
كم بكائي لبعدكم كم أنينيمن ظهيري على الأسى من معيني
جرح الخد دمع عيني ولكنلا عجب ان جرح ابن معين ومن ذلك قوله:
أرى الناس يولون الغني كرامةوان لم يكن أهلا لرفعة مقدار
ويلوون عن وجه الفقير وجوههموان كان أهلا ان يلاقى بإكبار
بنو الدهر جاءتهم أحاديث جمة ... فما صححوا إلا حديث ابن دينار القاضي عبد الله أبو محمد بن عبد الله بن خديم
اللخمي الغرناطي، رحمة الله عليه:
فاضل تطوى عليه الخناصر، ويقوم بحجة مطريه البرهان الناصر، وتقصر عن مثل عقائل بيانه المقاصر، يأوي إلى الحسب الأصيل، والطلب المؤسس على التحصيل، والإدراك الجميل الجملة والتفصيل، ورقة الحاشية التي تحسدها رقة الأصيل؛ قرأ ببلده واشتهر، وباهى ببيانه وبهر، ورحل إلى المغرب شان الكواكب، إذا ضرب من أفلاكها آباط المراكب، وتزاحمت بالمناكب في تلك المواكب، إلا انه أشرق
فلم يرغب والحمد لله ثاقبه، واختلف سيره ولم تختلف مناقبه، ولا جهلت مراقبه، ونال خططا شرعية، ورتبا مرضية مرعية، وعلا على صهوات آكام، ما بين مجالي حكم ومجالس أحكام، ثم خطب العزلة كفوا لهمه، وقنع بتافه الحظ استثقالا منه لجمه، وصرف إلى اللحاق بالبلاد المقدسة وجه مأمه. وله شعر تهوى الشعري ان تتقلد منه شنفا، والروضة الأنف إن تملا من عرفه آنفا، فمن ذلك قوله يخاطبني وقد اتخذ له بنظري دهن الورد العشاري الأجزاء:
أيا سيدي الأعلى وشمس هدايتيووجهة تعظيمي وروضة إيناسي
لساني نبا عن شكر آلائك التيتوالت فالت إن تقيد أنفاسي
ومن لي بمدح في معاليك منصفوقد جل مد البحر عن قسط قسطاس
لأرسلت نحوي من قولك لحظةفلم تبق لي آثار جودك من باس
واسيت أسقامي بتدبير جابروأسست إبلا لي على خير أساس
وناديت أنصار العلاج فأسرعتآلتيك من الآفاق سباق أفراس
من الصين أقصى الأرض والهند أقبلتتيمم من مرماك اوجه قرطاس
فنخل منها العشر عرضك جمعهالنصرة مستعدي الرجاء على اليأس
فبرز منها الورد سابق حلبةتقاسمن خصل السبق في الشكر للناس
فنفلت نيلي البرء اربح مغنمتقاد لي الآمال فيه بأمراس
وسقيتني للعلم كأسا رويةتنير دياجي المشكلات بنبراس
ومهدت لي سبل اعتنائك كاسياملابس بر صدقه دون إلباس
فاثني ثناء الروض سقاه اكؤساغمام على الساقي امتنانا أو الكاس
قياما بحق الفرض في كل محفلوسعيا للثم الرجل منك على الراس
وان جحد الناس اصطناعك أو نسوا ... فإني بريء عند ذاك من الناس وأنشدني لما صنفت كتاب " المباخر الطيبية في المفاخر الخطيبية " جملة مقطوعات منها قوله:
جميع المباخر محتاجةسواي لتجديد نار وطيب
بجمر الذكاء وطيب الثناءغنيت انتسابا إلى ابن الخطيب وقال فيها أيضا:
مباخر الطيب لها غايةمن بعدها تحتاج تجديد طيب
وهذه تعبق طيبا متىتعزى إلى منشئها ابن الخطيب ومن شعره في الحكم:
أبت المعارف ان تنال براحةإلا براحة ساعد الجد
فإذا ظفرت بها فلست بمدركإربا بغير مساعد الجد وقال أيضا في التورية:
إذا جئت ذا دنيا تؤمل حاجةفقدم شفيعاً لا يرد بأعذار
فلست ترى منه أحاديث نافعإذا لم تحدثه حديث ابن دينار ومما خاطب به بعض الشرفاء:
وقفت على حب النبي وآلهرجائي في الأخرى وفي هذه الدار
فجدك في الدنيا الشفيع لحاجتي ... وجدك في الأخرى الشفيع لأوزاري القاضي علي بن عبد الله بن الحسن النباهي البني الدعو بجعسوس
أطروفة الزمن، التي تجل غرائبها عن الثمن، وقرد شارد من قرود اليمن، ذنبا وأحداقا وفروة وأشداقا، وإشارة واصطلاحا، وخبثا وسلاحا، لا يفرق بينهما في الشكل، وقرب الغائط من الأكل، تشغل
به الصبيان إذا بكت، وتتملح بذكره الزهاد بعدما نسكت، وعن كل شيء أمسكت، إلا أن خلبه بالنسبة إلى هذا والوجه الطلق حسنة جميلة، وأوصافه بالنسبة إلى معارفه وعلومه أوصاف ابن قاضي ميلة، لا يجلب لأدب يرسم، ولا حظ من حسن الذكر يقسم، ولا لعرف يتنسم، ولا لبركة تتوسم، إنما جنب حماره في القياد، لحمل أوقار هذه الجياد، وأطراف بزرافته الخارقة حجاب الاعتياد، في مثل هذه المواسم الأدبية والاعياد؛ ومما يعاب به الزين، كي لا تصيبه العين، ويعلق على البيوت تميمة، وان كانت الأوضاع ذميمة، من حوتة، ورصاصة منحوتة، ومرار ثور، وطرف ذنب سنور، وأحماضا في المرعى الخصيب، وإيثارا للفكاهة بنصيب؛ وان كان لأبيه ببلده درجة الأمير، عند مولدي الحمير، ينظف بيديه أرحامها، بعد ان يحكم بالدهن اقحامها، ويستنطق بوحي بنانه الصفنة الجاحدة، وينزي العير الحصور فيحبل الأتان بواحدة، وكانت أمه أم جعسوس قابلة ذلك الوضع، ومقدرة الفطام والرضع، تولول عند الخلاص، وتعوذ المولود بسورة الإخلاص، وتقطع سرة اليعفور، بالاظفور، وتلعق عينه باللسان، وتبارك بعد ظهوره بدهن البلسان، ولما ترعرع ترعرع غصن السدر، من تحت القدر، وتجلت محاسن نفسه النفيسة من خلال ذلك الخدر، تحرف ببيع الحروز، وخلق في محافل البروز، وتحدى بإخراج الكنوز، بذبائح العنوز، وادعى انه يعقد اللسان، وغرم الإتاوة التي يغرمها بنو ساسان، ثم تعرف بالسلطان في حكاية، وقدمه قاضيا في سبيل يمين شاردة ونكاية، وجعله للفقهاء ببلده عقابا، وأرذالا اخضع به رقابا، وكشف عن وجه الانتفاع
نقابا، لما آسفوه بحب طلعه، وأفتوا من بعده قلعه، بوجوب خلعه؛ ثم أعاده الله تعالى إلى ملكة رقابهم، وحكمه في مجازاة احتقابهم، والدنيا قد أرملت، وما حملت من الضيم حملت، فجاءت سيره في الأحكام سمر الندام،ونقل أولي المدام، وشاهد خسة الدنيا على مملك الإبرام، والموجد بعد الإعدام.
حدث بعض من يوثق به من العدول قال:
جرى الحديث الجاري بمجلس القضاء: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " فقال لي: سبحان الله يا فقيه، كانوا في القديم مثلنا في البادية يتبايعون بالخيار والفواكه ما نتبايع بالحبوب من القمح والشعير، فضحكت وقلت: لا ينكر أن يتصارف الناس بما يغلب عندهم ويكثر وجوده.
وقال آخر منهم: نظر إلينا وقد نزلنا من المئذنة من ارتقاب بعض الأهلة، ونحن أولو عدد وشارة فقال: يا أصحاب، عذرت الليلة فيكم عمر في قوله ﵁؟ لا يسر أحد في الإسلام بغير العدول، فقلنا: بارك الله في سيدنا القاضي، تسر بك ونسر بك إن شاء الله تعالى، قال المخبر: نعني مجرورا برجلك عن مجلس القضاء، إلى حصب الرمضاء، ثم قال بعضنا لبعض: يا ترى ما الذي أراد هذا المحروم؟ فقال فاضل منهم: صحف قول عمر بن الخطاب ﵁ لا يؤسر أحد في الإسلام بغير عدول، يريد الأسر بالشهادة.
وقال بعض فضلائهم: سمعته يقول: تنكرون علي ما يكثر تردده في كلامي من لفظ جعسوس كأنه ليس من كلام العرب بل ولا من ألفاظ القرآن العظيم! فقلنا له: أما في كلام العرب فربما وأما في القرآن الكريم فلا نعرفه، فضحك وقال: سبحان الله، أعيدوا النظر فيه، فقلنا: والله
ما نعرفه، فقال: ألم يقل الله تعالى في القران: ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا؛ فقلنا والله ما قال الله ذلك قط إنما قال: ولا تجسسوا، قال فاسترجع وقال يا فقيه: حفظ الصغر، والف في مثل هذا جزء سمي " بتنبيه الساهي على طرف النباهي ".
وهذا الشيخ ممن زين له سوء قوله، وحبب إليه شم خرئه واستعذاب بوله، فيكتب ويشعر، ويكلب ويسعر، وهو لا يفطن بالهزء ولا يشعر، فمما ينسب إليه مما كان يهذر به الحروز إذا عقدها، واتبع النفث عقدها،يرفع بها الصوت ويجهر، ويؤنب من يتشاغل عنه بالحديث وينهر، وكأن به مخيلا، وعلى الجنس من النوارية بخيلا، إلى أن شورك فيه بحكم الانجرار، وحفظه لكثرة التكرار، قوله وهو اشف من معتاده، واعلى من عتاده، فالله اعلم بصحة إسناده، وجهة استناده:
أعوذ من يمسي عليه معلقاحجابي بطه أو بياسين والخمس
من الجن والعمار أو أم ملدموتلك هي الحمى، ووسوسة النفس
ومن أم صبيان وسحر وبغضةومن ربط ذي عرس تكلف في عرس
ومن ساكن الحمام والفرن والرحىومن ساكني قبر القتيل من الأنس
ومن غولة في القفر أو صوت هاتفومن وجع في الرأس يخرج عن حس
بهرشاهيا هرشا هيا وشرا هياوباسم عظيم جاء في آية الكرسي
فخذه على طهر ولا تدخلن بهخلاءك، واسم الله نزه عن الرجس
النص من طبعة دار الثقافة ببيروت (١٩٦٣م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع