من «العيون الغامزة على خبايا الرامزة» لبدر الدين الدماميني (ت ٨٢٧هـ)
الكامل
أقول: قال الخليل: سمي بذلك لاجتماع ثلاثين حركةً فيه لم تجتمع في غيره. وقال الزجاج: لكمال أجزائه بعدد حروفها. يعني أنها استعملت كما في الدائرةز فإن قلت: الرجز والخفيف كذلك، قلت: يعلم جوابه مما مر. وهو مبني في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: متفاعلن متفاعلن متفاعلن، متفاعلن متفاعلن متفاعلن. قال:
هجرتَ طلاً تصحو خبالاً برامتىأجشّ لأنتَ اللّذْ سبقتهمُ إلى
بمختلف الأمر افتقرتَ وأكثرواوعبسٌ يذبُّ الصمّ عن تامر ولا
نقلهمُ عن حدَّةٍ فابتأست والشقاءُ مخافٍ لم تجدْ فادغاً كفى
أقول: الهاء من ((هجرت)) إشلرة إلى أن هذا البحر هو خامس البحور. والجيم إشارة إلى أن له ثلاث أعاريض. والطاء من قوله ((طلا)) إشارة أن له تسعة أضرب. العروض الأولى صحيحة ولها ثلاث أضرب، الأول مثلها وبيته:
وإذا صحوتُ فما أقصِّر عن ندىًوكما علمت شمائلي وتكرّمي
فقوله ((صرعنْ ندنْ)) هو العروض وقوله ((وتكررمي)) هو الضرب، وزن كلّ منهما متفاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((تصحو)) الضرب الثاني مقطوع وبيته:
وإذا دعونكَ عمهنّ فإنهنسبٌ يزيدكُ عندهن خبالا
فقوله ((نفئننهو)) هو العروض، وقوله ((نخبالا)) هو الضرب، وزنه فعلاتن. كان متفاعلن فقطع فصار متفاعلْ، فنقل إلى فعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((خبالا)). الضرب الثالث أحذُّ مضمر، وبيته:
لمن الديار برامتينِ فعاقلٍدرست وغيّر آيها القطرُ
فقوله ((نفعا قلن)) هو العروض، وقوله ((قطرو)) هو الضرب، وزنه فَعْلُنْ. حُذف الوتد من متفاعلن وأسكنت تاؤه فصار ((متفا)) فنقل إلى فعلن بإسكان العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((برامتي)).
العروض الثانية حذّاء لها ضربان الأول مثلها، وبيته:
لمن الديار عفى معالمهاهطلٌ أجشُّ وبارحٌ تربُ
لمن الديار عفى معالمهاهطلٌ أجشُّ وبارحٌ تربُ
فقوله ((لمها)) هو العروض وقوله ((تربو)) هو الضرب، وزن كل منهما فعلن بتحريك العين، كان متفاعلن فبقى ((متفا)) فنقل إلى فعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أجش)).
الضرب الثاني أحذّ مضمر، وبيته:
ولأنتَ أشجعُ من أسامةَ إذْدعيت نزال ولجَّ في الذعر
فقوله ((متئذ)) هو العروض، وقوله ((ذعرى)) هو الضرب. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لأنت)).
العروض الثالثة مجزوءة صحيحة، ولها أربعة أضرب. الأول مجزوء مرفل وبيته:
ولقد سبقتهم إلىفلم نزعت وأنت آخر
فقوله ((تهمو إلى)) هو العروض، وزنه متفاعلن، وقوله ((تو أنت آخر)) هو الضرب، وزنه متفاعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((سبقتهم إلى)). وفيه حذف المجرور وبقاء حرف الجر.
الضرب الثاني مذيل، وبيته:
جدثٌ يكون مقامهأبداً بمختلف الرياح
فقوله ((نمقامهو)) هو العروض، وزنه متفاعلن، وقوله ((تلفر رياح)) هو الضرب، وزنه متفاعلان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((بمختلف)) الضرب الثالث مجزوء معرى وبيته:
وإذا افتقرت فلا تكنمتخشعاً وتجمل
فقوله ((تفلاتكن)) هو العروض، وقوله ((تجمملى)) هو الضرب، وزن كل متفاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((افتقرت)).
الضرب الرابع مقطوع وبيته:
وإذا هم ذكروا الإساءة أكثروا الحسنات
فقوله ((ذكر لإسا)) هو العروض، وقوله ((حسناتي)) هو الضرب، وزنه فعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أكثروا)).
وقد كتب الجليل على هذا الضرب وعلى الضرب الثاني من العروض الأولى: ممنوعٌ إلا من سلامة الثاني أو إضماره. يعني أنهما لا يجوز فيهما غير الإضمار أو السلامة منه. أما السلامة فلأنها الأصل، وأما الإضمار فلأنه في هذا البحر حسن، وما سوى ذلك لا يحتمل مع ما دخله من القطع. ويدخل هذا البحر من الزحاف الإضمار وهو حسن، والوقص هو صالح، والخزل وهو قبيح، فبيت الإضمار:
إني أمرؤ من خير عبسٍ منصبىشطرى وأحمى سائري بالمنصل
أجزاؤه كلها مضمرة، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((وعبس)).
فإن قلت: يلتبس هذا البحر عند إضماره ببحر الرجز، قلت بينه ما قبله وما بعده، كما في هذه القصيدة فإن أولها:
طال الثواءُ على رسوم المنزلِبين اللكيك وبين ذات الحرمل
فوجود متفاعلن في هذا البيت يشهد بأنها من الكامل لا من الرجز فإن قلت: فإن فقد المبين؟ قلت المبين؟ قلت يحمل على الرجز لأصالة مستفلعن فيه وفرعيته في الكامل بهذا التغيير الخاص.
فإن قلت: فمع الوقص والخزل في جميع الأجزاء؟ قلتُ: كذلك يحمل على الرجز لأن مفاعلن فيه ناشئ عن الخبن وهو حذف ساكن، وفي الكامل عن الوقص وهو حذف متحرك، ومفتعلن في الرجز ناشئ عن تغيير واحد وهو الطي. وفي الكامل عن تغييرين وهما الإضمار والطي، فتعين الحمل على الرجز إيثاراً لارتكاب أخف الأمرين. وبيت الوقص:
يذبٌ عن حريمه بسيفهورمحه ونبله ويحتمى
وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((يذب)) وبيت الخزل:
منزلةٌ صمّ صداها وعفتأرسمها إنْ سئلت لم تجبِ
وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((الصم)).
واعلم أنه يجوز في الضرب المرفل والمذيل ما يجوز في الحشو من الزحاف.
ذوبيت الإضمار في المرفل:
وغررني وزعمتَ أنّكَ لابنٌ في الصيف تامر
فقوله ((فصصيفتامر)). فإن قلت: ما مراد الناظم بقوله ((ولا)) ؟ قلت: كان مراده ((ولابن)) ففيه أيضاً إشارة إلى هذا الشاهد، لإلا أنه حذف بعض الكلمة اكتفاء. وقد أكثر منه المتأخرون كقول القاضي الفاضل:
لعبت جفونك بالقلوب وحبّهاوالخد ميدانٌ وصدغك صولجان
وقول ابن نباتة المصري وما أحلاه وفيه تورية:
بروحي أمرّ الناس نأياً وجفوةً وأحلاهم تقغراً وأملحهم شكلا
يقولون في الأحلام يوجد شخصه فقلت ومن ذا بعده يجد الأحلام وكقول عصرينا القاضي فخر الدين بن مكانس:
لم أنسَ بدراً زارني ليلةًمستوفزاً ممتطياً للخطر
فلم يقم إلا بمقدار أنقلتُ له أهلاً وسهلاً ومرحبا
وقلت في هذا النوع:
أقولُ لصاحبي والروض زاهٍوقد فرش الربيع بساطَ زهر
تعالَ نباكر الروض المفدىوقم نسعى إلى وردٍ ونسرين
وقلتُ فيه أيضاً:
شقائق النعمان ألهو بهاإن غاب من أهوى وعز اللقا
فالخد في القرب نعيمي وإنغاب فإني أكتفى بالشقائق
وقلت فيه أيضاً:
الدمعُ قاضٍ بافتضاحي في هوىرشأ يغار الغصنُ منه إذا مشى
وغدا بوجدي شاهدا ووشى بماأخفى فيالله من قاضٍ وشاهد
وبيت الوقص في الضرب المرفل:
ولقد شهدتُ وفاتهمونقلتهمْ إلى المقابرْ
فقوله ((إللمقابر)) هو الضرب، وزنه مفاعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((نقلتهم)). وبيت الخزل فيه:
صفحوا عن ابنكَ إنّ في ابْنكَ حدةً حين يكلمْ
فقوله ((حين يكللم)) هو الضرب، وزنه مفتعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((حدة)). وبيت الإضمار في الضرب المذيل:
وإذا اغتبطتُ أو ابتأسْتُ حمدتُ ربّ العالمين
فقوله ((بلعالمين)) هو الضرب، وزنه مستفعلان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ابتأست)).
وبيت الوقص فيه:
كتب الشقاءُ عليهمافهما له ميسران
فقوله ((ميسران)) هو الضرب وزنه مفاعلان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((والشقاء)). وبيت الخزل فيه:
وأجبْ أخاك إذا دعاكَمعالناً غير مخافْ
فقوله ((غير مخاف)) هو الضرب، وزنه مفتعلان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((مخاف)). وبيت الإضمار الجائز في الضرب المقطوع من البيت الوافي:
وإذا فتقرتَ إلى الذخائر لم تجدْذخراً يكون كصالخ الأعمالِ
فقوله ((أعمالي)) هو الضرب، وزنه مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوبله ((لم تجد)) وبيت الإضمار الجائز في الضرب المجزوء المقطوع
وأبو الحسين وربِّ مكةَ فارغٌ مشغولُ
فقوله ((مشغولو)) هو الضرب، وزنه مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((فارغا)) وقوله ((كفى)). قال الشريف: معناه حسبك. أي هذا المقدار من الشواهد كافيك.
تنبيه حكى بعضهم أن الكامل يستعمل مشطوراً ويأتي تارةً مرفلاً، كقوله:
ابك اليزيد بن الوليد فتى العشيرة
وتارةً مذيلاً كقوله:
يا خلُّ ما لاقيتَ في هذا النهارِ
وتارةً معزى من ذلك كقوله:
حكمتْ بجورٍ في القضاء ولاتنا
وهذا كله شاذ لا يعرفه الخليل. وأقبح من ذلك ما حكى من استعماله مخما كقوله:
قومٌ يمصون الثمادَ وآخرون نحورهم في الماءِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع