تجاوز إلى المحتوى

من «العيون الغامزة على خبايا الرامزة» لبدر الدين الدماميني (ت ٨٢٧هـ)

المقتضب

في أن أحد جزأيه مفروق الوتد. وقيل: لأنه ضارع الهزج في أنه مجزوء وأن وتده المجموع تقدم على سببيه. وقال الزجاج: لمضارعته المجتثَّ في حال قبضه. وهذا البحر مبني في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: مفاعيلن فاع لاتن مفاعيلن، مفاعيلن فاع لاتن مفاعيلن قال:

لماذا دعاني مثل زيدٍ إلى ثنافإن تدن منه شبراً أذكر إليه ذا
للشاعر عبد الله بن محمد الخزرجي، من قصيدة «وللشعر ميزان تسمى عَروضَهُ»

أقول: اللام من قوله ((لما)) إشارة إلى أن هذا البحر هو الثاني عشر من البحور، والميم ملغاة والألف منه إشارة إلى أن له عروضاً واحدة، والألف من قوله ((ذا)) إشارة إلى أن له ضرباً واحداً. فالعروض مجزوءة صحيحة وضربها مثلها، وبيته:

دعاني إلى سعادٍدواعي هوى سعادِ

فقوله ((لا سعادن)) هو العروض، وقوله ((واسعادي)) هو الضرب، وزن كل منهما فاع لاتن وهي مفروقة الوتد لما علمته. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((دعاني)). وبين ياء مفاعيلن ونونها في هذا البحر مراقبةٌ كما تقدم، فلا يثبتان معاً ولا يحذفان معاً، والواجب حذف أحدهما لا على التعيين. والبيت النتقدم شاهد على الكف وهو حذف النون من مفاعيلن. وبيت القبض:

وقد رأيت الرجالَفما رأى مثل زيد

وفيه أيضاً شاهدٌ على كف العروض. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((مثل زيد)). ويدخل الجزء الأول من هذا البحر الشَّتْرُ والخرب. فبيت الشتر:

سوف أُهدى لسلمىثناءً على ثناء

فقوله ((سوف أه)) وزنه فاعلن. دخله الشتر وهو اجتماع الخرم والقبض وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ثنا)). وبيت الخرب:

إنْ تدن منه شبراًيُقربك منه باعا
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «أرى للصبا وداعا»

فقوله ((إن تدن)) وزنه مقعول، اجتمع الخرم والكف، وهو المسمى بالخرب، فيصير مفاعيلن على فاعيل فينقل إلى مقعول. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((فإن تدن منه شبرا)). ((تنبيه)) زعم بعض العروضيين أنه يجوز في هذا البحر تركُ المراقبة، وأنشد على ذلك:

بنو سعدٍ خير قومٍلجاراتٍ أو معان

ولا حجة فيه لأن قائله مولّد. هكذا قالوا. وحكى الجواهري اجتماع القبض والكف فيه، وأنشد:

أشاقك طيفُ ما مهْبمكة أم حمامهْ

جزوء الأول والثالث مقبوضان مكفوفان، ولا جحةَ فيه لجواز أن يكون من مشكول المجتث، أو من العروض المجزوءة المقطوفة التي حكاها الأخفش للوافر. وأنكر الأخفش أن يكون المضارع والمقتضب من شعر العرب وزعم أنه لم يسمع منهم شيء من ذلك. قلت وهو محجوج بنقل الخليل. قال الزجاج: هما قليلان حتى إنه لا يوجد منهما قصيدة لعربي، وإنما يروى من كل واحد منهما البيت والبيتان، ولا يُنسب بيت منهما إلى شاعر من العرب ولا يوجد في أشعار القبائل.

المُقتضب

أقول: قال الخليل: سُمي بذلك لأنه اقتضب من الشعر، أي اقتطع منه. وقيل: لأنه اقتضب من النسرح على الخصوص، وذلك لأن المنسرح كما سبق مبنيّ في الدائرة من مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن ومثلها، والمقتضب مبنيّ في الدائرة من مقعولات مستفعلن مستفعلن ومثلها، وليس بينهما إلا تقدم مفعولات في المقتضب وتوسطه في المنسرح، فكأن المقتضب مقتطع منه إذا حذف من أوله مستفعلن. قال ابن بري: ويحتمل أن يكون هذا تفسيراً لقول الخليل. قال:

وما أقبلتْ إلا أتانا بوصلهامبشرنا يا حبذا ما به أتى

أقول: الواو من قوله ((وما)) ملعاة ولا يقع بها التباس، لأن اعتبار الترتيب في الأحرف المرموز بها للبحور قاضٍ بإلغاء الواو في هذا المحلّ ضرورة أنّ اللام التي فرغ منها ليس بعدها الواو، وإنما بعدها الميم، فحينئذ تكون الواو لغواً والميم هي المرموز بها فتكون إشارة إلى أن هذا البحر هو البحر الثالث عشر. والألف من ((وما)) إشارة إلى أن له عروضاً واحدةً، والألف من ((أقبلت)) إشارة إلى أن له ضرباً واحداً وكلاهما مجزوء مطوي، وبيته:

أقبلتْ فلاحَ لهاعارضانِ كالبرَد

فقوله ((لاح لها)) هو العروض، وقوله ((كالبرد)) هو الضرب، وزن كلّ منهما مفتعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أقبلت)). وهذا من عجيب صنع الناظم في هذه المقصورة، فإن بعض هذه الكلمة وهو الألف رَمَزَ بها للضرب كما سلف وكلها رمز بها للشاهد. وفي هذ البحر المراقبة بين فاء مفعولات وواوها فلا يحذفان معاً ولا يثبتان معاً. وسببُ ذلك أما في مفعولات الأولى فلأن ساكني سببها ليس لهما ما يعتمدان عليه إلا الوتد المفروق فلم يقوَ لاعتمادها عليه جميعاً، وأما في مفعولات التي في الحشو فكأنهم قصدوا تشبيهاً بالأولى فأجروها في المراقبة مجراها. وقد حكى بعضهم سلامة مفعولات الأولى والأخيرة فلم يراع المراقبة في شيءٍ منهما، وأنشدوا منه:

لا أعوك من بعدٍبل أدعوك من كثبِ

ويدخل هذا البحر من الزحاف الخبن والطيّ في مفعولات، وأما العروضُ والضرب فقد تقدم أن طَّيهما واجب. وبيت الزِّحاف في مفعولاتُ:

أتانا مبشرنابالبيان والنذُّرِ

فقوله ((أتانام)) وزنه فعولات، فهذا مفعولات خبن بحذف فائه فصار معولات فنقل إلى فعولات، وقوله ((بلبيان)) وزنه فاعلات، وأصله مفعولات طوى بحذف واوه فصار مفعُلات فنقل إلى فاعلاتُ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أتانا مبشرنا)) وقد تقدم أن الأخفش أنكر هذا البحر كالمضارع، وقد تقدم الكلام معه في ذلك.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العيون الغامزة على خبايا الرامزة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.