تجاوز إلى المحتوى

من «العيون الغامزة على خبايا الرامزة» لبدر الدين الدماميني (ت ٨٢٧هـ)

القوافي وعيوبها

أقول: جرت عادةُ أكثر العروضيين بأن يذكروا علم القوافي بعد علم العروض لأنه كالرديف له، وبينهما شدةُ اتصال واشتباك، لكن قال بعضهم إن علم القوافي علم جليل لا يصلح أن يجعل علاوةً على العروض حتى قال ابن جنى: علمُ القوافي وغنْ كان متصلاً بالعروض وكالجزء منه لكنه أدق وألطف من علم العروض. والناظر فيه محتاجٌ إلى مهارة في علم التصريف والاشتقاق والغة والإعراب. قلت: وعلى تقدير تسليم ذلك كلّه فالنظر فيه متأخرٌ عن النظر في العروض ضرورة أن القافية إنما يُنظر فيها من حيث هي منتهى بيت الشعر، فلما لم يتحقق كونُ اللفظ الذي هي آخره شعراً لم يتأتَّ النظر فيها، فلا جرمَ جعلوا الكلام عليها متأخراً عن الكلام فيه، فتأمل. قال:

وقافيةُ البيت الأخيرة بلْ من المحرك قبل الساكنين إلى انتها

أقول: اعلم أنهم اختلفوا في مسمى القافية اختلافاً كثيراً، والناظم اقتصر على قولين منها فلنقتصر على الكلام عليهما تَبَعاً له. وينبغي أن تحقق أولاً محلَّ النزاع فنقول: قال الصفاقسي: ليس نزاعمه في مُسمى القافية لغةً، ولا فيما يُصطلح على أنه قافية، وإنما النزاع في القافية المُضافِ إليها العلم في قولهم ((علم القافية)) ما المراد بها. فذهب الأخفش إلى أنها الكلمة الأخيرة من البيت، وهذا هو الذي أراده الناظم بقوله أولاً ((وقافية البيت الأخيرة)) أي الكلمة الأخيرة، فحذف الموصوف لحصول العلم به. وذهب الخليل وأبو عَمرو الجرمى إلى أنها عبارة عن الساكنين اللذين في آخر البيت مع ما بينهما من الحروف المتحركة ومع المتحرك الذي قبل الساكن الأول، وهذا هو الذي أراده الناظم بقوله ((بل من المحرك قبل الساكنين إلى انتها)) وبعض العروضيين يعبر عما قبل الساكن الأول بالمتحرك كما فعل الناظم، وبعضهم يعبر بالحركة فيقول: من الحركة التي قبل الساكن الأول. ووجّه أبو الفتح ابن جنىّ قول من عبَّر بالحركة بأن القصد أن لا يسمى قافيةً إلا ما تلزم إعادته من كل وجهٍ، والحركة التي قبل الساكن الأول بهذه المثابة، بخلاف حرفها فإن له أن يأتي بمثله أو بحرف آخر متحرك. واعترضه الصفاقسي بأن هذه الحركة التي قبل الساكن الأول كحرفها، فإنها إذا كانت في البيت الأول ضمة جاز أن تكون في البيت الثاني فتحة أو كسرة وبالعكس، كما أن حرفها يكون ميماً في بعض البيوت وفاءً في الآخر أو غير ذلك، ألا ترى إلى قول امرئ القيس:

قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلِبسقط اللّوى بين الدَّخول فحوملِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»
تَرَى بَعَرَ الآرام في عَرَصَاتهاوقيعانها كأنّها حَبُّ فُلفُلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

فالأول حاءٌ مفتوحة موضعها في الثاني فاء مضمومة، فحينئذ ما ذكره من أن الحركة تلزم إعادتها من كل وجهٍ وَهْم، بلْ هي كحرفها. واعترضه أيضاً أبو العباس بن الحجاج (بعدم) لزومِ ذلك في الدخيل لأنه لا يلزم إعادته من كل وجه، وكذا غيرهُ من حروف القافية إلا الرويّ والتأسيس، وهو لم يتعرض لذكر شيءٍ منها. وأضرب الناظم عن القول الاول وهو قول الأخفش لأنه غير مُرتضىً عنده، ولا شك أنه مقدوح فيه، وقد اعترضه ابنُ جنى بأن الاتفاق قائم على أن في القوافي قافيةً يُقال لها المتكاوس، وهو ما توالت فيه أربعةُ أحرف متحركة بين ساكنين نحو فَعِلَتُن المخبول، وذلك نحو قول العجّاج:

قد جَبَرَ الدينَ الإله فَجَبّرْ

ألا ترى أن قوله ((هُفَجَبَرْ)) وزه ((فَعِلَتُن))، وقد سُلم أنه قافية مع تركبه من كلمتين وبعض أخرى. ورُجّح مذهب الأخفش بأن العرب يقولون البيت حتى إذا لم يبق منه إلا الكلمة الأخيرة قالوا: بقيت القافية، وإذا قال الشاعر اجمعوا إليّ قوافي الطاء مثلاً فإنما يجمع له كلماتٌ أواخرها طاء والأصل في الإطلاق تحقيقه. وردّه الصفاقسي بأن تسمية الكلمات قوافي إنما هو بالمعنى اللغوي، وليس محلَّ النزاع على ما عرفت أولاً، ولئن سُلّم فلِمَ لا يجوز أن يكون ذلك لأن القافية لا تخرج عن تلك الكلمات، إما لأنها هي القافية إذا اجتمع فيها ما ذكرناه، أو بعضها إذا كان فيها بعضه، أو تشتمل عليه وتزيد إنْ كانت أكثر منه، وهذا وإن كان مجازاً فيجيب الحَملُ عليه جمعاً بين الدليلين، لأن العمل بكل واحد منهما من وجهٍ أَولى من إلغاء أحدهما مطلقاً. واشتقاق القافية من ((قفا يقفو)) إذا تَبِعَ، فهي تقفو أثر كلِّ بيت، أو تقفو أثر أخواتها. والأول أولى لأن البيت الأول لا يصح فيه المعنى الثاني، وعلى كلا القولين فهي فاعلة على بابها. وقيل: لأن الشاعر يقفوها لأنها تجري له في البيت الأول على السبحية ثم يتبعها في سائر الأبيات، فهي فاعلة بمعنى مفعولة، كعيشة ((راضية)) أي ((مرضية)). ويعزى هذا القول إلى ابي موسى الحامض، قال ابن بري. ثم القافية عند الخليل قد تكون بعض كلمة كقوله:

ويلوى بأثواب العنيف المُثَقَّلِ

وقد تكون كلمة كقوله:

إذا جاش فيه حَميهُ غلىُ مِرجلِ

وقد تكون كلمتين كقوله:

كجلمود صخرٍ حطه السيل من علِ

وقد تكون أكثر كقوله:

قد جبر الدين الغله فَجَبَرْ

قال:

تحوز روياً حرفاً انتسبت لهوتحريكه المجرى فإن قُرِنا بما
للشاعر عبد الله بن محمد الخزرجي، من قصيدة «وللشعر ميزان تسمى عَروضَهُ»
يدانى فذا الإكفاء والإقواو بعدهالإجازةُ والإصراف والكلّ متّقى

أقول: الضمير المستتر في ((تحوز)) عائد إلى القافية، يعني أن القافية تحوز روياً لأنها تتضمنه وتشتمل عليه، فهو في حوزها، فلذلك قال ((تحوز)). قال الشريف: والروي هو الحرف الذي تُبنى عليه القصيدة وتنسب إليه، فيقال قصيدةٌ رائية وقصيدةٌ دالية، وهذا هو الذي أراد الناظم بقوله ((حرفاً انتسب له)). قلت: يردُ على تعريف الرويّ بما ذكراه لزوم الَّور ضرورة توقف معرفة الروي حينئذ على ما أَخَذَ في تعريفه وهو نسبة القصيدة إليه، وتوقفِ النسبة حينئذٍ على معرفة حرف الرويّ إذ لا تنسب القصيدةُ إلى حرف حتى يُعلم أنه حرفُ رويها. قال ابن جنى: وأحوطُ ما يقال في حرف الرويّ أن جميع حروف المعجم تكون رويا إلا الألف والياء والواو الزائدة في أواخر الكلم غيرَ مبنيّات فيها بناء الأصول، نحو ألف ((الجرعا))، وياء ((الأيامى))، وواو ((الخيامو))، وإلا هائي التأنيث والإضمار إذا تحرك ما قبلهما، نحو ((طلحَه)) ((وضربه))، وكذلك الهاءُ التي تُتَبين بها الحركة نحو ((ارمهْ)) ((واغزه)) و ((فيمه)) ((ولمه))، وكذلك التنوين اللاحق آخر الكلم للصّرف كان أو لغيره، نحو زيد ((أوصهٍ)) و ((غاقٍ)) و ((يومئذٍ))، وقوله:

أقلي اللوم عاذلَ والعتابَنْ

وقول الآخر:

دانيت أروى والديون تُقضنْ

وقول الآخر:

يحسبه الجاهل مالم يَعْلَمَنْ

وقول الأعشى:

ولا تعبد الشيطان والله فاعبدَنْ

وقول عمر بن أبي ربيعة:

وقمَيْرٍ بدا ابنَ خمسٍ وعشرين له قالت الفتاتان قُومَنْ

وقول عبد الله بن الحرّ:

متى تأتنا تُلمم بنا في ديارنا تجدْ حطباً جزلاً جزلاً وناراً تأججنْ

وكذلك الألفات التي تبلدلُ من هذه النونات نحو قوله:

يحسبه الجاهلُ ما لم يعلما

وكذلك الهمزة التي يبدلها قوم من الألف في الوقف، نحو: رأيت رجلأ وهذه حُبْلأ، ويريد أن يضربهأ، وكذلك الألف والياء والواو اللواتي يلحقن الضمير نحو: رأيتها، ومررت بهي، وهذا غلامهو، ورأيتهما، ومررت بهمي، وكلمتهمو. فإذا جاءك بيتٌ فانظر إلى آخر حرفٍ منه، فإن كلن واحداً منها فتجاوزه إلى الذي قبله، فإن لم يكن واحداً منها فاجعله رويا، وإن كان واحداً منها فَتَعَدَّهُ إلى ما قبله، فإنه لا بد أن يكون روياً، وذلك أنه لا يمكن أن يلحق بعد حرف الروي أكثر من حرفين الأول هاء الوصل والآخر خروج. ونحن نعرض من ذلك ما يتبين به غرضنا. من ذلك قول رؤية:

وقاتمِ الأعماق خاوي المخترقْ

فآخر البيت القافُ وليست واحداُ من الحروف المستثناة فهي حرف الروي، والقصيدة لذلك قافية. ويلي قولُ زهير بن أبي سلمى:

صحا القلبُ عن سلمى وأقصر باطلهوعُرىَ أفراس الصّبا ورواحله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

فآخر البيت الهاءُ إلا أنها من الحروف المستثناة، أَلا تراها هاءَ إضمار، متحرك ما قبلها فلا يكون روياً، فقد اضطررت إلى اعتبار ما قبلها وهو اللام وليست من الحروف المستثناة فهي الروي، والقصيدة لذلك لامية. وبيلي ذلك قول الأعشى:

قَطَعتُ إذا خَتَّ ريعانها تنهضُ في آدِها

فآخر البيت الألف، ولا تكون روياً لأنها تابعة لهاء الإضمار، فقد اضطررت إلى اعتبار ما قبل الهاء وهو الدال وليست من الحروف المستثناة، فهي إذن الرويّ والقصيدة لأجل ذلك دالية. وهذه الطريقة أصح الطرق على معرفة الروي وأجلاها وأوضحها، ولا شيء يقوم في استخراج علمه مقامها. انتهى كلامه. وسُمي روياً أخذاً له من الرويةً وهي الفكرة، لأن الشاعر يرويه فهو فعيل بمعنى مفعول. وقيل: هو مأخوذ من الرُّواء وهو الحبل يَضم شيئاً إلى شيء، فكأن الرويّ شد أجزاء البيت ووصل بعضها ببعض. وقال أبو علي: هو من قولهم ((للرجل رُواء)) أي منظر حسن، فسُمي روياً لأن به عِصمةَ الأبيات وتماسكها، ولولا مكانه لتفرقت عُصباً، ولم يتصل شعراً واحداً. ثم الرويُّ لا يخلو إما أن يكون متحركاً أو ساكناً، فإن كان متحركاً فحركته تُسمى بالمجرى سواء كانت فتحة كحركة النون من قوله:

ألا هُبى بصحنك فاصبحينا

أو ضمةً كحركة الميم من قوله:

سُقيت الغيثَ أيتها الخيامُ

أو كسرة كحركة الباء من قوله:

كليني لهمٍ يا أميمة ناصبٍ

فقد عُلم أن سكون الرويّ المقيد لا يسمى عندهم مجرى، وإن كان سيبويه قد قال هذا باب مجاري أواخر الكلم من العربية وهي تجري على ثمانية مجار فلم يقصر المجاري هنا على الحركات فقط كما قصر العروضيون المجرى في القافية على حركة الروى دون سكوته، وإنما فعل العروضيون ذلك لأنهم إنما يسمون ما يُستخرج منه علم ويتفرع عليه حكم، والحركة يتفرع عليها النظر في الإفواء والوصل والتعدي وغير ذلك، بخلاف السكون. وقال أبو الفتح: هو مفعل من الجريان لأنه مبدأ الوصل ومنبعه، ألا ترى أنك إذا قلت:

قتيلان لم يعلم لنا الناسُ مصرعا

ففتحة العين هي ابتداء جريان الصوت في الألف. وكذلك فقولك:

يا دار ميّة بالعلياء فالسند

تجد الكسرة هي ابتداء جريان الصوت في الياء. وكذلك قولك:

هريرةُ ودعها وإنْ لام لائمُ

تجد ضمة الميم منها ابتداء جريان الصوت في الواو.

وقوله ((فإنْ قرنا بما يداني فذا الإكفاء والإقواء)) ضمير الاثنين من قوله فإن قرنا عائد إلى الروي وتحريكه، وحرف الجر من قوله ((بما)) متعلق بالفعل، ((وما)) إما موصولة أو موصوفةٌ، والجملة من قوله ((يدانى)) إما صلة فلا محلَّ لها وإما صفة فمحلها الجر. وعلى كل حال ففي كلام الناظم العيب المسمى بالتضمين كما ستعرفه، والفاء رابطة جواب الشرط، والجملة الإسمية بعدها هي الجواب، واسم الإشارة راجع إلى المصدر المفهوم من الفعل، أي فهذا لقران هو الإكفاء والإقواء. والإكفاء راجعٌ إلى اختلاف نفس الروي، والإقواء راجع إلى اختلاف مجراه، على طريق اللف والنشر المركب والمعنى أن حرف الروي متى قُرن بحرف آخر مخالف له، إلا أنه قريب منه في المخرج، فهذا هو الإكفاء. والمجرى وهو تحريك الروي متى قُرن بحركة أخرى مخالفة لما قبلها، إلا أنها قريبة منه، فهذا هو الإقواء. والإكفاء كقوله:

بُنيّ إنّ البرَ شيءٌ هيّنٌالمنطق اللين والطّعين
للشاعر مالك بن المُرحَّل، من قصيدة «حمدُ الإلهِ واجبٌ لذاته»

فجمع بين النون والميم وهما متقاربان في المخرج وكقوله:

يا ابن الزُّبير طالما عصيتاوطالما عنيتنا إليكا

فجمع بين التاء والكاف، وهما كذلك متقاربان في المخرج. والإقواء كقوله:

سقط النصيفُ ولم ترد اسقاطهفتناولته وأتقتنا باليد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»
بمخضبٍ رخصٍ كأن بنانهعلمٌ يكادُ من اللطافة يعقدُ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»

وقوله ((وبعده الإجازة والإصراف)) يعني فإن قورن حرف الروي بما هو بعيد منه في المخرج فذلك هو الإجازة وإن قورن المجرى وهو تحريك الروي بما هو بعيد منه وهو الفتحة مع الضمة أو مع الكسرة فذلك هو الإصراف ففيه أيضاً لف ونشر مرتب. فالإجازة كقوله:

خليليّ سيرا واتركا الرحلَ إننيبمهلكةٍ والعافيات تدورُ
فبيناه يشرى رحله قال قائلٌلمن جملٌ رخوُ الملاط نجيب

فجمع بين الراء والباء وبينهما تباعد في المخرج. والإصراف أنشد منه قدامى في كتاب النقد له:

عرينٌ من عرينةَ ليس منابرئت إلى عرينة من عرينِ
للشاعر جرير، من قصيدة «عرين من عرينة ليس منا»
عرفنا جعفراً وبني عبيدٍوأنكرنا زعانف آخرينَ
للشاعر جرير، من قصيدة «عرين من عرينة ليس منا»

وأنشد ابن الأعرابي منه:

لا تنكحنَّ عجوزاً أو مطلقةًولا يسوقنها في حبلك القدر
وإن أتوك وقالوا إنها نَصَفٌفإن أطيب نصفيها الذي غبرَ

وقوله ((والكل متّقى)) يعني أن جميع ما ذكره من الإكفاء والإقواء والإجازة والإصراف عيوب تتقى ويجب اجتنابها وعدم الوقوع فيها. وفي نسخة الشريف: ((والكل منتعى)) من النعي. ومعناه قرب من الأول، أي والجميع معيب من قولك ((نعيت على فلان فعله)) إذا عبته. ومراتب هذه العيوب متفاوتة، فاإجازة أشد عيباً من الإكفاء والإسراف أشد عيباً من الإقواء، ولعل في قول الناظم ((يدان)) ((ويعده)) إشارة لذلك. والإكفاء مأخوذ من الإنكفاء وهو الإنقلاب، لأن الشاعر ينقلب بالروي عن طريقه. والإقواء من قوله: أقوى الرَّبْعُ إذا عفى وتغير وخلى من سكانه، فكذلك الروي تغيرت جيرته وخلا من حركته. والإجازة بالزاي من التجوز، وعامة الكوفيين يسمونه الإجارة، بالراء، من الجور والتعدي. والإصراف من صرف الشيء عن طريقه، ويسمى أيضاً إسرافاً من السرف وفي ذلك اختلاف والله أعلم. قال:

فوصلاً بها لينٍ وهاءَ النفاذُ والخروج بذي لينٍ لها الوصلُ قد قفا

أقول: تكلم الناظم في هذا البيت على الوصل النفاذ والخروج، فإما الوصل فإنه حرف لينٍ ينشئ عن إشباع حركة الروي أو هاءٍ تلي حرف الروي فالأول كالألف من قوله: يا دار عبلة من محتلها الجرعة والياء في قوله: كانت مباركة من الأيام والواو في قوله: طحا بك قلب في الحسان طروبُ والهاء التي تكون وصلاً هاء الإضمار كقوله: عفت الديار محلها فمقامها وهاء التأنيث كقوله:

ثلاثةٌ ليس لها رابعٌالماءُ والبستانُ والخمره

وهاء السكت كقوله:

بالفاضلين أولى النهىفي كل أمرك فاقتده

وتقع أيضاً الهاء الأصلية المتحركة ما قبلها وصلاً. قال ابن جنى: وهو كثير عنهم، كقوله:

أعطيت فيها طائعاً أو كارهاًحديقةٌ غلباء في جدارها

وفرساً أنثى وعبداً فارها

وقد علمت بذلك أن الوصل مختص بالروي المطلق، أي المتحرك، وأنه لا يكون في الروي المقيد أي الساكن ولله در السراج الوراق حيث يقول:

قلت صلني فقد تقيدت في الحب بهوالإسار في الحب ذلُ
قال يا من يجيد علم القوافيلا تغالط ما للمقيد وصلُ

واعلم أن حرف المد واللين إن لم يكن أصله الهمزة وكان ساكناً محضاً فلا إشكال في وقوعه وصلاً كما تقدم، وكذا كانت الحركة مقدرة سواء كانت مما ينطق به في حال السعة أو لا. فالأولى كقوله:

وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني

والثاني كقوله:

وما إن أرى عنك الغواية تنجلي

وأما إن كان أصله الهمزة فإن كانت الهمزة ساكنة وقع وصلاً لأنها حينئذ أبدلت إبدالاً محضاً، وإن كانت متحركة ((كواجى)) من ((الوجء)) فيجوةز وقوعها أيضاً في حرف اللين الأصلي نحو ((هاج)) من الهجو كقوله:

ولولاهم لكنت كحوت بحرٍهوى في مظلم الغمرات داجى
وكنت أذل من وتد بقاعٍيشجج رأسه بالفهر واجى

ويحمل عل أنها أبدلت إبدالاً محضاً، وكذا قدرها سيبويه في هذ البيت ولم يقدرها مخففةً التخفيف القياسي لأنه لو خففها لكانت في حكم الهمزة، فكما لا يوصل بالهمزة نفسها كذلك لا يوصل بما هو تخفيفها. وقد جزم ابن جنى في قول الشاعر:

كيفما شيت فقولواإنما الفتحُ للولو

بأن حرف الروي منه الواو دون اللام، وذلك أنه لو كان رويه اللام لكانت الواو بعدها وصلاً، ولا يخلو حينئذ إما تكون مخففة أو مبدلة، فإن كانت مخففة امتنع جعلها وصلاًَ إذا كالمحققة على ما قررناه آنفاً، وإن كانت مبدلة إبدالاً محضاً وأخرجت عن الهمزة البتة لزم أن تجري مجرى واو دلو وعرفوة إذا صار إلى أدلٍ وعرقٍ لأنه ليس في الأسماء ما آخره واو قبلها ضمةٌ، فكان يجب على هذا أن يقال ((إنما الفتح للولى)) فتعين بما ذكرناه أن يكون رويه الواو دون اللام، وقلّ من يتفطن له. إذا تقرر ذلك فقول الناظم ((وصلاً)) معطوف على المنصوب من قوله ((تحوزرويا))، وأتى بالفاء ليفيد ان الوصل عقب الرويّ لا فاصل بينهما. وضمير المؤنث من قوله ((بها)) عائد إلى القافية، وقوله ((لينا وهاء)) بدلٌ من قوله ((وصلا))، وحذفَ التنوين من قوله ((وهاء)) لالتقاء الساكنين على حد قوله: ولا ذاكر الله إلا قليلا وقوله ((النفاذ والخروج بذي لين لها الوصل قد قفا)) قال الشريف: لمّا فَرغ من ذكر حرف الروي وحركته، وذكر أن تلك الححركة توصل بحرف لين أو بهاء السّكت استأنف كلاماً آخر عرّف فيه أن النفاذ والخروج تابعان لهاء الوصل، فالنفاذ مبتدأ والخروج عطف عليه، وقوله ((لها الوصل قد قفا)) جملةٌ في موضع الخبر، ((وبذي لين)) متعلقٌ بالخروج. وقال ((قفا)) ولم يقل ((قَفَوَا))، وهو ضمثر النفاذ والخروج، لأنهما لمّا كانا متلازمين صيّرهما كالشيء الواحد فعاملهما معاملةَ الفرد. قلت: هو أحد الوجوه في قوله تعالى: ((والله ورسوله أحقّ أن يُرضوه))، إذ إرضاءُ الله تعالى لرسوله ﵊، وبالعكس، وهما متلازمان فساغ إفراد الضمير. وقيل: ((أحقُّ)) خبرٌ عن اسم الله تعالى وحذف مثله خبراً عن رسوله أو بالعكس، فكذلك يُقال في البيت إن قوله ((لها الوصل قد قفا)) إما خبرٌ عن قوله ((الخروج)) أو عن ((النفاذ))، وحذف خبرَ لدلالة المذكور عليه. ولا يخفى أن الهاء ممدود لكنّ الناظم قَصَرَهُ في قوله ((لها الوصل)) ضرورةً، وهو لأجلها جائزٌ. إذا تقرر ذلك فالنفاذ حركةُ هاء الوصل، نحو فتحة الهاء من قوله: عفت الديارُ محلها فمقامها وكسرة الهاء من قوله: تَجَرُّدَ المجنون من كسائهِ وضمه الهاء من قوله: وبلدٍ عاميةٍ أعماؤهُ سُميت حركة الهاء نفاذاً لأنها منفذٌ إلى الخروج. وبعضهم يقول: النفاذ، بالدال الغُفلِ، وهو التمام، كأن هذه الحركات هي تمام الحركات وبها يقع نفاذها. والخروج هو الحرف الذي يتبع حركة هاء الوصل إن فتحةً فألفٌ، وإن كسرةً فياءٌ، وإن ضمةً فواوٌ. ولم يصح الناظم بتفسير النفاذ، لكن أومأ إليه إيماءً لانه لمّا ذكر أن النفاذ والخروج تابعان لهاء الوصل وقدّم النفاذ في الذكر، وترتيب الذكر معتمدٌ عنده حسبما تقدم في غير موضع، عُلِمَ أن الذي يتقدم حرف اللين بعد الهاء ليس إلا الحركة، وهذا ظاهر، كذا قال الشريف. وسمي هذا الحرف خروجاً لانه به يكون الخروج عن البيت. قال: وردفاً حروف اللين قبلَ الَّوي لا سوى ألفٍ معها التَّحرك حذوذا أقول قوله: ((ردفاً)) معطوفٌ على ((رويا))، فإن قلت: إذا تعددت المعطوفات كقولك ((قام زيد وعمرو وبكر)) فهل يُعطف الأخير على المعطوف عليه أولاً وهو زيد، أو على المعطوف المجاور له، وهو عمرو في مثالنا، قولان، فما بالك عيّنت قوله ((رويا)) لكونه عَطَفَ عليه ((ردفا)) ولم تجعله معطوفاً على ما قبله وهو ((وصلاً)) فهل فعلت ذلك بناءً على أحد القولين، أو فعلته لمعنى آخر؟ قلت: فعلته لمعنى آخر، وذلك أنا لو جوّزنا عطفَ قوله ((ردفا)) على قوله ((وصلا)) فسد المعنى، وذلك لأن ((وصلاً)) مدخول~ٌ لفاء العطف المقتضية للتعقيب الموجب لكون الوصل واقعاً بعد الروي، فإذا جُعل الردف معطوفاً على مدخول الفاء لزم ان يكون واقعاً بعد الروي، وهوباطل، فتعين الأول ولا يكون هذا من محلّ الخلاف في شيءِ. وقوله ((حروف اللين)) بدلٌ من قوله ((ردفا))، والرّدف عندهم حرفُ مدّ ولين، أو حرف لين قبل الروي وليس بينهما حائل، مأخوذ من ردف الراكب لأنه خلف الرويّز فقد يكون ألفاً كقوله: ألا عِمْ صباحا أيها الطلل البالي وقد يكون ياء كقوله: وما كلُّ مُؤتٍ نصحهُ بلبيِ وقد يكون واواً كقوله: طحا بك قلبٌ في الحسان طروبُ ويجوز أن تتعاقب الواو والياء في القصيدة الواحدة، كقوله:

طحا بك قلبٌ في الحسان طروبُبُعيد الشبابِ عصر حان مشيبُ
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «طحا بك قلب في الحسان طروب»
تكلفني ليلى وقد شطّ وَليهاوعادت عوادٍ بيننا وخطوبُ
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «طحا بك قلب في الحسان طروب»

ولا تُعاقبهما الألف لبعدها منهما بكثرة مطلها، وهو المراد بقول الناظم ((لا سوى ألف معها)) ولذلك أنكر المبردُ روايةً من روى قوله:

حنينَ ثكلى فقدتْ حميمافهي تنادي بأبى وابناما

وأما الردف بحرف اللين فكقوله في الواو:

يا أيها الراكبُ المرخى مطيتهُسائل بني أسدٍ ما هذه الصّوتُ
وقل لهم بادروا بالعذر والتمسواقولاً يبرئكم إنى أنا الموتُ

وقوله في الياء:

لعمرك ما أَخزى إذا ما نسبتنىإذا لم تقل بُطلاً على ومينا
للشاعر جابر بن رألان السنبسي، اقرأ القصيدة
ولكنما يخزى امرءٌ تكلمُ استهُقنا قومه إذا الرماحُ هوينا

ويجوز تعاقبهما أيضاً كقوله:

كنتُ إذا ما جئتهُ من غيبِيشمّ رأسي ويشمّ ثوبي

وقوله ((قبل الروي)) يعني أعم من أن يكون متصلاً بالروي في كلمته او منفصلاً عنه في كلمة أخرى، كقوله:

أتته الخلافةُ منقادةًإليه تجرّرُ أذيالها
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا ما لسيدتي ما لها»
فلم تكُ تصلح إلا لهولم يكُ يصلحُ إلاّ لها

وعليه جاء قول ابن المعتز:

غبروا عارضه بالمسك في خذِّ أسيلتحت صدغين يشيران إلى وجهٍ جميلِعندي الشوق إليه والتنائي عنده لي

لكن قال أبو العلاء المعري: ((إلا أنهم لم يفرقوا بين الروي المطلق والمقيد في هذا))، يعني في اجتماع الواو والياء ردفاً في القصيدة الواحدة. قال: ((وأنا أرى أنه في المقيد أشد، إذ ليس للروي بعده ما يعتمد عليه، كقوله:

إن تشرب اليوم بحوضٍ مكسورفرُبَّ حوضٍ لك ملآن السُّور
مُدوَّرٍ تدوير عُشِّ العصفورخير حياضِ الإبلِ الدَّعاثير

قال: فهذا عندي أقبح من المطلق)). قلت: قصضية هذا ان يكون اجتماع الواو والياء في أرداف القوافي المطلقة قبيحاً وليس كذلك. وبعض الجماعة يفرق في حروف العلة بين ما كان قبله حركةٌ مجانسة له فيسميه حرفَ مدّ ولين، وبين ما كان قبله حركةٌ غير مجانسة له كالفتحة مع الواو والياء فيسميه حرف لين. وبعضهم يطلق حرف اللين على الجميع، كما فعل الناظم. وقوله ((التحرك حذوذا)) يعني أن حركة الحرف الذي قبل الردف تسمى حذواً، لان الشاعر يحذوها في القوافي لتتفق الأرداف. وحكمها في الاطراد والاختلاف حكم الردف، فإن كان الردف ألفاً فلا تكون هي إلا فتحةً ضرورة أن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحاً، وإن كان واواً أوياء فحيث جاز تعاقبهما جاز اختلاف الحذو. قال بعضهم: وهذه التسمية تدلّ على أن الردف بالواو والياء المفتوح ما قبلهما غيرُ أصيل، لعدم صدق هذه التسمية عليه، وكانهم إنما وضعوا الاسم على ما هو أصيل في الباب. ووجه تنزيل ما قلناه في تفسير الحذو على كلام الناظم أن تقول: الإشارة بقوله ((ذا)) إلى الردف، فأخبر بان الحركة حذو الردف، ولا يمكن أن تكون حذوه من الحرف الذي بعده، لأن ذاك هو الروي وحركته المجرى، وقد تقدم الكلام عليها، فلم يبق إلا أن تكون حذوه باعتبار المتحرك الذي قبله، وذلك لأنه قد سبق أن القافية عبارة عن المتحرك الذي قبل الساكنين اللذين في آخر البيت إلى انتهائه، ففي مثل قوله: جرداء معروقةُ اللَّحيين سُرحُوبُ القافية من الحاء إلى منتهى البيت، والواو هي الردف، والباء بعدها حرفُ الروي، وحركته المجرى، والواو التي بعدها هي الوصل، فلم يبق إلا المتحرك الذي هو الحاء السابقة على الردف فتكون حركتها هي الحذو. وكذا إذا كان الروي موصولاً بالهاء نحو ((مقامها))، فالالف الأولى ردفٌ، والميم روي، والهاء وصل، وحركتها نفاذٌ، والألف بعدها خروجٌ. وكلّ ذلك قد عُلمَ من كلامه فيما تقدم، فلم يبق إلا المتحرك الذي قبل الردف، وهو القاف هنا، فحركتها هي الحذو، والله تعالى أعلم. قال: وتأسيساً الهاوى وثالثه الرويُّ من كلمةٍ أو أخر إضمار ما لا

أقول: قوله ((تاسيسا)) معطوف على ((رويا))، أي تحوز القافية روياً وما ذكره بعده، وتحوز أيضاً تأسيساً. والمراد به ألفٌ تكون قبل الروي بينهما حرفٌ واحدٌ. مأخوذ من تأسيس البناء، لأن الشاعر يبني القصيدة عليه. وأراد الناظم بالهاوي الألف، لأن الهاوي من صفاته، وهو منصوب على أنه بدل من قوله تأسيساً إلا أنه سكّنه للضرورة، وهو الضرائر المستحسنة كقوله: رُدَّت عليه أقاصيهِ ولَبَّدَهُ وقوله ((وثالثه الروي)) يريد به ما قدمناه من انه قبل حرف الروي بحرفٍ فيكون الرويّ ثالثاً له، كقوله: أهاجك من أسماءَ رسمُ المنازل وقوله ((من كلمة أو أخر إضمار ما تلا)) يريد أنه لا بد أن يكون حرف الرويّ الذي هو ثالث التأسيس من كلمةٍ هي كلمة التأسيس، أي أن يكونا جميعاً في كلمة واحدة كما تقدم، أو يكون الروي من كلمة أخرى غير كلمة التأسيس إلا أنها ذات إضمار، بحيث يكون الرويّ بعض تلك الكلمة التي هي من الضمائر، كما في قوله:

فإن شئتما ألقحتما ونتجتماوإن شئتما مثلُ بمثلٍ كما هُما
وإن كان عقلٌ فاعقلا لأخيكمابنات المخاض والفصال المقا حما

فجعل ألف ((كما)) تأسيساً لما كان الروي بعض اسم مضمر وهو الميم من ((هما)). أو يكن الرويُّ هو الكلمة المضمرة كما في قوله:

أَلا ليت شعري هل يرى الناسُ ما أرىمن الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»
بدا لي أنيِّ لستُ مدرك ما مضىولا سابقاً شيئاً إذا كان جائيا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»

فجعل ألف ((بدا)) وإن كانت منفصلة تأسيساً لمَّا كان الرويُّ جملة اسم مضمر، وهو الياء من ((لي)). وقول الناظم ((أواخر)) أراد به ((أخرى)) فحذف الألف لإقامة الوزن وهو قبيح جداً. وقوله ((إضمار ما تلا)) بدلٌ من ((أخرى))، أي ذات إضمار ما تلا. وفي تنزيل كلام الناظم على ما قاله القوم في هذا المحلّ قلقٌ، وذلك لأنهم قالوا إن الألفَ قد تكون في كلمةٍ وحرف الرويّ في أخرى، وقد يكونان معاً في كلمة واحدة، فإن كان الأول فإما أن يكون في الكلمة التي فيها حرف الروي ضمير أولاً، فإن لم يكن فيها ضمير فالألف ليست تأسيساً بوجهٍ فلا يلزم إعادتها، بل يجوز في موضعها غيرها من الحروف، كقول عنتلاة:

ولقد خشيت بأن أموت ولم تذرُللحرب دائرةٌ على ابنى ضمضم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»
الشاتمَى عِرضى ولم أشتمهماوالنّاذرينِ إذا لمَ ألقهما دمِى
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

وقول الآخر:

حننتَ إلى رَيّا ونفسكُ باعدتمزاركَ من ريّا وشعبا كما معَا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «حننت إلى ريا ونفسك باعدت»
فما حَسَنٌ أن تأتى الأمر طائعاًوتجزعَ أن داعى الصبابةِ أَسمعا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «حننت إلى ريا ونفسك باعدت»

واختار أبو العباس جواز التزامها تأسيساً، واستدل بما أنشده ابنُ جنى في ((الخصائص)) من رواية أبي زيد:

وأطلس يهديهِ إلى الزاد أنفُهُأطاف بنا والليلُ داجى العساكرِ
فقلت لعمرٍ وصاحبي إِذ رأيتهُونحنُ على خُوصٍ دقاقٍ عوى سِرِ

أي عوى الذئب سِرْ، فأسس بألف ((عوى)) مقابلاً بها ألفَ ((العساكر)) التي لا تقع إلا تأسيساً. وأما إذا كانت كلمة الرويّ ضميراً والرويّ هو الضمير، أو بعضه كما سبق، فلك أن تجعل الألف تأسيساً إلحاقاً لها بالكلمة الواحدة، فيلزم حينئذ في القصيدة كلها، وهو الكثير في أشعارهم، ولك أن لا تجعلها تأسيساً إلحاقاً لها بالكلمتين الظاهرتين. فمن الأول قوله: أَلا ليت شعري هل يرى الناسُ ما أرى من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا

بدا لي أنيِّ لستُ مدرك ما مضى ولا سابقاً شيئاً إذا كان جائيا

ومن الثاني قوله: أيةُ جاراتكَ تلك الموصيهقائلةً لا تسقين بحبليهْلو كنت حبلاً لسقيتها بيهْأو قصراً وصلته بثوبيهْ

فقد استبان أنَّ كون الكلمة ذات إضمار أمر يقتضى جواز جعل الألف الواقعة في آخر الكلمة الأولى تأسيساً لا لزومَ كونها تأسيساً، وكون الرويّ وألفِ التأسيس من كلمة واحدة أمرٌ يقتضى لزوم جعل الألف تأسيساً. وكلام الناظم لا ينطبق على ذلك فتأمله. وإنما امتنع أن تكون الألف تأسيساً إذا لم يكن في الكلمة الثانية إضمار، وجاز الأمران مع رجحان كونها تأسيساً إذا كان فيها إضمارٌ لأن بُعدَ الألف عن آخر القافية قاضٍ بعدم التزامها لولا ما فيها من فضل المد المقصود عندهم إظهار الاعتناءِ به، فإذا انضم إلى البعدِ الانفصال قَوِىَ المانعُ وضعف الموجب فلم تجعل تأسيساً حينئذ. أمّا إذا كان فيها إضمارٌ فشدةُ احتياج المُضمر لما قبله يعارضُ الانفصال ولو كان المضمرُ منفصلاُ لاحتياجه إلى ما يفسره، ولهذا جعلوه رابطاً في الصلة والصفة والحال والخبر لطلبه لما قبله، فبقي القصد إلى إظهار ما فيها من فضل الصوت سالماً عن المعارض، وكان عدمُ جعلها تأسيساً نظراً إلى جهة الانفصال قليلاً لضعفها. فإن قيل: الإضمار إذا كان قبله حرف جر كقوله ((ولا ليا)) ليس متصلا بالكلمة التي فيها الألف وإنما هو متصل بحرف الجر، فهو مع حرف الجر حينئذ ككلمةٍ لا إضمارَ فيها فلم لا يلحق بها تكون الألف تاسيساً؟ والجواب أنه لمّا كان حرف الجر الموصل للفعل يتنزل منه منزلة همزة التَّعدية والتضعيف حيثُ كان معطياً لما يعطيانه صار كالمتصل بما قبله، ولهذا لم يجيزوا في ((زيداً مررتُ به)) أن يدخل عليه حرفُ جر ويكون من باب الاشتغال، لِما مرّ من أن حرف الجر في التعدية كالهمزة، فهو حينئذ كالجزء من الفعل فيؤدي إضمار الفعل وبقاؤه إلى إضمار بعض الكلمة، وهذا ظاهر في باءِ الفعل المُجريةِ وحملِ باقي حروف الجر عليها ليجرى الكلُّ على سنن واحد. وحكى الزجاجي أن الخليل زعم أن ألف التأسيس إذا كانت في كلمة والروي في كلمة مضمرة سناد، وأنكر أبو العباس هذه الرواية لكثرة ما ورد عنهم في ذلك. قال: وفتحةُ قبل الرَّسّ بعد الدخيل حرَّكوهُ بإشباعٍ فمن ساند اعتدى

أقول: يعني أن الفتحة التي قبل ألف التأسيس تُسمى الرّس، نحو فتحة واو ((الرَّواحل)) ونون ((المنازل) ونون ((المنازل)). وحكى ابن جنى أن الجرمى أنكر تسمية هذه الحركة، ووجه الإنكار أن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحاً فلا فائدةَ في ذكره. قال ابن جنى: سُمي بذلك من قولهم ((رستُ الشيء)) ابتدائه على خفاء، ومنه رَسُّ الحُمى، ورسيسها، وهو فترها وأول ما يوجد منها، ومنه الرّسّ للبئر القديمة، سُميت بذلك لتقدّمها ولأنها أخفى آثار العمارة. فإذا كان معنى ((رس)) إنما هو لِما خفى وقُدّمَ سُميت الفتحةُ قبل ألف التأسيس رسَّاً لأنه اجتمع فيها الخفاء والتقدم. أمَّا التقدم فلتراخيها عن حرف الروي وبُعدها عنه، وأما الخفاء فلأنها بعضُ حرف خفيّ وهو الألف، وإذا كان الكلّ خفياً فالبعض أولى بالخفاء من الكل. ويدلّ على خفاء الألف أنها لا اعتمادها على موضع من مخارج الحروف، وإنما هي كالنّفس، ولذلك بُينتْ بالهاء في الوقف في نحو ((يا زيداه)) و ((يا رباه)) كما تُبين الحركات نحو ((لمه)) و ((عمه)) و ((فيمه))، وقوله ((بعد الدخيل)) يعني أن الحرف الذي بعد ألف التأسيس يُسمى الدخيل نحو حاء ((الرواحل)) وزاي ((المنازل)) ويدلّ على أن الدخيل هو الحرفُ قوله ((حركوه)) لأن المحَّرك حرفٌ قطعاً، وسُمي دخيلاً لأنه دخيلٌ في القافية، ألا تراه يجيء مختلفاً بعد الحرف الذي لا يجوز اختلافه وهو ألف التأسيس، فلمّا جاء مختلفاً متفق وفارق بذلك أحكام ما في القافية صار كأنه مُلحقٌ بها ومدخل فيها. ووقع في كلام الناظم جعل الغايةِ خبراً، وذلك لان قوله ((الدخيل)) مبتدأ وقوله ((بعد)) غايةٌ، وقد نصّ سيبويه وجماعةٌ من المحققين على أن الغاياتِ لا تقع أخباراً ولا صلاتٍ ولاصفاتٍ ولا أحوالاً. فإن قلت: فما تصنع بقوله تعالى في سورة الروم (كيف كان علقبة الذين من قبلُ) ؟ قلتُ: هذا السؤالُ استشكل به ابن هشام في المغنى قولَ المحققين ولم يجب عنه. ويمكن الجواب بأنا لا نسلّم أن قوله تعالى ((من قبل)) صلةُ ((الذين)) بل الصلةُ هي قوله تعالى (كان أكثرهم مشركين) و ((من قبل)) ظرفٌ لغوٌ متعلقٌ بخبر ((كان)) وقُدّم عليه ولا مانع، فلا إشكال حينئذ على سيبويه ولا على غيره من المحققين. وأضاف الناظم ((فتحة)) إلى قوله ((قبل)) مع انه غاية، وإنما مرادهُ: وفتحةُ الحرف الذي قبل التأسيس، ففيه ما تقدمَ من الإشكال وزيادةً حذف الموصولِ وبقاءِ صلته، فتأمل. وقوله ((وحركوه بإشباع)) يعني أنهم حركوا الدخيل بحركة هي المسماة عندهم بالإشباع ككسرة الحاء والزاي من ((الرواحل)) و ((المنازل)). وسمي بذلك من قبل أنه ليس قبلَ الرويّ حرفٌ مُسمى إلا ساكناً، أعني التأسيس والردفَ، فلما جاء الدخيل محرَّكاً مخالفاً للتأسيس والردف صارت الحركةُ كالإشباع له، وذلك لزيادة المتحرك على الساكن لا عتماده بالحركة وتمكينه بها. وقوله ((فمن ساند اعتدى)) يريد أن السنادّ عيب إذا ارتكبه الشاعر اعتدى لكونه تجاوز حدّ ما يستحسن إلى ما يُعاب ويقبح. وبعضُ علماء هذا الفن يقول: هو كلّ عيب يلحق القافية، أي عيب كان. وقيل: هو كلّ عيب سوى الإقواء والإكفاء والإيطاء، وبه قال الزجَّاجي، وقيل: هو اختلاف ما قبل الروي وما بعده من حركةٍ أو حرف، وبه قال الرمّاني. وقيل: هو اختلاف الإرداف فقط، وبه قال أبو عبيد. وقيل: هو كل عيب يحدث قبل الروي خاصةً، وبه قال ابن جنى، وهو الصحيح وإياه اعتمد الناظم كما تراه. قال:

بذا وبتأسيسٍ وحذوٍ وردفهاوتوجيهها مثلُ ارتدعء دَع وَرُعْ فضشَا
للشاعر عبد الله بن محمد الخزرجي، من قصيدة «وللشعر ميزان تسمى عَروضَهُ»

أقول: أشار بقوله ((ذا)) إلى الإشباع، يعني أن السِّناد يكون في الإشباع وفي التأسيس وفي الحذو وفي الردف، فسناد الإشباع اختلافه كقوله:

وكنّا كغصنىْ بانةٍ ليس واحدٌيزول على الحالات عن رأي واحدِ
يبدَّلَ بي خلاًّ فخاللتُ غيرهُوخليتُه لمّا أراد تباعدِى

وسناد التأسيس تركه في بيت دون آخر كقوله:

لو أن صدور الامر يبدون للفتىكأعقابه لم تَلقَهُ يتندمُ
إذا الأرضُ لم تجهل علىَّ فروجُهاوإذ ليَ عن دار الهوان مُراغمُ

وأما قول العجاج:

يا دار سلمى يا لسلمى ثم اسلَمىفخندفٌ هامةٌ هذا العالم

فإن كان مِن من لغته همز مثل هذه الألف وهمزها كما يُحكى عن ابن رُؤبة في الاعتذار عنه جاز، وإلاّ كان سنادا. وسنادُ الحذو تعاقب الفتحة مع الضمة أو مع الكسرةِ قبل الردف كقوله:

كأن متونهنَّ متونُ غذرٍتصفّقها الرياحُ إذا جَرَينَا

وسناد الردف تركه في بيت دون آخر، كقوله:

إذا كنت في حاجةٍ مُرسلاًفأرسلْ حكيماً ولا تُصهِ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «إذا كنت في حاجة مرسلاً»
وإن بابُ أمرٍ عليكَ التوىفشاور حكيماً ولا تعصهِ

وأما التوجيه فهو حركة ما قبل الروي المقيد وأشار إليه الناظم بالمثل التي ذكرها، فإن اختلف التوجيه كما في مُثل الناظم فهو سنادٌ عند الخليل، بل رآه أفحش من سناد الإشباع. والأخفش يرى أن اختلاف الإشباع أفحشُ مستنداً إلى كثرة تعاقب الحركات قبل الروي المقيد في أشعار العرب كقول امرئ القيس:

فلا وأبيك ابنةَ العامريِّلا يدَّعى القومُ أنيّ أَفِرّْ
إذا ركبوا الخيل واستلامواتَحرَّقت الأرضُ واليومُ قَرّْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

وإلى حجة الأخفش أشار الناظم بقوله ((وتوجيهها مثل ارتدع دع ورع فشا))، وعليه فتوجيهها مبتدأُ خبرهُ ((مثل ارتدع دع ورع))، وقوله ((فشا)) خبرٌ آخر. وأما الأسماء الواقعة قبل قوله ((وتوجيهها)) فكُّلها مخفوض بالعطف على المجرور المتقدم وهو ((ذا)) من قوله ((بذا)). وينبغي أن يكون الجار متعلقاً بمحذوف يدل عليه ما تقدم، أي ساندْ في هذا وفي تأسيس وحذوٍ وردفها. فإن قلتَ: لم لا يتعلق ((بساند)) الملفوظ به في البيت السابق؟ قلتُ: أما أولاً فلما يلزمُ عليه من الإخبار عن الموصول قبل تمام صلته، وأمّا ثانياً فلما يلزم عليه من عيب التضمين ولا يُرتكب ما وُجد عنه مندوحة. وأحسن ما قيل في وجه تسمية السِّناد أنّهم يقولون ((خرج بنو فلان متساندين))، أي خرجوا على رايات شّتى، فمنهم مختلفون غيرُ متفقين، فكذلك قوافي الشعر المشتمل على السّناد اختلف ولم تأتلف بحسب جاري العادة في انتظام القوافي واستمرارها. قال:

ومستكملُ الأجزا العديم سنادهُهو البأوُ ثمّ النَّصبُ يُومنُ يُختشى
للشاعر عبد الله بن محمد الخزرجي، من قصيدة «وللشعر ميزان تسمى عَروضَهُ»

أقول: صرّح الأخفش في كتاب القوافي له بأنّ البأو والنصب هو ما كان من القصائد سالماً من الفساد وهو تام البناء، فإذا جاء الشعر المجزوء لم يسموه بأواً ولا نصباً. ولا يريد الاقتصار على المجزوء، بل المشطور والمنهوك أيضاً متى وُجدا فلا بأو ولا نصبَ، وذلك هو مرادُ الناظم بقوله ((ومستكمل الأجزا)) إلى آخره، أي أن الشعر الذي استكمل أجزاء دائرته فلم يكن مجزوءاً ولا مشطوراً ولا منهزكاً وعدم السناد فهو البأو ثم النصب. وظاهر كلام الأخفش أن البأو والنصب مترادفان. وقال ابنُ جنى: لمّا كان البأو أصله الفخر، والنَّصبُ من الانتصاب وهو المثول والتطاولُ، لم يُوقع النصب ولا البأو على ما كان من الشعر مجزوءاً لأن جزأه علةٌ وعيبٌ لحقه، وذلك ضدُّ الفخر والتطاول. لكن قال بعضهم: البأو ما عدم السناد المستحسن كوقوع الضم مع الكسر، والمستقبح كوقوع الفتح مع ضم أو كسر، وظاهره أن النصب تجنبُ المستقبح من السناد دون المستحسن، والبأو تجنبهما. قال الشريف: فلذلك جاء الناظم ((بثُم)) إشارة إلى أنه دونه في الرتبة وقوله ((يومن يُختشى)) فيه لفٌّ ونشر مرتب، ((فيومن)) راجع إلى ما يقتضيه البأو، يعني أن البأو مأمون معه السناد من حيث فقدان العيب مطلقاً، ((ويختشى)) راجع إلى ما يقتضيه النصب، أي أن النصب يُختشى معه السناد من حيث أنه ربما يكون معه ما هو معيب عند بعض العلماء. وقد بان لك أن الضمير الذي تحمّله كلُّ واحد من قوله ((يومن)) ((ويختشى)) عائدٌ على السناد. قال:

ومطلقُها باللين والهاء ستُّهاوتبلغ تسعاً بالمقيد عكس ذا
للشاعر عبد الله بن محمد الخزرجي، من قصيدة «وللشعر ميزان تسمى عَروضَهُ»
فجرّدها أردفهما أسِّسنهماوالأولُ قد يولىَ الخروجَ فيُحتذى

أقول: يعني أن صور القوافي لا تعد وتسع صور، منها ستٌّ مطلقة وثلاثٌ مقيدة، فالمطلق ما كان موصولاً، والوصلُ كما مرّ يكون تارةً بحرف لين وتارةً بهاء، وكلّ منهما إما مردف أو مؤسس أو مجرد من الردفُ والتأسيس، فهذه ستّ صور حاصلة من ضرب اثنين في ثلاثة. فالمردف الموصول بحرف اللين كقوله: ومن أين للوجه المليح ذنوبُ والمردف الموصول بالهاء كقوله: عَفت الديارُ محلها فمقامها

والمؤسس الموصول بحرف اللين كقوله: كِلينى لِهمٍ يا أميمة ناصبِ والمؤسس الموصول بالهاء كقوله:

في ليلة لا ترى بها أحداًيحكي علينا إلاّ كواكبها

والمجرد الموصول بحرف اللين بقوله: ولم أعطكم في الطوع مالي ولا عرضي والمجرد الموصول بالهاء كقوله: ألا فتىً نال العُلا بهمِّه والعقيد ثلاث صور، لأنه إما مجردٌ أو مردف أو مؤسس. فالمجرد كقوله: قد جَبَرَ الدين الإله فجبر والمردف كقوله: كلّ عيشٍ صائرٌ للزوال والمؤسس كقوله: وغررتني وزعمت أنك لابنٌ في الصيف تامرْ وقول الناظم ((فجردهما)) إلى آخر البيت يفهم منه وجه الحصر في الصور التسع، وذلك لأن ضمير الاثنين راجع إلى المطلق والمقيد. وذكر لهما ثلاث حالات وهي الإرداف والتأسيس والتجريد. والمطلقُ تارةً يكون باللين وتارة بالهاء، فإذا اعتبرت ذلك جاءت الصورُ التسع كما تقدم. وقوله ((والأول قد يولى الخروج)) يعني أن الأول، وهو المطلق، قد يُولى الخروج، أي يجعلُ الخروج والياً له، وقد سبق أن الخروج هو حرف اللين الذي يقفو حركةَ هاء الوصل كالألف في ((مقامها)) ((والواو)) في ((أعماؤه)) والياءُ في ((كسائهِ)). قال الشريف: وأراد بقوله ((فيحتذى)) أي يُحتذى به حركة الوصل إذ هو تابعٌ لها، فإن كانت الحركةُ فتحة كان ألفاً، وإن كانت ضمة كان واواً، وإن كانت كسرة كان يااء. وقد تقدم ذلك. قال:

ورُودف بالسَّكنين حدّاً وبين ذابما دونَ حُرّكت فصلوا ابتدا
للشاعر عبد الله بن محمد الخزرجي، من قصيدة «وللشعر ميزان تسمى عَروضَهُ»
فواتر ودارك راكبْ اجف تكاوساًوتضمينها إخراج معنىً لذا وذا
للشاعر عبد الله بن محمد الخزرجي، من قصيدة «وللشعر ميزان تسمى عَروضَهُ»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العيون الغامزة على خبايا الرامزة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.