تجاوز إلى المحتوى

من «القوافي» لأبي يعلى التنوخي (ت ٤٥٠هـ)

فاتحة الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

سميت القافية قافية لكونها في آخر البيت مأخوذة من قولك: قفوت فلاناً، إذا تبعته. وقفا الرجل أثر الرجل إذا قصه. وقافية الرأس مؤخره. ومنه الحديث عنه ﷺ: " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم..... ثلاث عقد، فإذا قام من الليل فتوضأ انحلت عقدة.... ".

والقافية من الأسماء المنقولة من العموم إلى المخصوص. فإذا أريد بها الشعر لم يقع عليها هذا الاسم حتى تقارن كلاماً موزوناً. وإذا أريد بها الاشتقاق اتسعت فيها العبارة.

مثل ذلك الصيام. وهو في الشرع محصور، وفي اللغة يعبر به من الإمساك والوقوف في كل موضع. يقال: صام النهار، إذا دومت الشمس في السماء، ثبتت وسط السماء وصام الفرس إذا قام.

قال النابغة:

خَيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صَائمةٍتَحْتَ العَجاجِ وَخَيلٌ تَعلُكُ اللُّجُمَا
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «خيل صيام وخيل غير صائمة»

ومن ذلك الحج. هو في الشرع محصور، وفي اللغة يعبر به عن القصد إلى كل شيء. قال الشاعر:

يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبرقانِ المُزَعْفَرا

يريد صفرة عما منه. وقال آخر:

يَحُجُّ مَأمُومَةً في قَعْرِها لَجَفٌ

وقال آخر:

فَدُونَكُمْ حَجُوا العيونَ بِأثْمِدٍمَعَ العَانِيَاتِ البِيضِ فَوْقَ الأرَائِكِ

ومن ذلك الإيلاء هو في الشرع أن يقسم الرجل لا يطأ زوجته أربعة أشهر فصاعداً. وهو في اللغة اليمين على كل شيء.

قال الشاعر:

وأَكذبُ ما يكون أبو المُثَنَّىإذا آلى يَميناً بالطَّلاقِ

وقال آخر:

رَفَعُوا رايةَ الضِّرَابِ وآلولَيَذُودُونَ سَامِرَ المَلْحَاءِ
للشاعر ابن الرعلاء، من قصيدة «ربما ضربة بسيف صقيل»

فصل: قال أبو بكر محمد بن دريد: سميت قوافي لأن بعضها يتلو بعضا. وهذا المعنى غير موجود في القافية الأولى، إلا أن يراد بقسميتها قافية، أنها تصلح أن تكون في موضع ما بعدها، مثل هذا الثوب مدفئ، وطعام مشبع طهور، أي يصلح أن يكون منه ذلك.

وقال قوم: سميت قافية لأنها فاعلة بمعنى مفعولة، كما يقال راضية بمعنى مرضية. كان الشاعر يقفوها، أي يتبعها ويطلبها. وأصل ذلك الاتباع.

قال الله تعالى: " وقفينا على آثارهم ".

واحتج من رأى الحكم بالعلم بقوله " ولا تقف ما ليس لك به علم " لأن فيه دليل خطاب أجاز له أن يقفو ما له به علم ويتبعه.

فصل: وقد اختلف الناس في القافية فقال بعضهم هي القصيدة بهذا البيت:

وَقَافِيَةً مِثْلِ حَدِّ السِّنَانِ نَبْقَى وَيَذْهَبُ مَنْ قَالَهَا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا ما لعينك أم ما لها»

وقال بعضهم: القافية البيت، واحتج بقول سحيم عبد بني

الحسحاس:

أشَارِتْ بِمِدْرَاهَا وَقَالَتَّ لِتِرْبِهَاأَعَبْدُ بَنِي الحَسْحَاسِ يُزْجى القَوَافِيَا

ويقول حسان:

فَنُحْكِمُ بالقَوَافِي مَنْ هَجَاناوَنَضْرِبُ حَتَّى تُخْتَلِطُ الدِّمَاءُ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «عفت ذات الأصابع فالجواء»

وقال قوم: القافية الكلمة الأخيرة وشيء قبلها، واحتج بأن أعرابياً سئل عن القافية في قوله:

بَنَاتُ وِطَاءِ عَلَى خَدِّ اللَّيْلْ

وقال سعيد بن مسعدة: القافية الكلمة الأخيرة. واحتج بأن قائلاً لو قال لك: اجمع لي قوافي تصلح مع كتاب لأتيت له بشباب ورباب.

وقال أبو موسى الحامض: القافية ما يلزم الشاعر تكريره في كل بيت من الحروف والحركات وهذا قول جيد. ويأتي بيان ما ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.

وقال قطرب: القافية حرب الروى وأدخلت الهاء عليه كما أدخلت على علامة ونسابة ولأن القائل يقول قافية هذه القصيدة دال أو ميم.

أما الخليل، فله في القافية قولان. أحدهما: أنها الساكنان الآخران من البيت وما بينهما مع حركة ما قبل الساكن الأول منهما. فعلى هذا القول تكون القافية في قول الشاعر:

إذَا مَا أَتَتْ من صاحِبٍ لك زَلَّةٌفَكُنْ أنْتَ مُحْتَالاً لِزَلَّتِهِ عُذْراً
للشاعر سالم بن وابصة الأسدي، من قصيدة «أُحِبُّ الْفتَى ينْفِي الْفَوَاحِشَ سَمْعُهُ»

تكون القافية حركة العين والذال والراء والألف. وفي قول الآخر:

وليسَ الغِنَى والفَقْرُ مِنْ شِيمَةِ الفَتىولكن حُظوظُ قُسِّمَتْ وَجُدُودُ

حركة الدال الأولى والواو والدال والواو.

والقافية على قول الخليل الآخر ما بين الساكنين الأخيرين من البيت مع الساكن الأخير فقط.

والقوافي على هذا تنقسم خمسة أضرب:

فالأول: المتكاوس، وهو أن يجتمع أربعة حروف متحركات بعدها ساكن. كقول العجاج:

قد جبر الدَّينَ الإله فَجَبْر

وكقوله أيضاً:

هَلاّ سَأَلْتَ طَلَلاً وَحَمَمَا

فقوله هفجبر هو القافية، وكذلك وحمما. وقيل: إن اشتقاق المتكاوس من قولك: تكاوس الشيء، إذا تراكم، فكأن الحركات لما تكاثرت فيه تراكمت. ولو قيل إنه من كاس البعير يكوس كوساً، إذا فقد إحدى قوائمه فحبا على ثلاث، لكان ذلك وجهاً، لأن الكوس أصله النقص. ذكر ذلك أبو إسحاق الزجاج، وغيره.

وقيل ذلك في الدابة لنقص قوائمها. وأنشد:

فظلَّت تَكُوسُ زماناً علىثَلاثٍ وكان لها أَرْبَعُ

وهذه القافية قد دخلها النقص لأن أصلها مستفعلن بحذف ثانيه، وطوى بحذف رابعة، فبقي متعلن، فنقل إلى فعلتن وهو المخبول. والغريزة تنفر منه. ولا يكون ذلك في شيء من ضروب العروض إلا فيما ضربه مستفعلن من البسيط. وهو الرابع من ضروبه. وجميع ضروب الرجز ما خلا الضرب الثاني منه.

وأما القافية الثانية فهي المتراكب. وذلك أن يجتمع ثلاثة حروف متحركة بعدها ساكن. وهو مأخوذ من تراكب الشيء، إذا ركب بعضه بعضاً.

وهو مثل قول الشاعر:

وَما نَزَلْتُ من المَكْرُوه مَنْزِلةًإلاَّ وَثِقْتُ بِأَنْ أَلقَى لَهَا فَرَجاً
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة

والضرب الثالث من القوافي يقال له المتدارك وهو أن يجتمع متحركان بعدهما ساكن مثل قول الشاعر:

وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْلٍ فَيبْخَلِ بِفَضْلِهِعَلَى قَوْمِه يُسْتَغْنَ عَنْهُ وَيُذْمَّمُ

كأن الحركتين تدراكتا فيه.

والضرب الرابع المتواتر وهو حرف واحد متحرك بعده ساكن، كقول الهذلي:

حَمِدْتُ إلهي بَعْدَ عُرْوَةَ إذْ نَجَاخِرَاشٌ وَبَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ

وهو مأخوذ من الوتر وهو الفرد.

والضرب الخامس أن يجتمع في آخر البيت ساكنان ويقال له المترادف لأنه ترادف فيه ساكنان ويجوز أن يكون سمي بذلك لأنه أكثر ما يستعمل بحرف لين، وربما أتى بغير لين فيسمى مصمتاً. فالذي بحرف لين كقوله:

مَنْ عَائِدي اللَّيْلَةَ أَمْ مَنْ نَصِيحْبِتُّ يَهمّ فَفُؤَادِي قَرِيحْ

والمصمت كالمسموع يوم فتح مكة من بعض العرب وهو خامس السريع

رَفَّعْتَ أَذْيالَ الحَفِّي وَأَرْبَعْنْمَشى حَيِيِّاتٍ كَأَن لَمْ يَفْزَعْنْ

إن يُمْنَعْ اليومَ نِساءٌ تَمْنَعْنْ

فالتقييد والردف لا زمان له. فلما عدم الردف ها هنا سمي مصمتاً.

فصل: سألت الشيخ أبا العلاء ﵀ ما يسمى القصد من الرجز تجتمع فيها القافية المتكاوسة والمتراكبة والمتداركة.

وذلك لأن ضروب الرجز مستفعلن على ما تقدم إلا الثاني. فمستفعلن متدارك: وكذلك إن نقله الخبن إلى مفاعلن وبنقله الطي إلى مفتعلن فيكون متراكباً، وينقله الخبل إلى فعلتن فيكون متكاوساً.

فقال: ما علمت أن أحداً قاله. ذكر هذا.

وأنا أسمي هذه القصيدة المثفاة يذهب بذلك إلى ثفية. ومنه المرأة المثفاة، وهي التي نكحت ثلاثة أزواج.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٧٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.