من «القوافي» لأبي يعلى التنوخي (ت ٤٥٠هـ)
الردف
وهي:
لِلهِ عَهْدُ سُوَيْقَةٍ ما أَنْضَرَا
فقال:
لَمْ تُدْعَ ذَا السَّيْفَيْنِ إلاَّ نَجْدَةًبِكَ أَوْجَبَتْ لَكَ أَنْ تَقَلَّدَ آخَرَا
وأرى أن هذه اللفظة أعني آخر يسهل على الغريزة إشراكها في قوافي التجريد من وجهين: أن التأسيس أكثر ما ورد بكسر الدخيل. وقد يوجد مضموماً. فأما الدخيل المفتوح فقليل جداً. فلما كانت الخاء مفتوحة كانت خالية من التأسيس. والوجه الآخر: أن هذه الألف التي هي التأسيس في آخر كانت في الأصل همزة، وإنما صارت مسدة لعلة. فكأن الحس من الغريزة يقع بتلك الهمزة الأصلية.
وقد أتى امرؤ القيس بمثل ذلك فقال:
إذَا قُلْتُ هَذا صَاحِبٌ قَدْ رَضِيْتُهُوَقَرَّتْ بِهِ العَيْنَانِ بُدِّلْتُ آخَرَا
كَذِلِكَ حَظِّي ما أُصَاحِبُ صَاحِباًمِنَ النَّاسِ إلا خَانَنَي وَتَغَيَّرَا
وقد أتى أبو عبادة مرفوضاً بالإجماع فأسس مع الانفصال وعدم الضمير في قوله:
لا يُلْحِقَن إلى الإِسَاءَةِ أُخْتَهَاشَرُّ الإساءَةِ أَنْ تُسِئَ مُعَاوِدا
وَارْفَعْ يَدَيْكَ إلى السّمَاحَةِ مُفْضِلاًإنَّ فِي القَومِ لِلأَعْلَى يَدَا
شَرْوَى أَبِي الصَّقْرِ الَّذي مَدَّتْ لهشَيْبَانُ فِي الحَسَناتِ أَبْعَدَهَا مَدَى
وَيَسُرَّني أَنْ لَيْسَ يُلْزَمُ شِيْمَةًمِنْ مَعْشَرٍ مَنْ لَيْسَ يُكْرَمُ مَوْلِدَا
وهو قبيح جداً.
الردف
وهو مأخوذ من ردف الراكب لأن الروي أصل فهو الراكب، وهذا كردفه. وهو يكون من أحد ثلاثة أحرف: الواو، والألف، والياء.
وقد تكون الواو ردفا مع ضم ما قبلها وفتحه، وكذلك الياء مع كسر ما قبلها وفتحه.
والياء التي قبلها كسرة تسمى الحزم المرسل، والتي قبلها فتحة تسمى الحزم المنبسط. وكذلك هو في الواو، إذا انضم ما قبلها أو انفتح. ويقال أيضاً لما انفتح ما قبله من الياءات والواوات الثواني.
فأما الألف فلا يكون ما قبلها إلا مفتوحا ولا تكون إلا ردفاَ محضاً. والردف ما كان الروي بعده بغير حاجز في المطلق والمقيد. فالذي ردفه واو قبلها ضمة قول الشاعر:
فَلَسْتُ لإِنْسِيٍّ وَلكِنْ لِمَلْأكٍتَحَدَّرَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ
والذي ردفه واو قبلها فتحة قول الراجز:
وَمَشْيُهُنَّ بِالخَبيبِ مَؤرُكَمَا تَهَادى الفَتَيَاتُ الزَّوْر
وكقول الشاعر:
يا أيها الرَّاكِبُ المُزْجِي مَطِيَّتُهسَائِلْ بَنِي أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ
وكقول:
لَئِن كُنْتَ لا تَدْرِي مَتى أنْتَ مَيِّتٌفإِنَّكَ تَدْرِي أَنَّ غايَتَكَ المَوتُ
وكقول بعض المحدثين وينسب إلى بعض ملوك الهند:
ثِنْتَانِ مِنْ هِمَّتي لا يَنْقَضي أَسَفِيعَلَيْهمَا أَبّداً مِنْ خِشْيَةِ الفَوْتِ
لَمْ أَحبْ منتجع الدُّنْيا بِجُمْلَتِهاوَلا حَمَيْتُ الوَرَى مِنْ صَوْلَةِ المَوْتِ
والذي ردفه ألف كقول امرئ القيس:
وَهَلْ يَنْعَمَنْ إلاَّ سَعيدٌ مُخَلَّدٌقَلِيلُ الهُمُومِ مَا يَبِيْتُ بِأوْجَالِ
سئل بعضهم عن معنى هذا البيت فقال: هو كما يقال: عاش من لا عقل له.
والذي ردفه ياء مكسور ما قبلها قول الشاعر:
وَكَأَينَ رَأَيْنَا مِنْ غَنيٍّ مُذَمَّمٍوَصُعْلُوكِ قَوْمٍ ماتَ وَهْوَ حَمِيدُ
وما كان ردفه ياء مفتوح ما قبلها فقوله:
بَنَاتُ وَطَّاءِ عَلَى خَدِّ اللَّيللا يُشْتَكِينَ عَمَلاً ما أَنْقَيْنْ
وأصحاب الشافعي ينشدون أبياتاً على هذا المنهاج يستدلون بها على أن الطلاق في غير الأزواج من طريق اللغة. ولا شك أنها لبعض المحدثين وهي:
خُذْهَا إِلَيكَ فَإِنَّ وُدَّكَ طَالِقٌمِنِّي وَلَيْسَ طَلاَقَ ذَاتِ البَيْنِ
فَإِنِ ارْعَوَيْتَ فإِنَّهَا تَطْلِيقَةٌوَيَدُومُ وُدُّكَ لِي عَلَى ثِنْتَيْنِ
وَإنِ التَوَيْتَ شَفَعْتُهَا بِمِثَالِهَافَيكُونُ تَطْلِقَيْنِ في ظَهْرَيْنِ
وَإذا الثَّلاثُ أَتَتْكَ مَنِّي بُتَّةًلَمْ تُغْنِ عَنْكَ وِلايةُ السِّرَّيْنِ
وذكر سيبويه أن فتح ما قبل الواو والياء لا يجوز. وقد استعملت الشعراء ذلك.
ومما ورد بالفتح أيضاً قول الشاعر:
لَعَمْرُكَ ما أَخْزَى إذا ما سَبَيْتَنِيَإذا لَمْ نَقُلْ بَطْلاً عَلَيَّ وَمَيْنَا
وَلَكِنَّما يَخْزَى امْرُؤ تَكْلِمُ اسْتَهُقَنَا قَوْمِهِ إذا الرِّمَاحُ هَوَيْنَا
وقد ذكر ما ذهب إليه سيبويه أبو بكر الخزاز العروضي.
فأما الواو والياء فتتعاقبان إذا كانتا ردفين في القصيدة الواحدة، فتكون الواو ردفاً في بيت والياء في آخر. فيأتي الواو المضموم ما قبلها مع الياء المكسور ما قبلها؛ الواو المفتوح ما قبلها مع الياء المفتوح ما قبلها.
ولو سلمت القصيدة على شيء واحد، لكان أحسن، لا سيما إن كانت القافية منفذة.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٧٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع