تجاوز إلى المحتوى

من «القوافي» لأبي يعلى التنوخي (ت ٤٥٠هـ)

الصلة وتسمى الوصل أيضاً

وهي حرف يكون بعد الروي متصل به. ويكون أحد أربعة أحرف: الواو، والألف، والياء، والهاء.

وقد تكون الهاء في الوصل أربع حالات، ضم وفتح وكسر وسكون ولا يكون غيرها إلا ساكناً.

وقد يقع في الوصل اشتراك في معنى الحرف، والحرف بحاله فيشارك الواو التي للترنم؛ الواو التي تلحق فعل الجميع؛ وتشارك الألف التي للترنم، التي للتثنية؛ والألف التي هي أصلية. وتشارك الياء التي للترنم؛ الياء الأصلية. وتشارك الياء التي للضمير الهاء الأصلية.

فالواو التي للترنم كقول الفطامي:

قَدْ يُدْرِكُ المُتَأَنِّي بعدَ حَاجَتَهُوَقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعجِلِ الزَّلَلُ

والواو التي لفعل الجميع مثل قوله في هذه القصيدة:

فَلا هُمُ صَالَحُوا مَنْ يَبْتَغِي عَنَتِيوَلا هُمُ كَدَّرُوا الخَيْرَ الِذِي فَعَلُوا

وذلك جائز لا محالة.

وأما الألف التي للترنم فكقوله:

وَمَعْصِيَةُ الشَّفِيقِ عَلَيْكَ مِمَّايَزِيدُكَ مَرَّةً مِنْهُ استِماعَا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

ويجوز أن يشاركها ألف مراعى وتداعى وكقول العجاج:

فمن يَعْكفْنَ بِهِ إذا حَجَاعَكْفَ النَّبِيطِ يَلْعَبُونَ الفَنْزَجَا

وأما الياء التي للترنم، فكقوله:

وَلَو أَنَّني أَسْعَى لأدنى مَعِيْشَةٍكَفَانِي وَلَمْ أَطْلُب قلُيلٌ مِنَ المَالِ
للشاعر أحمد زكي أبو شادي، من قصيدة «أجارتنا إن المزار قريب»

وقد أتى في هذه القصيدة ما هو من الأصل كقوله:

ألا أنْعِمْ صَباحاً أَيُّهَا الطَّلَلُ البَالِيوَهَلْ يَنْعَمَنْ مَنْ كَانَ فِي العُصُرِ الخالي

ويجوز أن تجئ الياء المخففة من الهمزة وصلا. فيجئ المالى: من ملأ يملأ مع الأحوال، والظامي: من الظمأ مع الإكرام.

قال أبو الفتح بن جني، - رحمه الله تعالى - في تفسير قول المتنبي:

كُلَّمَا رُمْتَ لَوْنَهُ مَنَعَ النَّاظِرَ مَوْجٌ كَأَنَّهُ مِنْكَ هَازِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

أن أصل هازي: هازئ فأبدل الهمزة على حد التخفيف القياسي وجعلها وصلاً بمنزلة الياء التابعة بعد الزاي في الإحراز في اللفظ.

وليس هذا بقياس لأنه لو خففها تخفيف القياس لكانت الهمزة مقدرة. ولو كانت مقدرة فكأنها ملفوظ بها. وإذا كانت كذلك لم يجز أن تكون وصلاً إطلاقاً.

وسألت الشيخ أبا العلاء - رحمه الله تعالى - عما ذكره ابن جني فقال: هذا تسعف لا يحتاج إليه. ويلزم أبا الفتح في هذا أن يجعل الهمزة في ذئب، ورأس، وبؤس إذا خففت كأنها موجود في اللفظ؛ فلا يجعلها تدخل مع الأرداف. لأجل أنها مقدرة. والسماع من العرب وغيرهم مختلف لذلك؛ كقول الجميع الأسدي:

أمَّا إذا حَرَدَتْ حَرْدِي فَمُجْرِيةُضَبْطَاءُ تَمْنَعُ غِيْلاً غَيْرَ مَقْرُوبِ

وقال في الأبيات:

وَإنْ يَكُنْ حَادِثٌ يُخْشَى فَذُو عَلَقٍتَظَلُ تَزْجُرُهُ مِنْ خَشْيَةِ الذِّيْبِ
للشاعر الجميح الأسدي، من قصيدة «أمست أمامةُ صمتاً ما تكلمنا»

فيلزم أبا الفتح أن يجعل الياء في الذيب لا يجوز أن تكون ردفا، وكذلك الواو في قول الأفوه:

إِنَّ بَنِي أَوْدٍ هُمْ ما هُمُلِلْحَرْبِ أَوْ لِلجَدْبِ، عَامَ الشُّمْوُسْ
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «إما ترى رأسي أزرى به»
يَقونَ فِي الحُجْرَةِ جِيرَانَهُمبِالمَالِ وَالأنْفُسِ مِنْ كُلِّ بُوسْ
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «إما ترى رأسي أزرى به»

فالواو في بوس مخففة من الهمزة، وقد صارت ردفا مع الواو التي في البيت الأول.

وكذلك قول الآخر:

يَقُواُ لِيَ الأَميرُ بِغَيْرِ جُرْمٍتَقَدَّمْ حِينَ جَدَّ بِنَا المِرَاسُ
فَمَالِي إن أَطَْتُكَ مِنْ حَيَاةٍوَمَالِي غَيْرَ هَذَا الرَّاسِ رَاسُ

فألف راس مخففة من الهمزة. وهي ردف مع ألف المراس. وإذا كانت الأحرف الضعيفة ثابتة في موضع، فلا بأس أن يجئ في مكانها ما هو أقوى منها.

ومثل ذلك قول طرفة:

لِخَوْلَةَ أَطْلاَلٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ

فالياء في نهمد مجتلبة للترنم. وقال في القصيدة:

سَتَعْلَمُ إنْ مِتْنَا غَداً أَيَّنَا الصَّدِي

فالياء في الصدي أصلية، وهي وصل لا يجوز غير ذلك. وكذلك الهاء التي للإضمار تكون وصلاً، ثم يجئ معها الهاء الأصلية. إلى ها هنا كلام أبي العلاء.

وقد تشارك الياء التي للترنم الياء التي للنفس كقول امرئ القيس:

حَتَّى بَلَّ دَمْعِيَ مَحْمَلِي

وكقوله:

وَقَدْ يُدْرِكُ المَجْدَ المَوَثَّلَ أَمْثَالِي

وأما الهاء المضمومة فكقوله:

وَبَلَدٍ عَامِيَةٍ أَعَّمَاؤُهُ

والهاء المفتوحة كقوله:

وَفِتْيانِ صِدْقٍ لَسْتَ مُطْلِعَ بَعْضِهِمعَلَى سِرِّ بَعْضٍ، غَيْرَ أَنِّي جُماعُهَا

وأما المكسورة فكقول بعض نساء العرب:

يا رَبِّ مَنْ عَادَى أُبِي فَعَادِهِوَارْمِ بِسَهْمَينِ عَلَى فُؤَادِهِ

وَاجْعَلْ حِمامَ نَفْسِهِ فِي زَادِهِ

وأما الهاء الساكنة فقوله:

لمَّا أَتَاهُ خَاطِباً فِي أرْبَعَةَأوْ أبَه وَسَبَّ مَنْ جَاءَ مَعَهُ

أو أبَه: من الإبة؛ وهي الحياء.

وكقوله:

وَلا تَخْذُلِ المَوْلَى إذا ما مُلِمَّةألَمَّتْ وَنازِلْ فِي الوَغَى مَنْ يُنازِلُهْ
للشاعر عبيد بن أيوب العنبري، اقرأ القصيدة

وقد تشترك الهاء الأصلية وهاء الضمير في الوصل بشرط لزوم ما قبلها؛ كقول امرأة تهجو ضرتها:

ضُرَيْرَةٌ أُوْلِعْتُ بِاشْتِهَارِهايُطْرِقُ كَلْبُ الحَيِّ مِنْ حِذَارِهَا
فاصِلَةُ الحَقْوَيْنِ مِنْ إِزَارِهاأُعْطِيتُ فيها طائِعاً أو كارهاً
حَدِيقَةً غَلْبَاء فِي جِدَارِهاوَفَرَساً أُنْثى وَعَبْداً فَارِها

ويروى ضورية أولعت منسوبة إلى ضورة من عنزة. هذا قول أبي العلاء.

وقال النامي: ضورة موضع.

ومما جاءت فيه الهاء الأصلية وصلاً قوله:

أَبْلِغْ أبا عَمْرٍ وَأجْنِحَةُ الخُطُوبِ لَهَا تَشَابُهْ

إنّي أَنَا اللَّيْثُ الذِي يُخْشَى مَخَالِبُهُ وَنَابُهْ

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٧٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث: لوازم القافية: الكلام في الحروف اللازمة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.