تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر نيران العرب

ونيران العرب أربعة عشر نارا.

نار المزدلفة. توقد حتّى يراها من دفع من عرفة. وأوّل من أوقدها قصىّ بن كلاب.

نار الاستسقاء. كانت الجاهلية الأولى، إذا تتابعت عليهم الأزمات، واشتدّ الجدب، واحتاجوا إلى الأمطار. يجمعون لها بقرا، معلقة فى أذنابها وعراقيبها

السّلع والعشر، ويصعدون بها إلى جبل وعر، ويشعلون فيها النار، ويضجّون بالدعاء والتضرّع. وكانوا يرون ذلك من الأسباب المتوصّل بها إلى نزول الغيث. وفى ذاك يقول الوديك الطائى:

لا درّ درّ رجال خاب سعيهم،يستمطرون لدى الأزمات بالعشر!
أجاعل أنت بيقورا مسلّعةذريعة لك بين الله والمطر؟

وقال أمية بن أبى الصّلت:

ويسوقون باقر السّهل للطّود مهازيل خشية أن تبورا
عاقدين النّيران فى بكر الأذناب منها، لكى تهيج النّحورا
سلع ما ومثله عشر ماعائل ما وعالت الببقورا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، اقرأ القصيدة

نار الزائر والمسافر. ويسمونها نار الطّرد. وذلك أنهم كانوا إذا لم يحبوا رجوع شخص، أوقدوا خلفه نارا ودعوا عليه. ويقولون فى الدعاء: أبعده الله وأسحقه! وأوقدوا نارا إثره. قال الشاعر:

وجمّة قوم قد أتوك ولم تكنلتوقد نارا خلفها للتندّم

والجمّة: الجماعة يمشون فى الدّم، وفى الصلح. ومعنى هذا البيت: لم تندم على ما أعطيت فى الحمالة عند كلام الجماعة، فتوقد خلفهم ناراكى لا يعودوا.

نار التحاليف. كانوا لا يعقدون حلفهم إلا عليها، فيذكرون منافعها، ويدعون الله بالحرمان والمنع من منافعها على الذى ينقض العهد، ويطرحون فيها الكبريت والملح. فإذا فرقعت هوّل على الحالف. قال الكميت:

همو خوّفونى بالعمى هوّة الرّدىكما شبّ نار الحالفين المهوّل

وقال أوس بن حجر:

إذا استقبلته الشّمس، صدّ بوجههكما صدّ عن نار المهوّل حالف
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «تنكر بعدي من أميمة صائف»

نار الغدر. كانت العرب إذا غدر الرجل بجاره، أوقدوا له نارا بمنى، أيام الحج على الأخشب (وهو الجبل المطلّ على منّى). ثم صاحوا: هذه غدرة فلان.

قالت امرأة من هاشم:

فإن نهلك فلم نعرف عقوقاولم توقد لنا بالغدر نار

نار السّلامة. وهى نار توقد للقادم من سفره، إذا قدم بالسلامة والغنيمة. قال الشاعر:

يا سليمى أوقدى الناراإنّ من تهوين قد زارا

نار الحرب. وتسمّى نار الأهبة والإنذار. توقد على يفاع، فتكون إعلاما لمن بعد. قال ابن الرومى:

له ناران: نار قرى وحرب.ترى كلتيهما ذات التهاب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «صبا من شاب مفرقه تصابي»

نار الصّيد. يوقدونها لصيد الظباء، لتعشى أبصارها.

نار الأسد. كانت العرب توقدها إذا خافوه؛ فإن الأسد إذا عاين النار حدّق إليها وتأمّلها.

نار السّليم. توقد للملدوغ، والمجروح، ومن عضّه الكلب الكلب حتّى لا يناموا فيشتدّ بهم الألم. قال النابغة:

يسهّد من ليل التّمام سليمهالحلى النّساء فى يديه قعاقع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

وذلك لأنهم كانوا يعلقون عليه حلى النساء ويتركونه سبعة أيام.

نار الفداء. وذلك أن ملوكهم كانوا إذا سبوا قبيلة وخرجت إليهم السادات فى الفداء وفى الاستيهاب، كرهوا أن يعرضوا النساء نهارا فيفتضحن.

وأما فى الظلمة فيخفى قدر ما يحبسون من الصيفىّ لأنفسهم، وقدر ما يجودون به، وما يأخذون عليه الفداء. فيوقدون لذلك النار. قال الشاعر:

نساء بنى شيبان يوم أوارةعلى النّار إذ تجلى له فتياتها

نار الوسم. كانوا يقولون للرجل: ما نارك؟ (فى الاستخبار عن الإبل) أو ما سمتك؟ [فيقول]: حياط، أو علاط، أو حلقة، أو كذا، أو كذا.

حكى أن بعض اللصوص قرّب إبلا كان قد أغار عليها وسلبها من قبائل شتّى إلى بعض الأسواق، فقال له بعض التجّار: ما نارك؟ وإنما سأله عن ذلك، لأنهم كانوا يعرفون ميسم كل قوم وكرم إبلهم من لؤمها، فقال:

تسألنى الباعة: ما نجارها،إذ زعزعوها فسمت أبصارها؟
وكلّ دار لأناس دارها!وكلّ نار العالمين نارها !

نار القرى. وهى من أعظم مفاخر العرب. كانوا يوقدونها فى ليالى الشتاء، ويرفعونها لمن يلتمس القرى. فكلما كانت أضخم وموضعها أرفع، كان أفخر.

وهم يتمادحون بها، قال الشاعر:

له نار تشبّ بكلّ وادإذا النّيران ألبست القناعا

وقال إبراهيم بن هرمة:

إذا ضلّ عنهم ضيفهم، رفعوا لهمن النار فى الظّلماء ألوية حمرا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «إذا ضل عنهم ضيفهم رفعوا له»

وكانت للعرب نار عظمى تسمّى نار الحرّتين. وهى التى أطفأها الله تعالى بخالد بن سنان العبسىّ. وكانت حرّة ببلاد عبس، تسمّى حرّة الحدثان.

روى عن ابن الكلبىّ أنه قال: كان يخرج منها عنق فيسيح مسافة ثلاثة أو أربعة أميال، لا تمرّ بشىء إلا أحرقته. وأن خالد بن سنان أخذ من كل بطن من بنى عبس رجلا فخرج بهم نحوها، ومعه درّة حتّى انتهى إلى طرفها، وقد خرج منها عنق كأنه عنق بعير فأحاط بهم، فقالوا: هلكت والله أشياخ بنى عبس آخر الدهر! فقال خالد كلّا! وجعل يضرب ذلك العنق بالدّرّة ويقول: «بدّا بدّا، كلّ هدى الله يؤدّى! أنا عبد الله خالد بن سنان!» فما زال يضربه حتّى رجع، وهو يتبعه والقوم معه كأنه ثعبان يتملك حجارة الحرّة حتّى انتهى إلى قليب، فانساب فيه وتقدّم عليه، فمكث طويلا. فقال ابن عم لخالد، يقال له عروة بن شب: لا أرى خالدا يخرج إليكم أبدا! فخرج ينطف عرقا، وهو يقول: زعم ابن راعية المعزى أنى لا أخرج. فقيل لهم بنو راعية المعزى إلى الآن.

وفى هذه النار يقول الشاعر:

كنار الحرّتين لها زفيرتصمّ مسامع الرجل السّميع

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.