من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
أما الشمعة، فمن جيد ما قيل فيها
قول الأرّجانىّ:
نمّت بأسرار ليل كان يخفيهاوأطلعت قلبها للنّاس من فيها
قلب لها لم يرعنا وهو مكتمنإلا برقية نار من تراقيها
سقيمة لم يزل طول اللسان لهافى الحىّ يجنى عليها ضرب هاديها
غريقة فى دموع، وهى تحرقهاأنفاسها بدوام من تلظّيها
تنفّست نفس المهجور إذ ذكرتعهد الخليط فبات الوجد يبكيها
يخشى عليها الرّدى مهما ألمّ بهانسيم ريح إذا وافى يحيّيها
بدت كنجم هوى فى إثر عفريةفى الأرض فاشتعلت منه نواصيها
نجم رأى الأرض أولى أن يبوّأهامن السماء، فأمسى طوع أهليها
كأنها غرّة قد سال شادخهافى وجه دهماء يزهيها تجلّيها
أو ضرّة خلقت للشّمس حاسدة؛فكلّما حجبت، قامت تحاكيها
وحيدة كشباة الرّمح هازمةعساكر الليل إن حلّت بواديها
ما طنّبت قطّ فى أرض مخيّمةإلا وأقمر للأبصار داجيها
لها غرائب تبدو من محاسنها،إذا تفكّرت يوما فى معانيها
كصعدة فى حشا الظّلماء طاعنةتسقى أسافلها ريّا أعاليها
. فالوجنة الورد إلا فى تناولهاوالقامة الغصن إلا فى تثنّيها
. صفراء هنديّة فى اللّون إن نعتت،والقدّ واللّين إن أتممت تشبيها
. فالهند تقتل بالنّيران أنفسهاوعندها أنّ ذاك القتل يحييها
. قد أثمرت وردة حمراء طالعةتجنى على الكفّ إن أهويت تجنيها
. ورد تشاك به الأيدى إذا قطفت،وما على غصنها شوك يوقّيها
. ما إن تزال تبيت اللّيل ساهرةوما بها غلّة فى الصّدر تطفيها
. صفر غلائلها، حمر عمائمها،سود ذوائبها، بيض لياليها
. تحيى الليالى نورا، وهى تقتلها.بئس الجزاء لعمر الله تجزيها!
قدّت على قدّ ثوب قد تبطّنهاولم يقدّر عليها الثوب كاسيها
غرّاء فرعاء ما تنفكّ قاليةتقصّ لمتّها طورا وتفليها
شبّاء شعثاء لا تكسى غدائرهالون الشّبيبة إلا حين تبليها
قناة ظلماء لا تنفك يأكلهاسنانها طول طعن أو يشظّيها
مفتوحة العين تفنى ليلها سهرا؛نعم، وإفناؤها إيّاه يفنيها
وربّما نال من أطرافها مرضلم يشف منه بغير القطع مشفيها
وقال آخر:
بيضاء أضحكت الظلام فراعهافبكت وأسبلت الدّموع بوادرا
جفّت دموع جفونها فكأنّماكسيت من الطّلع النّضيد ضفائرا
وقال أبو القاسم المطرّز من أبيات:
وللشّموع عيون كلّما نظرتتظلّمت من يديها أنجم الغسق
من كلّ مرهفة الأعطاف كالغصن الميّاد لكنّه عار من الورق
إنى لأعجب منها وهى وادعةتبلى، وعيشتها من ضربة العنق!
وقال آخر:
جاءت بجسم كأنّه ذهبتبكى وتشكى الهوى وتلتهب
كأنها فى أكفّ حاملهارمح لجين سنانه ذهب
وقال محمد بن أبى الثبات، شاعر اليتيمة:
ومجدولة مثل صدر القناةتعرّت، وباطنها مكتسى
لها مقلة هى روح لها،وتاج على الرأس كالبرنس
إذا غازلتها الصّبا حرّكتلسانا من الذّهب الأملس
وتنتج من حيث ما ألقحتضياء يجلّى دجى الحندس
فنحن من النّور فى أسعد،وتلك من النار فى أنحس!
وقال آخر:
ورشيقة بيضاء تطلع فى الدّجىصبحا وتشفى الناظرين بدائها
شابت ذوائبها أوان شبابها،واسودّ مفرقها أوان فنائها
كالعين: فى طبقاتها ودموعهاوبياضها وسوادها وضيائها
وقال الصاحب بن عبّاد:
وشمعة قدّمت إليناتجمع أوصاف كلّ صبّ:
صفرة لون، وذوب جسم،وفيض دمع، وحرّ قلب
وقال السرىّ الرفّاء:
مفتولة مجدولةتحكى لنا قدّ الأسل
كأنّها عمر الفتىوالنار فيها كالأجل
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع