من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
فأما الأهرام
التى بأرض مصر فهى كثيرة. وأعظمها الهرمان اللذان بالجيزة غربىّ مصر.
وقد اختلف في بانيهما.
فقال قوم: بانيهما سوريد بن سهلوق بن سرناق. بناهما قبل الطوفان لرؤيا رآها، فقصّها على الكهنة، فنظروا فيما تدل عليه الكواكب النيرة من أحداث تحدث فى العالم، فأقاموا مراكزها في وقت المسألة. فدلت على أنها نازلة من السماء تحيط بوجه الأرض. فأمر حينئذ ببناء البرابى والأهرام، وصوّر فيها صور الكواكب ودرجها وما لها من الأعمال وأسرار الطبائع والنواميس وعمل الصنعة.
ويقال إن هرمس المثلث بالحكمة (وهو الذى يسميه العبرانيون أخنخ، وهو إدريس ﵇ استدلّ من أحوال الكواكب على كون الطوفان. فأمر ببناء الأهرام وإيداعها الأموال وصحائف العلوم وما يخاف عليه الذهاب والدّثور.
وكل هرم منها مربع القاعدة، مخروط الشكل، ارتفاع عموده ثلاثمائة ذراع وسبعة عشر دراعا، يحيط به أربعة سطوح متساويات الأضلاع، كل ضلع منها أربعمائة ذراع وستون ذراعا، ويرتفع إلى أن يكون سطحه مقدار ستة أذرع فى مثلها.
ويقال إنه كان عليه حجر شبه المكبّة فرمته الرياح العواصف.
وهو مع هذا العظم من إحكام الصنعة وإتقان الهندسة وحسن التقدير بحيث إنه لم يتأثر إلى يومنا هذا بعصف الرياح وهطل الأمطار وزعزعة الزلازل؛ وطول الحجر منه خمسة أذرع في سمك ذراعين.
ويقال إن بانيهما جعل لهما أبوابا على آزاج مبنية بالحجارة في الأرض، طول كل أزج منها عشرون ذراعا. وكل باب من حجر واحد يدور بلولب، إذا أطبق لم يعلم أحد أنه باب. فأزج الشرقىّ منها في ناحية الجنوب، وأزج الغربىّ في ناحية الغرب. يدخل من كل باب منها إلى سبعة بيوت، كل بيت منها على اسم كوكب من الكواكب السبعة؛ وكلها مقفلة بأقفال. وحذاء كل بيت منها صنم من ذهب مجوّف، إحدى يديه على فيه، وفي جبهته كتابة بالمسند إذا قرئت انفتح فوه فتوجد فيه مفاتيح ذلك القفل فيفتح بها.
والقبط يزعمون أنها والهرم الصغير الملوّن قبور: فالهرم الشرقىّ فيه سوريد الملك، وفي الهرم الغربىّ أخوه هو حيت.
والصابئة تزعم أن أحدها قبر أغاثديمون، والآخر قبر هرمس، والملوّن قبر صاب ابن هرمس؛ وإليه تنسب الصابئة على قول من زعم ذلك منهم؛ وهم يحجّون إليها ويذبحون عندها الدّيكة والعجول السّود، ويبخرون بدخن؛ ويزعمون أنهم يعرفون عند اضطراب ما يذبحون حالة الذبح ما يريدن عمله من الأمور الطبيعية.
وقصرت همم الملوك والخلفاء عن معرفة ما في هذين الهرمين، إلى أن ولى عبد الله المأمون الخلافة وورد مصر، أمر بفتح واحد منها. ففتح بعد عناء طويل، واتفق لسعادته أنه وقع النّقب على مكان يسلك منه إلى الغرض المطلوب، وهو زلّاقة ضيقة من الحجر الصوّان الماتع الذى لا يعمل فيه الحديد، بين حاجزين ملتصقين بالحائط قد نقر في الزّلّاقة حفر، يتمسك السالك بتلك الحفر، ويستعين بها
على المشى في الزّلّاقة لئلا يزلق، وأسفل الزلاقة بئر عظيمة بعيدة القعر. ويقال إن أسفل البئر أبواب يدخل منها إلى مواضع كثيرة وبيوت ومخادع وعجائب.
وانتهت بهم الزّلّاقة إلى موضع مربّع في وسطه حوض من حجر صلد مغطّى. فلما كشف عنه غطاؤه، لم يوجد فيه إلا رمّة بالية. فأمر المأمون بالكف عما سواه.
وهذا الموضع يدخله الناس إلى وقتنا هذا.
وسنذكر إن شاء الله تعالى خبر الأهرام عند ذكرنا لأخبار ملوك مصر الذين كانوا قبل الطوفان وبعده، وذلك في الباب الثانى من القسم الرابع من الفن الخامس، وهو في السفر الثانى عشر من هذه النسخة من كتابنا هذا فتأمله هناك.
وقال بعض أهل النظر، وقد عاين الأهرام: «كلّ بناء يخاف عليه من الدّهر، إلا هذا البناء فإنى أخاف على الدّهر منه».
ونظم عمارة اليمنىّ هذا القول، فقال:
خليلىّ، ما تحت السماء بنيّةتماثل في إتقانها هرمى مصر!
بناء يخاف الدّهر منه، وكلّ ماعلى ظاهر الدنيا يخاف من الدّهر!
تنزّه طرفى في بديع بنائها،ولم يتنزّه في المراد بها فكرى
وقال بعض الشعراء:
حسرت عقول ذوى النّهى الأهرام،واستصغرت لعظيمها الأعلام
ملس منيّفة البناء شواهق،قصرت لعال دونهنّ سهام!
لم أدر حين كبا التفكّر دونهاواستبهمت لعجيبها الأوهام،
أقبور أملاك الأعاجم هنّ، أمطلّسم رمل هنّ، أم أعلام؟
وقال أبو الطيّب المتنبى:
أين الذى الهرمان من بنيانه؟ما قومه؟ ما يومه؟ ما المصرع؟
تتخلّف الآثار عن أصحابهاحينا، ويدركها الفناء فتتبع
وقال أميّة بن عبد العزيز الأندلسىّ:
بعيشك هل أبصرت أحسن منظراعلى طول ما عاينت من هرمى مصر؟
أنافا بأعنان السّماء وأشرفاعلى الجوّ إشراف السّماك أو النّسر
. وقد وافيا نشزا من الأرض عالياكأنّهما ثديان قاما على صدر
وقال آخر:
انظر إلى الهرمين إذ برزاللعين في علو وفى صعد!
وكأنما الأرض العريضة إذظمئت لفرط الحرّ والومد
حسرت عن الثّديين بارزةتدعو الإله لفرقة الولد
فأجابها: لبّيك! يوسعهاريّا ويشفيها من الكمد
وقال ابن الساعاتىّ:
ومن العجائب، والعجائب جمّةدقّت عن الإكثار والإسهاب
هرمان قد هرم الزمان وأدبرتأيّامه، وتزيد حسن شباب
لله! أىّ بنيّة أزليّةتبغى السّماء بأطول الأسباب؟
ولربّما وقفت وقوف تبلّدأسفا على الأيّام والأحقاب
كتمت عن الأسماع فصل خطابهاوغدت تشير به إلى الألباب
وقال سيف الدين بن جبارة:
لله! أىّ غريبة وعجيبةفى صنعة الأهرام للألباب؟
أخفت عن الأسماع قصّة أهلها،ونضت عن الإبداع كلّ نقاب
فكأنّما هى كالخيام مقامةمن غير ما عمد ولا أطناب
ومن رسالة لضياء الدين بن الأثير الجزرىّ في ذكر مصر ووصف الأهرام، جاء منها:
بلد أشهد بفضله على البلاد، ووجدته هو المصر وما عداه فهو السّواد. فما رآه راء إلا ملأ عينه وصدره، ولا وصفه واصف إلا علم أنه لم يقدره قدره. وبه عجائب من الآثار، لا يضبطها العيان ولا الإخبار. فمن ذلك الهرمان، اللذان هرم الدهر وهما لا يهرمان؛ قد اختص كل منهما بعظم البناء، وسعة الفناء؛ وبلغ من الارتفاع غاية لا يبلغها الطير على بعد تحليقه، ولا يدركها الطّرف على مدّة تحديقه؛ فإذا أضرم برأسه قبس ظنه المتأمل نجما، وإذا استدارت عليه قوس السماء كان لها سهما».
وبالقرب من الأهرام صنم على صورة إنسان، تسميه العامّة «أبو الهول» لعظمه.
والقبط يزعمون أنه طلّسم للرمل الذى هناك، لئلا يغلب على أرض الحيزة.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع