من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وأما الخورنق والسّدير
فكان الخورنق على ثلاثة أميال من الحيرة، والسّدير في برّية بالقرب منها.
بناهما النعمان بن امرئ القيس، وهو النعمان الأكبر. ويقال في سبب بنائه لهما:
ن يزدجرد بن سابور كان لا يعيش له ولد، فسأل عن مكان صحيح الهواء، فذكر له
ظهر الحيرة. فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان وأمره ببناء الخورنق. فبناه على نهر سنداد في عشرين سنة. بناه له رجل يسمّى سنمار.
فلما فرغ من بنائه، عجب النّعمان من حسن بنائه وإتقانه، فأمر أن يلقى سنمّار من أعلاه حتّى لا يبنى مثله لأحد. ويقال إنه إنما فعل ذلك به لأنه لما أعجبه، شكره على عمله ووصله، فقال: لو علمت أن الملك يحسن إلىّ هذا الإحسان، لبنيت له بناء يدور مع الشمس كيفما دارت؛ فقال له النعمان: وإنك لتقدر على أن تبنى أفضل منه، ولم تبنه؟ فأمر به؛ فطرح من أعلاه.
وقيل: بل قال: أنا أعرف فيه حجرا متى أخذ من موضعه، تداعى البناء. فخاف النعمان إن هو لم ينصفه في أجرته فعل ذلك، فقتله.
والعرب تضرب المثل بفعل النّعمان مع سنمّار في المكافأة على الفعل الحسن بالقبيح، فيقال: جازاه مجازاة سنمّار.
وفيه يقول بعض الشعراء:
جزانى جزاه الله شرّ جزائهجزاء سنمّار، وما كان ذا ذنب
سوى رفعه البنيان عشرين حجّةيعلّى عليه بالقراميد والسّكب
والخورنق تعريب خورنقاه، وهو الموضع الذى يؤكل فيه ويشرب. والسّدير تعريب سادل أى قبّة في ثلاث قباب متداخلة.
وفي هذه الأبنية يقول الأسود ابن يعفر:
ماذا أؤمّل بعد آل محرّقتركوا منازلهم، وبعد إياد؟
أهل الخورنق والسّدير وبارقوالقصر ذى الشّرفات من سنداد
وقال عدىّ بن زيد العبادىّ:
وتفكّر ربّ الخورنق إذ أشرف يوما، وللهدى تفكير
سرّه ملكه وكثرة ما يحويه والبحر معرضا والسّدير
فارعوى قلبه، فقال: فما غبطة حىّ إلى الممات يصير؟
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع