من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
حرف الميم
قولهم: «ما تنفع الشّفعة في الوادى الرّغب» الشّفعة: المطرة الهيّنة، والرّغب:
الواسع: يضرب للذى يعطيك قليلا لا يقع منك موقعا.
وقولهم: «ما وراءك يا عصام؟» يقال: أوّل من قال ذلك الحارث بن عمرو ملك كندة، وذلك أنه بلغه جمال ابنة عوف بن محلّم فأرسل إليها امرأة ذات عقل ولسان، يقال لها: عصام، وقال: اذهبى لتعلمينى بحالها، فلما انتهت إليها ونظرتها خرجت وهى تقول: «ترك الخداع، من كشف القناع» فذهبت مثلا، ثم عادت اليه، فقال لها: ما وراءك يا عصام؟ فقالت: «صرّح المحض عن الزّبد» فأرسلتها مثلا؛ وساق الميدانىّ على هذا المثل كلاما طويلا قالته عصام في وصف أعضاء المخطوبة.
وقولهم: «ما يوم حليمة بسرّ» هى حليمة بنت الحارث بن أبى شمر، كان أبوها وجّه جيشا إلى المنذر بن ماء السماء فأخرجت لهم طيبا في مركن فطيّبتهم؛ فلما انتهت إلى لبيد بن عمرو وذهبت لتخلّقه، قبّلها، فلطمته وأتت أباها، فقال لها:
ويلك اسكتى عنه، فهو أرجاهم عندى ذكاء فؤاد، وإنى مرسله، فإن قتل فقد كفى الله شرّه؛ فسار إلى المنذر بالجيش، فقتلوا المنذر وكان يوما مشهورا، فقيل فيه:
ما يوم حليمة بسرّ.
وقولهم: «ما أشبه الليلة بالبارحة» أى ما أشبه بعض القوم ببعض.
وقولهم: «مرعى ولا كالسّعدان» قالوا: السّعدان أخثر العشب لبنا، ومنابته السهول: يضرب مثلا للشىء يفضّل على أقرانه وأشكاله؛ وأوّل من قال المثل: خنساء بنت عمرو بن الشريد، وقيل: بل قالته امرأة من طيىء تزوّجها امرؤ القيس بن حجر الكندىّ فقال لها: أين أنا من زوجك الأوّل؟ فقالت:
مرعى ولا كالسّعدان، أى إنك إن كنت رضا فلست كفلان.
وقولهم: «ماء ولا كصدّاء» صدّاء: ركيّة عذبة؛ قال ضرار السعدىّ
وإنى وتهيامى بزينب كالذىتطلّب من أحواض صدّاء مشربا
معناه أنه لا يصل إليها إلا بالمزاحمة لفرط حسنها، كالذى يرد الماء فإنه يزاحم عليه لفرط عذوبته.
وقولهم: «محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا» هو سالم بن دارة الغطفانىّ، ودارة: أمّه، وكان قد هجا بعض بنى فزارة فاغتاله زميل فقتله، ففيه يقول الكميت
فلا تكثروا فيه الضّجاج فإنهمحا السيف ما قال ابن دارة أجمعا
وقولهم: «ملكت فأسجح» الإسجاح: حسن العفو، أى ملكت الأمر فأحسن العفو؛ وقد تمثّل به رسول الله ﷺ في بعض غزواته؛ ونذكر الخبر فى ذلك في المغازى.
وقولهم: «من ينكح الحسناء يعط مهرها» أى من طلب حاجة بذل ماله فيها.
وقولهم: «من سرّه بنوه ساءته نفسه» قاله ضرار بن عمرو الضبىّ: وكان ولده ثلاثة عشر رجلا، كلّهم قد غزا ورأس، فرآهم يوما وأولادهم، فعلم أنهم لم يبلغوا هذه الأسنان إلا مع كبر سنّه، فقال: من سرّه بنوه ساءته نفسه، فأرسلها مثلا.
وقولهم: «من أشبه أباه فما ظلم» معناه ظاهر.
وقولهم: «من ير يوما يربه» قاله كلحب بن شؤبوب الأسدىّ، وكان يغير على طيىء وحده، فدعا حارثة بن لأم رجلا من قومه يقال له: عترم، فقال له: أما تستطيع أن تكفينى مؤونة هذا الخبيث؟ فقال: بلى، فأرسل عشرة عيون عليه، فعلموا مكانه فانطلق إليه عترم فوجده نائما في ظلّ أراكة فنزل ومعه آخر فأخذ كلّ واحد منهما بإحدى يديه فانتبه فنزع يده اليمنى من ممسكها وقبض على حق الآخر فقتله وبادر الباقون فأخذوه وشدّوه وثاقا وأتوا به حارثة، فقال له: يا كحب، إن كنت أسيرا فطالما أسرت، فقال: من ير يوما ير به، فأرسلها مثلا، وقال حوذة وهو ابن المقتول لحارثة: أعطينه أقتله بأبى، فقال: دونكه! وجعلوا يتكلّمون وهو يعالج كتافه حتى انحلّ، ثم وثب على رجليه فاتبعوه بالخيل فأعجزهم.
وقولهم: «من سلك الجدد أمن العثار» الجدد: الأرض المستوية: يضرب فى طلب العافية.
وقولهم: «من يشترى سيفى وهذا أثره؟» قاله الحارث بن ظالم، وذلك انه لما قتل خالد بن جعفر بن كلاب بزهير بن جذيمة العبسىّ على ما نذكره إن شاء الله فى وقائع العرب وهرب، فوجّه النعمان فوارس في طلبه فأدركوه سحرا فعطف عليهم وقتل منهم جماعة وكرّوا عليه فجعل لا يقصد لجماعة إلا فرّقها وهو يقول: من يشترى سيفى وهذا أثره، فارتدعوا عنه وانصرفوا إلى النعمان.
وقولهم: «من مال جعد وجعد غير محمود» قاله جعد بن الحصين أبو صخر ابن جعد الشاعر، وكان قد كبر فتفرّق عنه بنوه وأهله، وبقيت له جارية سوداء تخدمه، فعلقت بفتى من الحىّ يقال له: عرابة، فجعلت تنقل إليه ما في بيت جعد، ففطن جعد لذلك، فقال في ذلك
أبلغ لديك بنى عمرو مغلغلةعمرا وعوفا وما قولى بمردود
بأنّ بيتى أمسى فوق داهيةسوداء قد وعدتنى شرّ موعود
تعطى عرابة بالكفّين مجتنحامن الخلوق وتعطينى على العود
أمسى عرابة ذا مال يسرّ بهمن مال جعد، وجعد غير محمود
يضرب للرجل يصاب من ماله ويذمّ.
وقولهم: «من مأمنه يؤتى الحذر» قاله أكثم بن صيفىّ.
وقولهم: «من يمش يرض بما ركب»: يضرب للذى يضطرّ إلى ما كان يرغب عنه.
وقولهم: «من يلق أبطال الرجال يكلم» قاله عقيل بن علقمة المرّى، وقد رماه عملّس ابنه بسهم فحلّ فخذيه، فقال أبياتا منها
إنّ بنىّ زمّلونى بالدمشنشنة أعرفها من أخزم
من يلق أبطال الرجال يكلم
وقولهم: «من لا يذد عن حوضه يهدّم» أى من لم يدفع عن نفسه يظلم، قاله زهير بن أبى سلمى.
وقولهم: «مكره أخوك لا بطل» قاله أبو حنش خال بيهس: يضرب لمن يحمل على ما ليس من شأنه.
وقولهم: «من نام لا يشعر بشجو الأرق»: يضرب لمن غفل عما يعانيه صاحبه من المشقّة.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع