تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما قيل فى العقوبة والانتقام

ومن الناس من يرجّح عقوبة المذنب على ذنبه، ومقابلة المسىء بما يستحقّه من نكاله وضربه؛ ورأى أن العفو عن المجرم موجب لتكراره، والإحسان إلى المسىء مقتض لإصراره؛ وقال: إنّ طباع اللؤم التى حملته على ذلك لا ترتدع بالإحسان، ومرارة الذنب التى استحلاها لا تغيّرها حلاوة الغفران. وأخذ فى ذلك بالكتاب والحديث، وقابل على الذنب القديم بالعذاب الحديث؛ قال الله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ

. وقال تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ

. وقد أمر رسول الله ﷺ بقتل أبى عزّة، لما كان يتعرّض له من أذى رسول الله ﷺ، وصلب عقبة بن أبى معيط يوم بدر إلى شجرة؛ فقال: يا رسول الله، أنا من بين قريش! قال: «نعم»؛ قال: فمن للصبية؟ قال: «النار». وقيل: إنه أوّل مصلوب صلب فى الإسلام. وكان النّضر بن الحارث بن كلدة شديد العداوة لرسول الله ﷺ، فأخذ أسيرا يوم بدر، فأمر النبىّ ﷺ بقتله، فقتل صبرا بيد علىّ بن أبى طالب.

وقال علىّ رضى الله عنه: الخير بالخير والبادئ أفضل، والشرّ بالشرّ والبادئ أظلم.

وقال: «ردّ الحجر من حيث جاءك» فالشرّ لا يدفع إلا بالشرّ؛ وأنشد:

لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنّنىإلى الجهل فى بعض الأحايين أحوج
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
ولى فرس للخير بالخير ملجمولى فرس للشرّ بالشرّ مسرج
فمن رام تقويمى فإنّى مقوّمومن رام تعويجى فإنّى معوّج
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «فيا سائلي عن مذهبي إن مذهبي»

وقال الجاحظ: من قابل الإساءة بالإحسان فقد خالف الله فى تدبيره، وظنّ أن رحمة الله دون رحمته، فإنّ الله تعالى يقول: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ

وقال:

وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها

، وقال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ

. وقال أكثم بن صيفىّ: من تعمّد الذنب فلا ترحمه دون العقوبة، فإنّ الأدب رفق، والرفق يمن. قال أبو الطيّب المتنبّى:

من الحلم أن تستعمل الجهل دونهإذا اتّسعت فى الحلم طرق المظالم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم»

وقالوا: تواضع للمحسن إليك وإن كان عبدا حبشيّا، وانتصف ممن أساء إليك وإن كان حرّا قرشيّا.

وقال الشعبىّ: يعجبنى الرجل إذا سيم هوانا دعته الأنفة إلى المكافأة، وجزاء سيّئة سيّئة مثلها. ورفع كلامه إلى الحجّاج بن يوسف الثقفىّ فقال: لله درّه! أىّ رجل بين جنبيه! وتمثّل بقول الشاعر:

ولا خير فى عرض امرئ لا يصونهولا خير فى حلم امرئ ذلّ جانبه

وقال رجل لابن سيرين: إنّى وقعت فيك فاجعلنى فى حلّ؛ قال: ما أحبّ أن أحلّ لك ما حرّم الله عليك. وقالوا: من ترك العقوبة أغرى بالذنب، ولولا السيف كثر الحيف. قال الشاعر:

إذا المرء أولاك الهوان فأولههوانا وإن كانت قريبا أواصره
للشاعر المغيرة بن حبناء، اقرأ القصيدة
وإن أنت لم تقدر على أن تهينهفدعه إلى اليوم الذى أنت قادره
وقارب إذا ما لم تكن لك حيلةوصمّم إذا أيقنت أنّك عاقره

وقيل: استؤمر عبد الله بن طاهر بن الحسين فى رجلين كانا فى السجن، أحدهما ضعيف والآخر عليل، فوقّع: الضعيف يقوى والعليل يبرأ، فإن يكن

فى الحبس ممن يؤمن شرّه غيرهما فليفرج عنه ودعهما فى موضعهما، فإنه من أطلق مثلهما على الناس فهو شرّ منهما وشريكهما فى فعلهما.

وكتب رجل إلى المأمون- وكان قد طال حبسه-: أغفلت يا أمير المؤمنين أمرى، وتناسيت ذكرى، ولم تتأمّل حجّتى وعذرى، وقد ملّ من صبرى الصبر، ومسّنى فى حبسك الضّرّ. فأجابه المأمون: ركوبك مطية الجهل، صيّرك أهلا للقتل، وبغيك علىّ وعلى نفسك نقلك من سعة الدنيا إلى قبر من قبور الأحياء، ومن جهل الشكر على المنن قلّ صبره على المحن، فاصبر على عواقب هفواتك وموبقات زلّاتك، على قدر صبرك على كثير جناياتك؛ فإن حصل فى نفسك كفّ عن معصيتى، وعزم على طاعتى، وندم على مخالفتى، فلن تعدم مع ذلك جميلا من بيتى والسلام.

وقيل لأعرابىّ: أيسرّك أن تدخل الجنّة ولا تسيىء إلى من أساء إليك؟ قال:

بل يسرّنى أن أدرك الثار وأدخل النار. قال البحترىّ:

تذمّ الفتاة الرّؤد شيمة بعلهاإذا بات دون الثأر وهو ضجيعها
للشاعر البحتري، من قصيدة «منى النفس في أسماء لو تستطيعها»

ويقال: إنما هو مالك وسيفك، فازرع بملك من شكرك، واحصد بسيفك من كفرك. قال الشاعر:

قطّ العدا قطّ اليراعة وانتهزبظبا السيوف سوائم الأضغان
إنّ البيادق إن توسّع خطوهاأخذت إليك مآخذ الفرزان

وقالوا: العفو يفسد من اللئيم، بقدر ما يصلح من الكريم. وقال معاوية ابن يزيد بن معاوية لأبيه: هل ذممت عاقبة حلم قطّ؟ قال: ما حلمت عن لئيم وإن كان وليّا إلا أعقبنى ندما على ما فعلت. قال بعض الشعراء:

متى تضع الكرامة من لئيمفإنّك قد أسأت إلى الكرامه

وقالوا: جنّب كرامتك اللئام، فإنك إن أحسنت إليهم لم يشكروا، وإن أساءوا لم يشعروا.

ومن رسالة لأبى إسحاق الصابى فى حقّ من نزع يده من الطاعة:

وكان الذى أثمره الجهاد، ودلّ عليه الارتياد؛ اليأس من صلاح هذه الطوائف الناشئة على اعتياد المعاصى والاستئناس بالدواهى، والثقة بأنّ أودها لا يتقوّم، وزيغها لا يتسدّد، وخلائقها لا تنصرف عمّا ضربت العادة عليه بسياجها، واستمرّت به على اعوجاجها، إذ كانت العادة طبيعة ثانية، وسجيّة لازمة؛ كذلك زعمت الحكماء، وبرهنت عليه العلماء. قال بعض الشعراء:

ما كلّ يوم ينال المرء ما طلباولا يسوّغه المقدار ما وهبا
للشاعر أبو أذينه، من قصيدة «ما كل يوم ينال المرء ما طلبا»
وأنصف الناس فى كلّ المواطن منسقى الأعادى بالكأس التى شربا
للشاعر أبو أذينه، من قصيدة «ما كل يوم ينال المرء ما طلبا»
وليس يظلمهم من بات يضربهم[بحدّ] سيف به من قبلهم ضربا
فالعفو إلّا عن الأعداء مكرمةمن قال غير الذى قد قلته كذبا
قتلت عمرا وتستبقى يزيد لقدرأيت رأيا يجرّ الويل والحربا
للشاعر أبو أذينه، من قصيدة «ما كل يوم ينال المرء ما طلبا»
لا تقطعن ذنب الأفعى وتتركهاإن كنت شهما فأتبع رأسها الذنبا
هم جرّدوا السيف فاجعلهم به جزراهم أوقدوا النار فاجعلهم لها حطبا

ومنها:

لا عفو عن مثلهم فى مثل ما طلبوالكنّ ذلك كان الهلك والعطبا
علام تقبل منهم فدية وهملا فضّة قبلوا منّا ولا ذهبا
للشاعر أبو أذينه، من قصيدة «ما كل يوم ينال المرء ما طلبا»

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.