من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ما قيل فيمن يعتمد على مشورته وبديهته، ويعتضد بفكرته ورويته
قال بعض الحكماء: عليك بمشورة من حلب أشطر دهره، ومرّت عليه ضروب خيره وشرّه؛ وبلغ من العمر أشدّه، وأورت التجربة زنده. وقيل: استشار زياد رجلا؛ فقال الرجل: حقّ المستشار أن يكون ذا عقل وافر، واختبار متظاهر، ولا أرانى كذلك. قال إبراهيم بن العبّاس:
يمضى الأمور على بديهتهوتريه فكرته عواقبها
فيظلّ يصدرها ويوردهافيعمّ حاضرها وغائبها
وإذا الحروب علت بعثت لهارأيا تفلّ به كتائبها
رأيا إذا نبت السيوف مضىقدما بها فسقى مضاربها
وقال آخر:
ألمعىّ يرى بأوّل رأىآخر الأمر من وراء المغيب
لا يروّى ولا يقلّب كفّاوأكفّ الرجال فى تقليب
وقال آخر.
الألمعىّ الذى يظنّ بك الظّنّ كأن قد رأى وقد سمعا
وكانت العرب تحمد آراء الشيوخ لتقدّمها فى السن، ولأنها لا تتبع حسناتها بالأذى والمنّ، ولما مرّ عليها من التجارب التى عرفت بها عواقب الأمور، حتى
كأنّها تنظرها عيانا، وطرأ عليها من الحوادث التى أوضحت لها طريق الصواب وبيّنته تبيانا؛ ولما منحته من أصالة رأيها، واستفادته بجميل سعيها. ولذلك قال علىّ ابن أبى طالب رضى الله عنه: رأى الشيخ خير من مشهد الغلام.
ومن أمثالهم «زاحم بعود أودع». قال بعض الشعراء:
لئن فقدوا الشباب فربّ عقلأفادوه على مرّ الليالى
خبت نار الذكاء فأجّجوهابآراء أحدّ من النّصال
وقد عدل قوم عن ذلك، وسلكوا فى خلافه أوضح الطّرق وأنهج المسالك؛ وقالوا:
بل رأى الشباب هو الرأى الصائب، وفهمهم الفهم الثاقب؛ ونجم سعدهم الطالع، وسحاب جدّهم الهامع؛ وإن لهم من الفطنة أوفر نصيب، وإنّ سهم رأيهم الرائش المصيب؛ وإن عقولهم سليمة من العوارض، وأذهانهم آخذة بحظ وافر من الغوامض.
ولذلك قالت الحكماء: عليكم بآراء الأحداث ومشورة الشبّان، فإن لهم أذهانا تفلّ القواصل، وتحطّم الذوابل.
وقالوا: آراء الشّباب خضرة نضرة لم يهتصر غصنها هرم، ولا أذوى زهرتها قدم، ولا خبا من ذكائها بطول المدّة ضرم. قال شاعر:
عليكم بآراء الشّباب فإنّهانتائج ما لم يبله قدم العهد
فروع ذكاء تستمدّ من النّهىبأنور فى اللّأواء من قمر السعد
وقال آخر:
رأيت العقل لم يكن انتهاباولم يقسم على عدد السّنينا
ولو أنّ السنين تقسّمتهحوى الآباء أنصبة البنينا
وقال آخر:
أدركت ما فات الكهول من الحجافى عنفوان شبابك المستقبل
فإذا أمرت فلا يقال لك: اتّئدوإذا قضيت فلا يقال لك: اعدل
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع