من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر الفرق بين نظر ولاة المظالم ونظر القضاة
قال الماوردىّ: والفرق بين نظر المظالم ونظر القضاة من عشرة أوجه:
أحدها- أنّ لناظر المظالم من فضل الهيبة وقوّة اليد ما ليس للقضاة بكف الخصوم عن التجاحد ومنع الظّلمة من التغالب والتجاذب.
والثانى- أنّ نظر المظالم يخرج من ضيق الوجوب الى سعة الجواز، فيكون الناظر فيه أفسح مجالا وأوسع مقالا.
والثالث- أنّه يستعمل من فضل الإرهاب وكشف الأسباب، بالآثار الدالّة أو شواهد الحال اللّائحة ما يضيق على الحكّام، فيصل به الى ظهور الحقّ، ومعرفة المبطل من المحقّ.
والرابع- أنه يقابل من ظهر ظلمه بالتأديب، ويأخذ من بان عدوانه بالتقويم والتهذيب.
والخامس- أنّ له من التأنّى فى ترداد الخصوم عند اشتباه أمورهم واستبهام حقوقهم، ليمعن فى الكشف عن أسبابهم وأحوالهم، ما ليس للحكّام، اذا سألهم أحد الخصمين فصل الحكم، فلا يسوغ أن يؤخّره الحاكم، ويسوغ أن يؤخّره متولّى المظالم.
والسادس- أنّ له ردّ الخصوم اذا أعضلوا الى وساطة الأمناء، ليفصلوا التنازع بينهم صلحا عن تراض، وليس للقاضى ذلك إلا عن رضا الخصمين بالرّدّ.
والسابع- أنه يفسح فى ملازمة الخصمين اذا وضحت أمارات التجاحد، ويأذن فى إلزام الكفالة فيما يسوغ فيه التكفيل، لتنقاد الخصوم الى التناصف ويعدلوا عن التجاحد والتكاذب.
والثامن- أنه يسمع من شهادات المستورين ما يخرج عن عرف القضاة فى شهادة المعدّلين.
والتاسع- أنه يجوز له إحلاف الشهود عند ارتيابه بهم اذا بذلوا أيمانهم طوعا، ويستكثر من عددهم، لتزول عنه الشّبهة وينتفى الارتياب، وليس ذلك للحاكم.
والعاشر- أنه يجوز له أن يبتدئ باستدعاء الشهود ويسألهم عما عندهم فى تنازع الخصوم؛ وعادة القضاة تكليف المدّعى إحضار بيّنة ولا يسمعونها إلا بعد مسألته.
فهذه عشرة أوجه يقع بها الفرق بين نظر المظالم ونظر القضاء فى التشاجر والتنازع؛ وهما فيما عداهما متساويان.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع