من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر من نظر فى المظالم فى الجاهليّة والإسلام
والنظر فى المظالم قديم، كان الفرس يرون ذلك من قواعد الملك وقوانين العدل الذى لا يعمّ الصّلاح إلا بمراعاته، ولا يتمّ التناصف إلا بمباشرته؛ وكانوا ينتصبون لذلك بأنفسهم فى أيّام معلومة لا يمنع عنهم من يقصدهم فيها من ذوى الحاجات وأرباب الضرورات.
وسبب تمسكهم بذلك أنّ أصل قيام دولتهم ردّ المظالم. وذلك أن كيومرث أوّل ملوكهم- وقيل: إنه أوّل ملك ملّك من بنى آدم- كان سبب ملكه أنه لمّا كثر البغى فى الناس وأكل القوىّ الضعيف وفشا الظلم بينهم، اجتمع أكابرهم ورأوا أنه لا يقيم أمرهم إلا ملك يرجعون إليه، وملّكوه؛ على ما نورده- إن شاء الله- فى [فنّ] التاريخ فى أخبار ملوك الفرس.
وكانت قريش فى الجاهلية، حين كثر فيهم الزعماء وانتشرت الرياسات وشاهدوا من التّغالب والتجاذب ما لم يكفّهم عنه سلطان قاهر، عقدوا بينهم حلفا على ردّ المظالم، وإنصاف المظلوم من الظالم. وكان سبب ذلك أنّ رجلا من اليمن من بنى زبيد قدم مكة معتمرا ومعه بضاعة، فاشتراها منه رجل من بنى سهم، قيل: إنه العاص بن وائل، فلواه بحقّه؛ فسأله ماله أو متاعه، فامتنع عليه؛ فقام على الحجر وأنشد بأعلى صوته:
يال قصىّ لمظلوم بضاعتهببطن مكة نائى الدار والنّفر
وأشعث محرم لم تقض حرمتهبين المقام وبين الحجر والحجر
أقائم من بنى سهم بذمّتهمأو ذاهب فى ضلال مال معتمر
وأن قيس بن شيبة السلمى باع متاعا من أبىّ بن خلف فلواه وذهب بحقه، فاستجار برجل من بنى جمح فلم يجره؛ فقال قيس:
يال قصىّ كيف هذا فى الحرموحرمة البيت وأخلاق الكرم
أظلم لا يمنع منّى من ظلم
فأجابه العبّاس بن مرداس:
إن كان جارك لم تنفعك ذمّتهوقد شربت بكأس الذّلّ أنفاسا
فأت البيوت وكن من أهلها صددالا تلق ناديهم فحشا ولا باسا
وثمّ كن بفناء البيت معتصماتلق ابن حرب وتلق المرء عبّاسا
قرمى قريش وحلّا فى ذوائبهابالمجد والحزم ما عاشا وما ساسا
ساقى الحجيج، وهذا ياسر فلجوالمجد يورث أخماسا وأسداسا
فقام العبّاس وأبو سفيان حتى ردّا عليه ماله. واجتمعت بطون قريش فتحالفوا فى بيت عبد الله بن جدعان على ردّ المظالم بمكة، وألّا يظلم أحد إلا منعوه وأخذوا للمظلوم بحقه، وكان رسول الله ﷺ يومئذ معهم قبل النبوّة وهو ابن خمس وعشرين سنة، فعقدوا حلف الفضول؛
فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ذاكرا للحال: «لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلف الفضول أما لو دعيت اليه [فى الإسلام] لأجبت وما أحبّ أنّ لى به حمر النّعم وأنّى نقضته وما يزيده الإسلام إلا شدّة»
. وقال بعض قريش فى هذا الحلف:
تيم بن مرة إن سألت وهاشموزهرة الخير فى دار ابن جدعان
متحالفين على النّدى ما غرّدتورقاء فى فنن من الأفنان
فهذا كان أصل ذلك وسببه فى الجاهلية.
وأمّا فى الإسلام-
فقد نظر رسول الله ﷺ فى المظالم فى الشّرب الذى تنازعه الزّبير بن العوّام ورجل من الأنصار فى شراج الحرّة فحضره رسول الله ﷺ بنفسه، وقال: «اسق يا زبير ثم أرسل الى جارك»، فقال له الأنصارىّ: أن كان ابن عمتك! فتلوّن وجه رسول الله ﷺ، ثم قال:
«اسق ثم احتبس حتى يرجع الماء الى الجدر»
، فقال الزّبير: والله إنّ هذه الآية
أنزلت فى ذلك (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ)
. وقد قيل فى هذا الحديث إنّ رسول الله ﷺ ندب الزبير أوّلا الى الاقتصار على بعض حقّه على طريق التوسّط والصّلح، فلمّا لم يرض الأنصارىّ بذلك وقال ما قال، استوفى النبىّ ﷺ للزبير حقّه. ويصحّح هذا القول ما جاء فى آخر الحديث:
«فاستوعى له حقّه» يعنى للزبير.
ثم لم ينتدب للمظالم من الخلفاء الأربعة رضى الله عنهم أحد، وإنما كانت المنازعات تجرى بين الناس فيفصلها حكم القضاء. فإن تجوّز من جفاة الأعراب متجوّز، ثناه الوعظ إن تدبّره، وقاده العنف إن أبى وامتنع، فاقتصروا على حكم القضاء، لانقياد الناس اليه والتزامهم بأحكامه. ثم انتشر الأمر بعد ذلك وتجاهر الناس بالظلم والتغالب، ولم يكفّهم زواجر المواعظ، فاحتاجوا فى ردع المتغلّبين وإنصاف المظلومين من الظالمين الى النظر فى المظالم؛ فكان أوّل من انفرد للمظالم وجعل لها يوما مخصوصا يجلس فيه للناس وينظر فى قصصهم ويتأمّلها عبد الملك ابن مروان، فكان اذا وقف فيها على مشكل ردّه الى قاضيه أبى إدريس الأودىّ فنفّذ فيها أحكامه، فكان عبد الملك هو الآمر وأبو إدريس هو المباشر. ثم زاد جور الولاة وظلم العتاة واغتصاب الأموال فى دولة بنى أميّة، الى أن أفضت الخلافة الى عمر بن عبد العزيز- ﵀ فانتصب بنفسه للنظر فى المظالم، وراعى السنن العادلة، وردّ مظالم بنى أميّة على أهلها؛ فقيل له- وقد شدّد عليهم فيها وأغلظ-: إنا نخاف عليك، من ردّها، العواقب؛ فقال: كل ما أتقّيه وأخافه دون
يوم القيامة لا وقيته. ثم جلس لها جماعة من خلفاء الدولة العبّاسيّة، فكان أوّل من جلس منهم المهدىّ، ثم الهادى، ثم الرشيد، ثم المأمون؛ وآخر من جلس لها منهم المهتدى. ثم انتصب لذلك جماعة من ملوك الإسلام أرباب الدول المشهورة بأنفسهم وأقاموا لها نوّابا، ومنهم من بنى لها مكانا مخصوصا بها سمّاه «دار العدل» على ما نورد ذلك- إن شاء الله- فى فنّ التاريخ.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع