من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر شىء مما ورد من التزهيد فى تقلد القضاء والترغيب عنه
قد ورد فى تقلّد القضاء أحاديث وآثار تزهّد فيه، بل تكاد توجب الفرار منه:
من ذلك ما
روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من ولى القضاء فقد ذبح بغير سكّين»
؛ وعنه ﷺ: «ما من أحد حكم بين الناس إلّا جىء به يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يقف به على شفير جهنّم فإن أمر به
هوى به فى النار سبعين خريفا»
. وعن أبى ذرّ قال: قال لى رسول الله ﷺ ستّة أيام: «اعقل أبا ذرّ ما أقول لك» فلما كان اليوم السابع قال:
«أوصيك بتقوى الله فى سرّ أمرك وعلانيته واذا أسأت فأحسن ولا تسأل أحدا شيئا وإن سقط سوطك ولا تؤمّن أمانة ولا تولّين يتامى ولا تقضين بين اثنين»
. وقال عثمان بن عفّان رضى الله عنه لابن عمر: اذهب فكن قاضيا؛ قال:
أو يعفينى أمير المؤمنين؟ قال: فإنى أعزم عليك؛ قال: لا تعجل علىّ؛ [قال:] هل
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من عاذ بالله فقد عاذ معاذا»
. قال:
نعم، قال: فما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضى؟ قال:
إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كان قاضيا يقضى بجور كان من أهل النار ومن كان قاضيا يقضى بجهل كان من أهل النار ومن كان قاضيا عالما يقضى بالعدل فبالحرى أن ينقلب كفافا»
فما أصنع بهذا!
وقال بعضهم: ذكرنا أمر القضاء عند عائشة رضى الله عنها، فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يجاء بالقاضى العدل يوم القيامة فيلقى من شدّة الحساب ما يتمنّى أنه لم يقض بين اثنين فى تمرة قطّ»
. وقال صعصعة بن صوحان: خطبنا علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه بذى قار وعليه عمامة سوداء فقال: يأيها الناس، إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس من وال ولا قاض إلّا يؤتى به يوم القيامة حتّى يوقف بين يدى الله تعالى على الصراط ثم ينشر الملك
سيرته فيقرؤها على رءوس الأشهاد- الخلائق- فإن كان عادلا نجّاه الله بعدله وإن كان غير ذلك انتفض به الصراط انتفاضة صار بين كلّ عضو من أعضائه مسيرة مائة سنة ثم يتخرّق به الصراط فما يلتقى قعر جهنم إلّا بوجهه وحرّ جبينه»
. وجاء فى الآثار عن الصحابة رضى الله عنهم مثل ذلك.
وفيما ذكرنا مقنع وغنية عن بسط الكلام فيه. فلنذكر ولاية المظالم.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع