تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما قيل فى تركيب القوس، ومبدإ عملها ومن رمى عنها، ومعنى الرمى

أما تركيب القوس- فقد أجمع الرّماة أنها مبنية على طبائع الإنسان الأربع وهى: العظم، ونظيره فى القوس الخشب. واللحم، ونظيره فى القوس القرون.

والعروق والعصب، ونظيرها فى القوس العقب. والدم، ونظيره فى القوس الغراء.

وأما مبدأ عملها ومن رمى بها- اختلف الناس فى القوس ومبدإ عملها ومن رمى عنها، فقال بعض أهل العلم: إن القوس جاء بها جبريل الى آدم عليه السلام

وعلّمه الرمى عنها، وتوارثه ولده الى زمن نوح ﵇. وذكرت الفرس فى كتاب الطبقات الأربع: أنّ أوّل من رمى عنها جمشيد الملك الفارسىّ، وقيل إنه كان فى زمن نوح ﵇، وتوارثه بعده ولده طبقة بعد طبقة. وقال آخرون: إن أوّل من رمى عنها النّمرود، وخبره مشهور فى رميه نحو السماء وعود سهمه اليه وقد غمس من الدم. وسنذكر ذلك ان شاء الله تعالى مبيّنا فى قصة إبراهيم ﵇. ورمى عنها بعد النمرود سامن اليمانى ثم كند بن سامن ثم رستم من المجوس ثم اسفنديار وغيرهم. وقيل إن أوّل من وضعها بهرام جور بن سابور ذى الأكتاف، وهو من الملوك الساسانيّة، وإنه عملها من الحديد والنّحاس والذهب، ولم يكن رآها قبل ذلك، فلم تطاوعه فى المدّ فعملها من القرون والخشب والعقب. وهذا القول مردود على قائله، لأن الفرس الأول لم تزل تفتخر بالرمى فى الحروب والصيد، ولم ينقل أن الرمى انقطع فى دولة ملك منهم. والله تعالى أعلم.

وأما معنى الرمى- ومعنى الرمى عند العرب هو القصد، وذلك أنهم يقولون:

رميت ببصرى الشىء، أى قصدت اليه به؛ قال ابن الرومى:

نظرت فأقصدت الفؤاد بسهمهاثم انثنت عنه فكاد يهيم
ويلاه إن نظرت وإن هى أعرضت!وقع السّهام ونزعهن أليم
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قلبي من الطرفِ السقيم سقيم»

وقال العبّاس بن الأحنف:

قالت ظلوم سميّة الظلممالى رأيتك ناحل الجسم
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «قالت ظلوم سمية الظلم»
يا من رمى قلبى فأقصدهأنت العليم بموضع السهم
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «قالت ظلوم سمية الظلم»

وأما معناه عند العجم، فقد حكى عن بهرام أنه قال: معنى رميت الشىء أى رمته فوصلت اليه. وهو مقارب لمعناه عند العرب، لأنه إنما أراد بما رامه القصد له.

هذا ما قيل فى القوس. فلنذكر ما قيل فى السهم، ثم نذكر بعد ذلك ما قيل فيهما من النظم والنثر.

وأما ما قيل فى السهم-

روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله ﷿ ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة [نفر] الجنة صانعه يحتسب فى صنعته الخير والرامى به والممدّ به»

. وقال ﷺ: «ارموا واركبوا وأن ترموا أحبّ إلىّ من أن تركبوا»

. وعنه ﷺ وقد مرّ على نفر من أسلم ينتضلون فقال: «ارموا بنى إسماعيل فإن أباكم كان راميا وأنا مع بنى فلان»، فأمسك أحد الفريقين بأيديهم؛ فقال رسول الله ﷺ: «ما لكم لا ترمون»؛ فقالوا:

كيف نرمى وأنت معهم! قال: «ارموا وأنا معكم كلّكم»

. وعن حمزة بن أبى أسيد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر حين صففنا لقريش وصفّوا لنا: «اذا أكثبوكم فعليكم بالنّبل». وعنه ﷺ أنه قال: «من تعلّم الرمى ثم تركه فهو نعمة تركها».

ومما يدلّ على تعظيم قدر الرامى ما

روى عن عبد الله بن شدّاد قال: سمعت عليّا يقول: ما رأيت النبى ﷺ يفدّى رجلا بعد سعد، سمعته يقول:

«إرم فداك أبى وأمّى»

. وسعد هذا هو سعد بن مالك. وكلام رسول الله ﷺ له كان فى يوم أحد.

وللسهم أسماء وصفات ونعوت نطقت بها العرب- منها: «أقذّ»، والأقذ: الذى لا ريش عليه. «أهزع» وهو السهم الذى يبقى فى الكنانة وحده لأنه أردأ ما فيها، ويقال هو أجودها وأفضلها؛ ويقال: ما فى جفيره أهزع، قال العجّاج:

لا تك كالرامى بغير أهزعا

وقال آخر:

فأرسل سهما له أهزعافشكّ نواهقه والفما
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

«أفوق» هو المكسور الفوق. «أمرط» هو الذى سقط قذذه. «أغضف » وهو الغليظ [الريش]. «أصمع» وهو الرقيق. «ثجر» وهى سهام غلاظ. «ثلث» وهو سهم من ثلاثة، ومثله ثليث وثمين وسبيع وسديس وخميس. «جبّاع» وهو الذى بغير نصل. «جمّاع» سهم مدوّر الرأس يتعلم به الصبىّ الرمى. «حشر» يقال: سهم حشر، وسهام حشر أى دقاق. «حاب» وهو الذى يزحف فى [الأرض ثم يصيب] الهدف. «حابض» وهو الذى يقع بين يدى راميه. «حظاء» هى سهام صغار، والواحدة: حظوة، وتجمع على حظوات، وتصغيرها: حظيّات. «حسبان» سهام

صغار يرمى بها عن القسىّ الفارسيّة، والواحدة حسبانة. «خازق» وهو السهم الذى يصيب القرطاس. «خشيب» وهو حين يبرى البرى الأوّل. «خلط» وهو السهم الذى ينبت عوده على عوج فلا يزال يتعوّج وإن قوّم. «دالف» وهو الذى يصيب ما دون الغرض ثم ينبو عن موضعه، والجمع دلّف. «دابر» وهو الذى يخرج من الهدف. «رقميّات» سهام تنسب الى موضع بالمدينة. «زالج» وهو الذى يتزلّج من القوس أى يسرع، وكلّ سريع زالج. «زاحف» وهو الذى يقع دون الغرض ثم يزحف اليه. «زمخر» وهو النّشّاب واحدته زمخرة، ويقال: هو الطويل منه.

«سهم سندرىّ» نوع من السهام منسوب الى السّندرة وهى شجرة. «سروة» سهم صغير، والجمع سراء. «شارف» سهم طويل دقيق، وقيل الذى طال عهده.

«شاخص» أى جاز الغرض من أعلاه. «شارم» وهو الذى يشرم جانب الغرض.

«صادر» هو النافذ. «صنيع». «عبر» هو الموفور الريش. «عموج» هو الذى يتلوّى فى ذهابه وهو الاعوجاج فى السير. «عصل» السهام المعوجّة. «عفر ».

«عائر» وهو السهم الذى لا يدرى من أين أقبل. «غرب» يقال: سهم غرب، وهو الذى يأتى ولا يعلم المصاب به من أين يأتى. «فالج» هو السهم الفائز. «قطع» هو السهم العريض. «قدح» قبل أن يراش ويركّب نصله. «قطبة» سهم صغير يرمى به. «قطيع» قبل أن يبرى حين يكون قضيبا، والجمع قطع. «قترة» سهم صغير لا حديد فيه. «كتّاب» سهم صغير مدوّر الرأس مثل «جمّاح». «كثّاب» سهم صغير؛ قال الشاعر:

رمت عن كثب قلبىولم ترم بكثّاب

«لأم» وهو السهم. «معبر» وهو السهم الموفور الريش. «منزع» هو السهم مطلقا، ويقال: المنزع: الذى يرمى أبعد ما يكون؛ قال الأعشى:

فهو كالمنزع المريش من الشّوحط غالت به يمين المغالى

«مريش» ذو الريش. «مخلّق» هو المصلح. «مصراد» هو النافذ. «مقتعل» هو الذى لم يبر بريا جيّدا؛ قال لبيد:

فرميت القوم رشقا صائباليس بالعصل ولا بالمقتعل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

«مطحر» هو البعيد الذّهاب؛ قال أبو ذؤيب:

فرمى فألحق صاعديّا مطحرابالكشح فاشتملت عليه الأضلع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»

«مرماة» سهم صغير. «منجاب» هو الذى لا ريش عليه ولا نصل. «مغلق» اسم لكل سهم. «مرّيخ» سهم طويل له أربع قدذ. «منجوف» هو السهم العريض.

«مراط » التى تمرّط ريشها. «مقزّع» الذى ريش بريش صغار. «مرتدع» الذى اذا أصاب الهدف انفضخ عوده. «معراض» ذو ريش يمشى عرضا، وقيل سهم طويل له أربع قذذ دقاق فاذا رمى به اعترض. «متصمّع» هو المنضمّ الريش من الدم، وقيل الملطّخ بالدم. «مشقص» سهم له نصل عريض. «معقص» الذى ينكسر نصله ويبقى سنخه فى السهم. «نكس» هو الذى انكسر فوقه فجعل أسفله أعلاه. «نواقر» هى السهام التى تصيب. «نشّاب». «نجيف» هو العريض النصل، والجمع نجف؛ قال الهذلىّ:

نجف بذلت لها خوافى ناهضحشر القوادم كاللّفاع الأطحل

«هزاع» هو الذى يبقى فى الكنانة وحده مثل الأهزع.

وأما أسماء النصل- فمنها: «رهب» وهو النصل الرقيق، والجمع رهاب.

«رهيش» مثله. «قطع» هو النصل العريض، وجمعه أقطاع، وقيل: نصل صغير، وقيل: السهم القصير. «قطبة» نصل الهدف. «مرماة» هو النصل المدوّر.

«معبلة» نصل طويل عريض، وقيل حديدة مصفّحة لا عير لها. «نضىّ» هو نصل السهم. «وقيع» هو النصل المحدّد؛ قال عنترة:

وآخر منهم أجررت رمحىوفى البجلىّ معبلة وقيع
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «خذوا ما أسأرت منها قداحي»

فهذه أسماء السهم والنصل.

واذا أصاب السهم يقال- «ارتزّ السهم» اذا ثبت فى القرطاس «أصاب».

«أقصد» اذا قتل مكانه؛ قال الأخطل:

فإن كنت قد أقصدتنى إذ رميتنىبسهميك فالرامى يصيب ولا يدرى

«بصّر» اذا طلى رأسه بالبصيرة وهى الدم. «تاز» يقال: تاز السهم اذا أصاب الرميّة فاهتزّ فيها. «خزق» اذا أصاب. «خسق» مثله. «خصل» اذا وقع بلزق القرطاس، وقيل: [الخصل] الإصابة؛ ويقال: تخاصل القوم اذا تراهنوا فى الرمى، وأحرز فلان خصل فلان اذا غلب. «دبر» اذا خرج عن الهدف. «زهق» اذا جاوز الهدف. «شظف» اذا دخل بين الجلد واللحم. «صرد» يقال: صرد السهم

من الرميّة اذا نفذ منها. «صاف» مثل «ضاف» [و] «طاش» اذا لم يصب.

«عصّل» اذا التوى فى الرمى. «عظعظ » اذا لم يقصد الرميّة. «قحز» اذا وقع بين يدى الرامى. «مرق» اذا نفذ من الرميّة. «نصل» اذا ثبت نصله فى الشىء فلم يخرج. «نضا» بمعنى ذهب. «نفذ» أى من الرميّة.

وأما ما يضاف الى الرامى- يقال: «أذلق» عبارة عن سرعة الرمى.

«أشخص» اذا مرّ سهمه برأس الغرض. «انتضل» يقال: انتضل القوم وتناضلوا اذا تراموا للسّبق. «تيمّم» اذا قصد نحو جهة بالسهم. «تنعير» اذا أدار السهم على ظفره ليعرف قوامه من عوجه. «تنفيز» مثله. «رمى» معروف. «رشق» اذا رمى القوم بأجمعهم فى جهة واحدة. «زلخ» الزّلخ رفع اليد فى السهم الى أقصى ما يقدر عليه. «سعر» اذا رمى. «عقّى » بالسهم اذا رمى به فى الهواء وارتفع فى طيرانه.

«غلا» اذا رمى أقصى الغاية. «لعط» اذا رمى فأصاب. «لتأ» يقال: لتأ بالسهم اذا رمى به. «ناشب» والناشب هو الرامى. «ندب» اذا رمى فى جهة واحدة.

«نجف» اذا برى السهم.

وأما أوعية السهام- «جعبة» وجمعها جعاب. «جفير» وهو أوسع من «الكنانة». «ظفرة » اذا كانت ممتلئة. «عيبة» مثل جعبة. «قرن». «نثل» يقال:

نثلت كنانتى اذا استخرجت ما فيها.

وأما ما وصف به القوس والسهم من النظم والنثر- قال عتّاب بن ورقاء

وحطّ عن منكبه شريانةمما اصطفى بارى القسىّ وانتقى
أمّ بنات عدّها صانعهاستّين فى كتابه مما برى
ذات رءوس كالمصابيح لهاأسافل مثل عراقيب القطا
إن حرّكت حنّت الى أولادهاكحنّة الواله من فقد الطّلا
حتى اذا ما قرنت ببعضهالانت ومال طرفاها وانثنى

وقالوا: أجود ما شبّه به فوق السهم قول الشاعر:

أفواقها حشو الجفير كأنهاأفواه أفرخة من النّغران

ومن إنشاء المولى القاضى شهاب الدين محمود الحلبىّ الكاتب: خطبة عملها لرامى نشّاب، وهى:

الحمد لله الذى جعل سهم الجهاد الى مقاتل أعداء دينه مسدّدا، وحكم الجلاد بإصابة الغرض فى سبيله مؤيّدا، وسيف الاجتهاد فى نكاية من كفر به وبرسوله على الأمد مجرّدا، وركن الإيمان بإعداد القوّة- وهى الرمى فيما ورد عن نبيّه- على كرّ الجديدين مجدّدا؛ الذى أعاد رداء الجهاد فى مواطن الصّبر بالنصر معلما، وأباد أهل الإلحاد بأن جعل لحماة دينه فى أرواحهم أقساما وفى مقاتلهم أسهما، وأزال بأيدى القسىّ من معاقل أهل الكفر حكم كماتهم الذين ارتقوا منها خشية الموت سلّما، وأفاء على الإسلام من النصر ما فاء به كلّ دين له خاضعا وآل اليه مستسلما، وأبان حكم الأدب فى تجرّد العبد من القوّة إلا به بقوله عز من قائل:

وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى

. نحمده على نعمه التى لم يزل بها قدح الدين فائزا وسهمه مصيبا، ومننه التى ما برح بها جدّ الكفر مدبرا فلا يجد له فى إصابة نصل أو نصر نصيبا، وآلائه التى لا تنفكّ بها سوام السّهام ترد من وريد الشرك منهلا عذبا وترود من حبّ القلوب مرعى خصيبا؛ ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تدنى النصر وإن بعد مداه، وتدمى النّصل الذى على راميه إرساله الى المقاتل وعلى الله هداه، وتسمى القدر لمن ناضل عليها فيفوز فى الدنيا والآخرة بما قدّمت يداه؛ ونشهد أن محمدا عبده الذى نصر بالرّعب على من كفر، ورسوله الذى رمى جيش الشّرك بقبضة من تراب فكان فيها الظّفر، ونبيّه الذى نفر الى أهل بدر بنفر من أصحابه فجمع الله النصر والفخر لأولئك النّفر؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين آمنوا بما أنزل عليه وجاهدوا بين يديه، واختصّوا بالذبّ عنه بمزايا القرب حتى سعد سعد بما جمع له، حين أمره بالرمى، فى التفدية بين أبويه، وخصّ بعموم الرّضوان عمّه العبّاس الذى أقرّ الله بإسلامه ناظريه، وبشّره رسول الله ﷺ باستخلاف بنيه فى الأرض فيما أسرّ به اليه.

وبعد، فإنّ الرّمى أفضل ما أعدّ للعدا، وأكمل ما أفيض به على أهل الكفر رداء الرّدى؛ وأبلغ ما يبعث الى المقاتل من رسل المنون، وأنفع ما يقتضى به فى الوغى من أعداء الدّين الدّيون، وأسرع ما تبلّغ به المقاصد فيما يرى قريبا وهو أبعد ما يكون؛ وأنكى ما تقذف به عن الأهلّة شهب الحتوف، وأسبق ما تدرك به الأغراض قبل

أن تعرف بها الرماح أو تشعر بمكانها السيوف؛ ما طلع فى سماء النّقع قوسه إلّا سحّ وبل النّبل، ولا استبقت الآجال وسهمه إلا كان له فى بلوغها السّبق من بعد والسّبق من قبل. ومن شرف قدره الذى دلّ عليه كلام النبوّة، أن النبىّ ﷺ نبّه على أنه المراد بقوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ

. ومن أسباب فضله الذى أصبح بها قدره ساميا، وفخره ناميا، وقطره فى أفق النصر هاميا، ما ورد من قوله ﷺ لفتية ممن أسلم من أسلم: «ارموا يا نبى اسماعيل فإنّ أباكم كان راميا». ومما عظمت به على الأمة المنّة، وغدت فيه نفوس أرباب الجهاد بالفوز فى الدنيا والآخرة مطمئنّة، قوله ﷺ: «تعلّموا الرمى فإنّ ما بين الغرضين روضة من رياض الجنّة». ومن فضل الرمى الذى لا يعرف التأويل، ما نقل من قوله ﷺ: «من رمى بسهم فى سبيل الله أخطأ أو أصاب فكأنما أعتق رقبة من ولد إسماعيل». ومما يرفع قدر السهم [ما روى عنه ﷺ من قوله: «إن الله يدخل بالسهم] الواحد ثلاثة نفر الجنّة صانعه يحتسب فى صنعته الخير وراميه ومنبله». ومما حضّهم به على الرمى ليجتهدوا فيه ويدأبوا: قوله ﷺ: «ارموا واركبوا وأن ترموا أحبّ إلىّ من أن تركبوا». ومن خصائص السّهم أنه ذو خطوة فى الهواء وحكم نافذ فى الماء، وتصرّف حتّى فى الوحش السانح فى الأرض والطير المحلّق فى السماء؛ يكلّم بلسان من حديد؛ ويبطش عن باع مديد؛ إن رام غرضا طار إليه بأجنحة النّسور، وإن حمى معلما أصاب الحدق وصان الثّغور؛ يوجد بصره حيث فقد، واذا انفصل عن أمّه لم يسر من كبد إلا الى كبد؛ أنجز فعله على ما فيه من إخلاف الطباع، وشرفت

أجناسه بكونها أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع. ومن خصائص القوس أنها عقيم ذات بنين، صامتة وهى ظاهرة الأنين؛ لها كبد وهى غير مجوّفة، ويد لا تملك شيئا وهى فى الأرواح متصرّفة؛ ورجل ما نقلت قدما، وقبضة ما عرفت إثراء ولا عدما؛ فهى نون ما ألف الماء، وهلال ما سكن السماء، وقاتلة ما باشرت الدّماء.

ولما كان أهل هذه الفضيلة يتفاوتون فى مواهبها، ويتباينون فى مذاهبها؛ ويبلغ أحدهم بصنعته ما يبلغه الآخر بقواه، ويصل بإتقانه إلى ما لا يدركه من وجود التساوى سواه؛ وكان فلان ممن له فى هذا الشأن الباع المديد والساعد الشديد، والإتقان الذى يتصرّف به فى الرمى كيف يشاء ويضع به السّهم حيث يريد؛ كأنما سهمه بذرع الفضاء موكّل، أو للجمع بين طرفى الأرض مؤهّل، أو لسبق البروق معدّ اذا لمعت فى حواشى السّحاب المفوّفة وخطرت فى هدّاب الدّمقس المفتّل.

وله المواقف التى تشقّ سهامه فيها الشّعر، وتبلغ بها من الأغراض المتباعدة ما يشقّ إدراكه على النّظر؛ فمنها أنه لما كان فى اليوم الفلانى فعل كذا وكذا. ووصف ما فعله.

هذا شىء مما قيل فى السلاح فلنذكر الجنن.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.