من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ومن الأبيات المناسبة لهذا الفصل قول الأضبط بن قريع
لكلّ ضيق من الهموم سعهوالمسى والصبح لا بقاء معه
فصل حبال البعيد إن وصل الحبل وأقص القريب إن قطعه
وخذ من الدهر ما أتاك بهمن قرّ عينا بعيشه نفعه
لا تحقرنّ الفقير علّك أنتركع يوما والدهر قد رفعه
قد يجمع المال غير آكلهويأكل المال غير من جمعه
وقال أحيحة:
فما يدرى الفقير متى غناهولا يدرى الغنىّ متى يعيل
ولا تدرى إذا أزمعت أمرابأىّ الأرض يأتيك المقيل
وقال الصّلتان العبدىّ:
أشاب الصغير وأفنى الكبيركرّ الغداة ومرّ العشى
إذا ليلة هرّمت يومهاأتى بعد ذلك يوم فتى
نروح ونغدو لحاجتناوحاجة من عاش لا تنقضى
تموت مع المرء حاجاتهوتبقى له حاجة ما بقى
وقال المتنبّى:
ذكر الفتى عمره الثانى وحاجتهما قاته وفضول العيش أشغال
وقد جمع من شعر أبى الطيّب فى ذلك ما وافق كلام أرسطوطاليس فى الحكمة؛ فمن ذلك قول أرسطوطاليس: إذا كانت الشهوة فوق القدرة كان هلاك الجسم دون بلوغ الشهوة.
قال المتنبّى:
وإذا كانت النفوس كباراتعبت فى مرادها الأجسام
وقال أرسطوطاليس: قد يفسد العضو لصلاح أعضاء، كالكىّ والفصد اللّذين يفسدان الأعضاء لصلاح غيرها. نقله المتنبّى إلى شعره فقال:
لعلّ عتبك محمود عواقبهفربّما صحّت الأجساد بالعلل
وقال أرسطوطاليس: الظلم من طبع النفوس، وإنما يصدّها عن ذلك إحدى علّتين: إمّا علّة دينيّة خوف معاد، أو علّة سياسيّة خوف سيف قال المتنبّى:
والظلم من شيم النفوس فإن تجدذا عفّة فلعلّة لا يظلم
هذا ما اتفق إيراده فى هذا الباب من أمر كتابة الإنشاء، وكلام الصحابة والخلفاء، وذوى الفصاحة من الأمراء، وبلاغات الخطباء والفصحاء، ورسائل الفضلاء والبلغاء، وفقر الكتّاب والأدباء، وحكم أوائل الحكماء؛ وهو ممّا يضطرّ الكاتب إليه، ويعتمد فى الاطلاع على ما خفى من أمر هذه الصناعة عليه؛ وهى إشارات إلى مجموعها، ورشفات من ينبوعها؛ وباب يتوصّل منه إلى رحابها، وسلّم يرتقى عليه إلى هضابها، ومسيل عذب يتّصل بعبابها؛ فقد وضح لك أيّها الطالب السبيل، وظهر لك أيّها الراغب قيام الدليل؛ وفيما أوردناه كفاية لمن تمسّك بهذه الصناعة ورغب فيها، وغنية لمن تأمّل مقاصدها وتدبّر معانيها؛ فلنذكر كتابة الديوان والتصرّف.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع