من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ما قيل فى الذئب
والذئب له أسماء نطقت بها العرب، ذكره ذئب، والأنثى ذئبة وسلقة وسيدانة، ويكنى أبا جعدة، ومن أسمائه: نهشل، وأويس، وذؤالة، وأشبة، ونشبة، وكساب، وكسيب، والعسعاس، والعسّاس، والخيعل، والعملّس، والطّملّ، والشّيذمان، والشّيمذان، والخيتعور، والقلّيب، والعلّوش، ورئبال، والسّرحان
ومصدّر، والعسول، والنّسول، والخاطف، والأزلّ، والأرسح: القليل لحم الوركين، والعمرّد. ويقال لولد الذئب: جرموز، والأنثى: جعدة.
ويقال: إن الذئب إذا لم يجد ما يأكله استعان بإدخال النسيم فى فيه، فيقتات به؛ وجوفه يذيب العظم، ولا يذيب نوى التمر؛ وقال بعض من اعتنى بسرّ طبائع الحيوان: إنه لا يلتحم عند السّفاد إلا الذئب والكلب، وهو يسفد مضطجعا على الأرض، وذكره عظم؛ والذئب موصوف بالانفراد والوحدة وشدّة التوحّش؛ وإذا خفى عليه موضع الغنم عوى ليؤذنهم بمكانه، ويعلمهم بقربه، فاذا حضرت الكلاب إلى الناحية التى هو فيها راغ عنها الى جهة الغنم التى ليس فيها كلب؛ وهو لا يعود إلى فريسة بعد أن يشبع منها؛ وهو ينام بإحدى عينيه ويفتح الأخرى، فإذا اكتفت النائمة وأخذت حقّها من النوم فتحها ونام بالأخرى؛ فهذا أبدا دأبه فى نومه؛ وهو قوىّ حاسّة الشّمّ، قيل: إنّه يشمّ من فرسخ؛ وأكثر ما يعترض الغنم وقت الصبح عند توقّعه فترة الكلاب ونومها؛ ومن عادة الذئاب أنّه إذا افترس ذئبان شاة قسماها على شطرين بينهما بالسويّة؛ والذئب إذا وطئ ورق العنصل مات لوقته؛ وبينه وبين الغنم معاداة عظيمة، فمنها أنّه إذا جمع بين وتر عمل من أمعاء ذئب وبين أوتار عملت من أمعاء الغنم وضرب بها
لا يسمع لها صوت؛ واذا اجتمع جلد شاة مع جلد ذئب تمعّط جلد الشاة؛ والذئب إذا كدّه الجوع عوى، فتجتمع له الذئاب، ويقف بعضها إلى بعض، فمن ولّى منها وثب الباقون عليه فأكلوه، وهو إذا تعرّض لإنسان وخاف العجز عنه عوى، فيسمعه غيره من الذئاب، فتقبل على الإنسان، فإذا أدمى الإنسان منها واحدا وثب الباقون على المدمى فمزّقوه وتركوا الإنسان، ولذلك قال بعض الشعراء يعاتب صديقا له أعان عليه فى مصيبة نزلت به:
وكنت كذئب السوء لمّا رأى دمابصاحبه يوما أعان على الدّم
والذئب لا يواجه الإنسان، وإنما يأتيه من ورائه، فإن وجد الإنسان ما يسند ظهره إليه عجز الذئب عن افتراسه.
وقد وصف الشعراء الذئب بما ذكرناه من عادته وطبعه، فقال حميد بن ثور:
ونمت كنوم الذئب عن ذى حفيظةأكلت طعاما دونه وهو جائع
ترى طرفيه يعسلان كليهماكما اهتزّ عود النّبعة المتتابع
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقىبأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
وقال إبراهيم بن خفاجة:
ولربّ روّاغ هنالك أنبطذلق المسامع أطلس الأطمار
يجرى على حذر فيجمع بسطهيهوى فينعطف انعطاف سوار
والعرب تقول فى أمثالها: «أحمق من جهيزة» قالوا: وجهيزة عرس الذئب، لأنّها تدع ولدها وترضع ولد الضّبع، وهو معنى قول ابن جذل الطّعان:
كمرضعة أولاد أخرى وضيّعتبنيها ولم ترقع بذلك مرقعا
وقول الآخر:
كانوا كتاركة بنيها جانباسفها وغيرهم تربّ وترضع
ويقولون: إنّ الضّبع إذا قتلت أو صيدت فإنّ الذئب يأتى أولادها باللّحم وأنشدوا قول الكميت:
كما خامرت فى حضنها أمّ عامرلدى الحبل حتّى عال أوس عيالها
وأوس، هو الذئب كما تقدّم فى أسمائه.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع