من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر شىء مما وصف به الفيل نظما
من ذلك ما قاله الأرّجانىّ من أبيات وصف فيها مجلس ممدوحه، فقال:
والفيل فى ذيل السّماط لهزجل يهال له الفتى ذعرا
فى موقف الحجّاب يؤمر أوينهى فيمضى النهى والأمرا
أذنان كالتّرسين تحتهمانابان كالرّمحين إن كرّا
يعلو له فيّاله ظهرافيظلّ مثل من اعتلى قصرا
وقال عبد الكريم النّهشلىّ يصفه:
وأضخم هندىّ النّجار تعدّهملوك بنى ساسان إن نابها دهر
يجىء كطود جائل فوق أربعمضبّرة لمّت كما لمّت الصّخر
له فخذان كالكثيبين لبّداوصدر كما أوفى من الهضبة الصدر
ووجه به أنف كراووق خمرةينال به ما تدرك الأنمل العشر
وجبّان لا يروى القليب صداهماولو أنّه بالقاع منهرت حفر
وأذن كنصف البرد تسمعه النّداخفيّا وطرف ينفض العيب مزورّ
ونابان شقّا لا يريد سواهماقناتين سمراوين طعنهما بتر
له لون ما بين الصباح وليلهإذا نطق العصفور أو صوّت الصقر
وقال ابن طباطبا:
أعجب بفيل آنس وحشىّبهيمة فى فطنة الإنسىّ
يفهم عن سائسه الهندىّغيب معانى رمزه الخفىّ
مثل السدى الموثّق المبنىّمنزّه فى خلقه السّوىّ
عن لين مشى ركب المطىّذى ذنب مطوّل ثورىّ
فى مثل ردف الجمل البختىّمنخفض الصوت طويل العىّ
يطوف كالمزدجر المنهىّيرنو بطرف منه شادنىّ
فى قبح وجه منه خنزيرىّخرطومه كجعبة التّركىّ
حكى فما من سمك بحرىّتبصره فى فيه ذا هوىّ
كالدّلو إذ تهوى إلى القرىّيصبّ فى مصهرج مطوىّ
ناباه فى هولهما المخشىّكمثل قرنى ناطح طورىّ
أذناه فى صبغهما الفضّىّكطيلسانى ولدى ذمّىّ
ساسه عليه ذو رقىّمنتصب منه على كرسىّ
يطيعه فى أمره المأبىّكطاعة القرقور للنّوتىّ
وقال آخر منشدا:
من يركب الفيل فهذا الفيلإنّ الذى يحمله محمول
على تهاويل لها تهويلكالطّود إلّا أنّه يجول
وقال ابن الرومىّ:
يقلّب جثمانا عظيما موثّقايهدّ بركنيه الجبال إذا زحم
ويسطو بخرطوم يطاوع أمرهومشتبهات ما أصاب بها غنم
ولست ترى بأسا يقوم لبأسهإذا أعمل النابين فى البأس أو صدم
وقال هارون بن موسى مولى الأزد يصفه ويذكر خوفه من الهرّ:
أليس عجيبا بأن خلقةلها فطن الإنس فى جرم فيل
وأظرف من مشيه زولهبحلم يجلّ عن الخنشليل
وأوقص مختلف خلقهطويل النّيوب قصير النّصيل
ويلقى العدوّ بناب عظيموجوف رحيب وصوت ضئيل
وأشبه شىء إذا قستهبخنزير برّ وجاموس غيل
ينازعه كلّ ذى أربعفما فى الأنام له من عديل
ويعصف بالببر بعد النّموركما تعصف الريح بالعندبيل
وشخص ترى يده أنفهفإن وصفوه فسيف صقيل
وأقبل كالطّود هادى الخميسبهول شديد أمام الرّعيل
ومرّ يسيل كسيل الأتىّبوطء خفيف وجسم ثقيل
فإن شمته زاد فى هولهبشاعة أذنين فى رأس غول
وقد كنت أعددت هرّا لهقليل التّهيّب للزّندبيل
فلمّا أحسّ به فى العجاجأتانا الإله بفتح جليل
فسبحان خالقه وحدهإله الأنام وربّ الفيول
وقال أبو الحسن الجوهرىّ يصف الفيل من قصيدته التى أوّلها:
قل للوزير وقد تبدّىيستعرض الكرم المعدّا
أفنيت أسباب العلاحتّى أبت أن تستجدّا
لو مسّ راحتك السحاب لأمطرت كرما ومجدا
لم ترض بالخيل التىشدّت إلى العلياء شدّا
وصرائم الرأى التىكانت على الأعداء جندا
حتّى دعوت إلى العدىما لا يلام إذا تعدّى
متقمّصا تيه العلوج وفطنة أعيت معدّا
متعسّفا طرق العوالى حين لا يستاق قصدا
فيلا كرضوى حين يلبس من رقاق الغيم بردا
مثل الغمامة ملّئتأكنافها برقا ورعدا
رأس كقلّة شاهقكسيت من الخيلاء جلدا
فتراه من فرط الدّلال مصعّرا فى الناس خدّا
يزهى بخرطوم كمثل الصّولجان يردّ ردّا
متمدّد كالأفعوان تمدّه الرّمضاء مدّا
أو كمّ راقصة تشير به إلى النّدمان وجدا
أو كالمصلّب شدّ جنباه إلى جذعين شدّا
وكأنّه بوق يحرّكه لينفخ فيه جدّا
يسطو بساريتى لجين يحطمان الصّخر هدّا
أذناه مروحتان أسندتا الى الفودين عقدا
عيناه غائرتان ضيّقتا لجمع الضوء عمدا
فكّ كفوّهة الخليج يلوك طول الدهر حقدا
تلقاه من بعد فتحسبه غماما قد تبدّى
متنا كبنيان الخورنق ما يلاقى الدّهر كدّا
ردفا كدكّة عنبرمتمايل الأوراك نهدا
ذنبا كمثل السوط يضرب حوله ساقا وزندا
يخطو على أمثال أعمدة الخباء إذا تصدّى
أو مثل أميال نضدن من الصخور الصّمّ نضدا
متورّد حوض المنيّة حين لا يشتاق وردا
متملّق فكأنّهمتطلّب ما لن يودّا
متلفّع بالكبرياء كأنّه ملك مفدّى
أدنى إلى الشىء البعيد يراد من وهم وأهدى
أذكى من الإنسان حتّى لو رأى خلا لسدّا
لو أنّه ذو لهجةوفّى كتاب الله سردا
عقّته أرض الهند حتى حلّ من زهو هرندا
قل للوزير: عبدت حتى قد أتاك الفيل عبدا
سبحان من جمع المحاسن عنده قربا وبعدا
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع