من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر أصناف الإبل وعاداتها وما قيل فى طبائعها
والإبل ثلاثة أصناف: يمانىّ، وعرابىّ، وبختىّ. فاليمانىّ هو النّجيب، وينزّل بمنزلة العتيق من الخيل. والعرابىّ كالبرذون. والبختىّ كالبغل. ويقال: البخت ضأن الإبل. وهى متولّدة عن فساد منىّ العراب. وحكى الجاحظ أنّ منهم من يزعم أنّ فى الإبل ما هو وحشىّ وأنها تسكن أرض وبار، وهى غير مسكونة بالناس.
وقالوا: ربما ندّ الجمل منها فى الهياج فيحمله ما يعرض له منه على أن يأتى أرض
عمان، فيضرب فى أدنى هجمة من الإبل؛ فالإبل المهريّة من ذلك النّتاج. وتسمّى الإبل الوحشيّة «الحوش». ويقولون: إنها بقايا إبل عاد وثمود ومن أهلكه الله من العرب. والمهريّة منسوبة إلى مهرة (قبيلة باليمن)؛ وهى سريعة العدو. ويعلفونها من قديد سمك يصاد من بحر عمان.
وأمّا البخت- فمنها ما يرهوك مثل البراذين؛ ومنها ما يجمز جمزا ويرقل إرقالا. وفى البخت ماله سنامان فى طول ظهره كالسّرج، ولبعضها سنامان فى العرض عن اليمين وعن الشمال، وتسمّى «الخراسانية».
قالوا: والجمل لا ينزو إلّا مرّة واحدة يقيم فيها النهار أجمع وينزل فيها مرارا كثيرة، فيجىء منها ولد واحد. وهو يخلو فى البرارى حالة النّزو، ولا يدنو منه أحد من الناس إلا راعيه الملازم له. وذكره صلب جدّا؛ لأنه من عصب. والأنثى تحمل سنة كاملة؛ وتلقح لمضىّ ثلاث سنين، وكذلك الذكر ينزو فى هذه المدّة، ولا ينزو عليها إلا بعد سنة من يوم وضعها. وفيه من كرم الطّباع أنه لا ينزو على أمّهاته ولا أخواته. ومتى حمل على أن يفعل حقد على من ألزمه؛ وربما قتله.
وليس فى الحيوان من يحقد حقده. وقد قالوا: إنّ العرب إنما اكتسبت الأحقاد لأكلها لحوم الجمال ومداومتها.
وفى طبع الجمل الاهتداء بالنّجم، ومعرفة الطّرق، والغيرة، والصولة، والصبر على الحمل الثقيل وعلى العطش. والإبل تميل إلى شرب المياه الكدرة الغليظة؛ وهى إذا وردت ماء الأنهار حرّكته بأرجلها حتى يتكدّر. وهى من عشّاق الشمس.
وهى تتعرّف النبات المسموم بالشّمّ من مرّة واحدة فتتجنّبه عند رعيه ولا تغلط إلا فى اليبيس خاصّة. وزعم أرسطو: أنها تعيش ثلاثين سنة فى الغالب.
وقال صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر ينقل عن غيره: وقد رئى منها ما عاش مائة سنة. وكانت للعرب عوائد فى إبلها أنها اذا أصاب إبلهم العرّ كووا السليم ليذهب العرّ عن السقيم. وكانوا إذا كثرت إبلهم فبلغت الألف فقئوا عين الفحل؛ فإن زادت على الألف فقئوا عينه الأخرى. وقد ذكرنا ذلك فى أوابد العرب، وهو فى الباب الثانى من الفن الثانى من هذا الكتاب فى السفر الثالث من هذه النسخة. والله أعلم بالصواب.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع