من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ما ملكه رسول الله ﷺ من الإبل
كانت ناقة رسول الله ﷺ يقال لها «القصواء». ذكر ابن سعد عن محمد بن عمر قال حدثنى موسى بن محمد بن إبراهيم التّيمىّ عن أبيه قال: كانت القصواء من نعم بنى الحريش، ابتاعها أبو بكر رضى الله عنه وأخرى معها بثمانمائة درهم فأخذها رسول الله ﷺ منه بأربعمائة؛ فكانت عنده حتى نفقت. وهى التى هاجر عليها ﷺ. وكانت حين قدم المدينة رباعية، وكان اسمها «القصواء» و «الجدعاء» و «العضباء»، وكان فى طرف أذنها جدع، وكانت لا تسبق
كلما دفعت فى سباق. فلما كان فى سنة ستّ من الهجرة سابق رسول الله ﷺ بين الرّواحل، فسبق قعود لأعرابىّ «القصواء»، ولم تكن تسبق قبلها؛ فشقّ ذلك على المسلمين؛ فقال رسول الله ﷺ: «حقّ على الله ألّا يرفع شيئا من الدنيا إلّا وضعه». وعن قدامة بن عبد الله قال: رأيت رسول الله ﷺ فى حجّته يرمى على ناقة صهباء. وعن سلمة بن نبيط عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ فى حجّته بعرفة على جمل أحمر. وذكر أبو إسحاق أحمد ابن محمد بن إبراهيم الثّعلبىّ فى تفسيره: أنّ النبىّ ﷺ بعث يوم الحديبية خراش بن أميّة الخزاعىّ قبل عثمان إلى قريش بمكة، وحمله على جمل له يقال له «الثّعلب»؛ ليبلّغ أشرافهم عنه ما جاء له؛ فعقروا جمل رسول الله ﷺ وأرادوا قتله؛ فمنعته الأحابيش،»
فخلّوا سبيله. وكان للنبىّ ﷺ عشرون لقحة بالغابة (وهى على بريد من المدينة من طريق الشام) وكان فيها أبو ذرّ، وكان فيها لقائح غزر: الحنّاء» و «السّمراء» و «العريس» و «السّعديّة» و «البغوم»
و «اليسيرة» و «الرّيّا». وكان رسول الله ﷺ فرّقها على نسائه؛ فكانت «السّمراء» لقحة غزيرة لعائشة؛ وكانت العريّس لأمّ «سلمة»؛ فأغار عليها عيينة بن حصن فى أربعين فارسا فاستاقوها وقتلوا ابن أبى ذرّ؛ ثم ركب رسول الله ﷺ وأصحابه حتى انتهوا إلى ذى قرد فاستنقذوا منها عشرا وأفلت القوم بما بقى؛ وقيل: بل استنقذها كلّها منهم سلمة بن الأكوع حين يقول:
ما خلق الله شيئا من ظهر النبىّ ﷺ إلا خلّفته وراء ظهرى واستنقذته منهم؛ وذلك فى شهر ربيع الأوّل سنة ستّ.
وكانت لقاحه ﷺ، التى كان يرعاها يسار مولاه بذى الجدر ناحية قباء قريبا من عير على ستة أميال من المدينة، خمس عشرة لقحة غزارا استاقها
العرنيّون وقتلوا يسارا وقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك فى لسانه وعينيه حتى مات.
فبعث رسول الله ﷺ فى إثرهم كرز بن جابر الفهرىّ فى عشرين فارسا؛ فأدركوهم وربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا بهم المدينة، فقطّعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم وصلبوا. وفيهم نزل: (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)
الآية؛ وذلك فى شوّال سنة ستّ. وفقد النبىّ ﷺ منها لقحة تدعى «الحنّاء»؛ فسأل عنها فقيل: نحروها.
وقيل: كانت لرسول الله ﷺ سبع لقائح تكون بذى الجدر؛ وتكون بالجمّاء: لقحة تدعى «مهرة» وكانت غزيرة، أرسل بها سعد بن عبادة من نعم بنى عقيل، ولقحة تدعى «بردة» تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان، أهداها له الضحّاك بن سفيان الكلابىّ، «والشّقراء» و «الرّيّا» «والسّمراء» «والعريّس» «واليسيرة» «والحنّاء» يحلبن ويراح إليه بلبنهنّ كلّ ليلة.
وفى غزاة بدر غنم رسول الله ﷺ جمل أبى جهل وكان مهريّا يغزو عليه ويضرب فى لقاحه. ذكره الطبرىّ.
وعن ابن عباس رضى الله عنهما: أنّ رسول الله ﷺ أهدى عام الحديبية فى هداياه جملا لأبى جهل فى رأسه برة من فضّة؛ ليغيظ بذلك المشركين. ذكره ابن إسحاق.
وقيل: كانت للنبى ﷺ لقحة اسمها «مروة».
وقال ابن الكلبىّ: إن عياض بن حماد أهدى لرسول الله ﷺ نجيبة، وكان صديقا له إذا قدم عليه مكة لا يطوف إلا فى ثيابه؛ فقال له: «أسلمت» ؟
قال: لا؛ قال: «إن الله نهانى عن زبد المشركين». فأسلم؛ فقبلها.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع