تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

وأمّا الضبّ وما قيل فيه

- قال الجاحظ فى كتاب الحيوان:

إنّ من أعاجيب الضبّ أنّ له أيرين وللضبّة حرين؛ قال: وهذا شىء لا يعرف إلّا لهما. هذا قول الأعراب فى تخصيصهما بذلك. وقالت الحكماء: إنّ السّقنقور

له أيران، والحرذون كذلك. قال: وقال جالينوس: الضب الذى له لسانان يصلح لحمه لكذا وكذا. ومما يستدلّ به على أنّ للضبّ أيرين قول الفزارىّ:

سبحل له نزكان كانا فضيلةعلى كل حاف فى البلاد وناعل

واسم أير الضبّ: النّزك. وسئل أبو حيّة النّميرىّ عن ذلك، فزعم أنّ أير الضبّ كلسان الحيّة، الأصل واحد والفرع اثنان. وللأنثى مدخلان. وعلى ذلك أنشد الكسائىّ رحمه الله تعالى:

تفرّقتم لا زلتم قرن واحدتفرّق أير الضبّ والأصل واحد

ويقال: إنّ الضبّة إذا أرادت أن تبيض حفرت فى الأرض حفرة ثم رمت بالبيض فيها وطمّته بالتراب، وتتعاهده كل يوم حتى يخرج، وذلك فى أربعين يوما.

وهى تبيض سبعين بيضة وأكثر. وبيضها يشبه بيض الحمام. ويخرج الحسل وهو مطيق للكسب.

قالوا: والضبّ يخرج من جحره كليل البصر، فيجلوه بالتحدّق فى الشمس.

وهو يغتذى بالنسيم، ويعيش ببرد الهواء، وذلك عند الهرم.

قال الجاحظ: وزعم عمرو بن مسافر: أنّ الضبّة تبيض ستين بيضة وتسدّ عليهنّ باب الحجر ثم تدعهنّ أربعين يوما، فيتفقّص البيض ويظهر ما فيه، فتحفر عنهن عند ذلك. فإذا كشفت عنهن أحضرن وأحضرت فى أثرهنّ، فتأكل

ما أدركت منهنّ. ويحفر المنفلت منها لنفسه حجرا، ويرعى من البقل. فلذلك توصف بالعقوق. ويضرب به المثل فى أكل حسوله. وفى ذلك يقول الشاعر:

أكلت بنيك أكل الضبّ حتىتركت بنيك ليس لهم عديد

قالوا: وفى ذنب الضبّ من القوّة ما يضرب به الحيّة فربما قطعها. والضبّ طويل العمر. وفى طبعه أنه يرجع فى قيئه. وهو شديد الإعجاب بالتمر. ويقال:

إنه يمكث ليلة بعد الذّبح ثم يقرّب إلى النار فيتحرّك.

قال الجاحظ: وزعمت العرب أنّ الضبّ يعدّ العقرب فى جحره؛ فإذا سمع صوت الحرش استثفرها فألزقها بأصل عجب ذنبه وضمّه عليها، فإذا أدخل الحارش يده ليقبض على أصل ذنبه لسعته. وقيل: بل العقارب تألف الضّباب وتسالمها وتأوى إليها. قال التّميمىّ:

أتأنس بى ونجرك غير نجرىكما أنس العقارب والضّباب

والضبّ من الحيوان المأكول؛ إلّا أنّ العرب تعيّر بنى تميم بأكل لحم الضبّ.

والدليل على إباحته ما جاء فى الحديث الصحيح: أنّ رسول الله ﷺ كان فى بيت ميمونة رضى الله عنها، فقدّمت له مائدة وعليها ضبّ مشوىّ، فأهوى بيده ليأكل منه؛ فقيل له: يا رسول الله، إنه ضبّ؛ فرفع يده. فقال له

خالد بن الوليد: يا رسول الله، أحرام هو؟ قال: «لا ولكنه ليس فى بلاد قومى فأنا لا آكله»؛ فأكله خالد بن الوليد بحضرة رسول الله ﷺ فلم ينهه؛ ولو كان حراما لنهاه ﷺ عن أكله ولأخبر بتحريمه لمّا سئل عنه.

وقال أبو نواس يعيّر بأكل الضبّ:

إذا ما تميمىّ أتاك مفاخرافقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضّبّ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ألا حي أطلالا بسيحان فالعذب»

وقال عمرو بن الأهتم من أبيات:

ورددناهم إلى حرّتيهمحيث لا يأكلون غير الضّباب
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة

وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: زبل الضبّ نافع لبياض العين، وينفع من نزول الماء.

وقد وصفه الحمّانىّ فقال وذكر أرضا:

ترى ضبّها مطلعا رأسهكما مدّ ساعده الأقطع
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
له ظاهر مثل برد موشّىوبطن كما حسر الأصلع
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
هو الضبّ ما مدّ سكّانهوإن ضمّه فهو الضّفدع
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.