من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ما أصاب المهاجرين من حمّى المدينة، ودعاء رسول الله ﷺ لهم
روى عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة قدمها وهى أوبأ أرض الله من الحّمى، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم، وصرف الله تعالى ذلك عن نبيه ﷺ. قالت: فكان أبو بكر رضى الله عنه، وعامر بن فهيرة وبلال، موليا أبى بكر مع أبى بكر فى بيت واحد فأصابتهم الحمى، فدخلت عليهم أعودهم، وذلك قبل أن يضرب علينا [الحجاب] وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدّة الوعك، فدنوت من أبى بكر فقلت: كيف تجدك يا أبت؟ فقال:
كلّ امرئ مصبّح فى أهلهوالموت أدنى من شراك نعله
قالت: فقلت والله ما يدرى أبى ما يقول، ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة، فقلت:
كيف تجدك يا عامر؟ فقال:
لقد وجدت الموت قبل ذوقهإنّ الجبان حتفه من فوقه
كلّ امرئ مجاهد بطوقهكالثّور يحمى جلده بروقه
فقلت: والله ما يدرى عامر ما يقول؛ قالت: وكان بلال إذا تركته الحمّى اضطجع بفناء البيت، ثم يرفع عقيرته فيقول:
ألا البيت شعرى هل أبيتنّ ليلةبفجّ وحولى إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنّةوهل يبدون لى شامة وطفيل
قالت عائشة: فذكرت لرسول الله ﷺ ما سمعت منهم، فقلت: إنهم ليهذون، وما يعقلون من شدّة الحمى، فقال: «اللهم حبّب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وأشدّ، وبارك لنا فى مدّها وصاعها، وانقل وباءها إلى مهيعة»؛ وهى الحجفة.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع