من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة
كان سبب إسلامهم على ما حكاه محمد بن إسحاق بسنده يرفعه إلى عمرو بن العاص، قال عمرو: لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيى، ويسمعون منّى، فقلت لهم: تعلّموا والله أنى أرى أمر محمد يعلو الأمور علوّا منكرا، وإنّى قد رأيت أمرا فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنّجاشى فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النّجاشىّ، فإنّا أن نكون تحت يديه أحبّ إلينا من أن نكون تحت يدى محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلا خير. قالوا: إن هذا
لرأى، قلت: فاجمعوا ما يهدى له، وكان أحبّ ما يهدى إليه من أرضنا الأدم، فجمعنا أدما كثيرا، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه. فو الله إنا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضّمرىّ، وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إليه فى شأن جعفر وأصحابه، قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده، فقلت لأصحابى: هذا عمرو بن أمية، ولو قد دخلت على النّجاشىّ وسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أنى قد أجزأت عنها، فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع، فقال لى: مرحبا بصديقى، أهديت لى من بلادك شيئا؟ قلت: نعم أيها الملك، قد أهديت لك أدما كثيرا، ثم قرّبته إليه فأعجبه، ثم قلت له: أيها الملك، إنى قد رأيت رجلا خرج من عندك، وهو رسول رجل عدوّ لنا، فأعطنيه لأقتله، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا، قال: فعضب، ثم مدّ يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت الأرض لدخلت فيها فرقا منه، ثم قلت له:
أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه، قال: أتسألنى أن أعطيك رسول رجل يأتيه النّاموس الأكبر الذى كان يأتى موسى ﷺ لتقتله! فقلت: أيها الملك، أكذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو، أطعنى واتّبعه، فإنه والله لعلى الحقّ، وليظهرنّ على من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قال:
قلت: أفتبا يعنى له على الإسلام؟ قال: نعم، فبسط يده فبايعته على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابى وقد حال رأيى عما كان عليه، وكتمتهم إسلامى.
ثم خرجت عامدا إلى رسول الله ﷺ، فلقيت خالد بن الوليد وهو مقبل من مكة، فقلت: إلى أين يا أبا سليمان؟ فقال: لقد استقام المنسم،
وإن الرجل لنبىّ، أذهب والله فأسلم فحتى متى! قال قلت: والله ما جئت إلا لأسلم، قال: فقدمنا المدينة على رسول الله ﷺ، فقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسول الله، إنى أبايعك على أن يغفرلى ما تقدّم من ذنبى ولا أذكر ما تأخر، فقال: «يا عمرو: بايع، فإن الإسلام يجبّ ما كان قبله، وإن الهجرة تجبّ ما كان قبلها»، فبايعت ثم انصرفت.
قال ابن إسحاق: وحدثنى من لا أتهم أن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة كان معهما فأسلم حين أسلما.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع