من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
حوادث السنة التاسعة
فيها آلى رسول الله ﷺ من نسائه، وأقسم ألّا يدخل عليهنّ شهرا. وكان سبب الإيلاء ما رواه البخارىّ بسنده عن عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها، قالت: كان رسول الله ﷺ يحبّ العسل والحلواء، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهنّ، فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس فغرت، فسألت عن ذلك فقيل لى: أهدت لها امرأة من قومها عكّة عسل، فسقت النبىّ ﷺ منه شربة، فقلت:
أما والله لنحتالنّ له، فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولى له: أكلت مغافير، سيقول لك: لا، فقولى له: ما هذه الريح التى أجد؟ فإنه سيقول لك: سقتنى حفصة شربة عسل، فقولى له: جرست نحله العرفط، وسأقول ذلك، وقولى أنت يا صفية ذلك، قالت: تقول سودة فو الله ما هو إلا أن قام على
الباب فأردت أن أبادئه بما أمرتنى به فرقا منك. ومن رواية مسلم- قالت تقول سودة: فو الذى لا إله إلا هو لقد كدت أبادئه بالذى قلت لى، وإنه لعلى الباب فرقا منك. قال البخارىّ: فلما دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله، أكلت مغافير؟
قال: «لا» قلت: فما هذه الريح التى أجد منك؟ قال: «سقتنى حفصة شربة عسل» فقالت: جرست نحله العرفط، فلما دار الىّ قلت له نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت له: ألا أسقيك منه؟ قال:
«لا حاجة لى فيه» قالت: تقول سودة والله لقد حرمناه، قلت لها: اسكتى.
وفى رواية عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يشرب عسلا عند زينب بنت جحش، ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له:
أكلت مغافير، إنى أجد منك ريح مغافير، قال: «لا، ولكنى كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبرى بذلك أحدا»، فأنزل الله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
وروى مسلم بن الحجاج فى صحيحه بسنده عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: كنا معشر قريش قوما نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم، وكان منزلى فى بنى أمية بن زيد بالعوالى، فتغضّبت يوما على امرأتى، فإذا هى تراجعنى، فأنكرت أن تراجعنى، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فو الله إن أزواج النبىّ ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل، فانطلقت فدخلت
على حفصة فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ؟ فقالت: نعم [فقلت:
أتهجره إحدا كنّ إلى الليل؟ قالت: نعم، فقلت]: قد خاب من فعل ذلك منكنّ وخسر، أفتأمن إحدا كنّ أن يغضب الله عليها لغضب رسوله ﷺ؟
فإذا هى قد هلكت، لا تراجعى رسول الله ﷺ ولا تسأليه شيئا، وسلينى ما بدا لك، ولا يغرّنك أن كانت جارتك هى أوسم وأحبّ إلى رسول الله ﷺ منك، يريد عائشة.
ومن رواية البخارىّ قال: خرجت حتى دخلت على أمّ سلمة لقرابتى منها فكلمتها، فقالت أمّ سلمة: عجبا لك يابن الخطّاب! دخلت فى كل شىء حتى تبتغى أن تدخل بين رسول الله ﷺ وأزواجه، فأخذتنى والله أخذا كسرتنى عن بعض ما كنت أجد، فخرجت من عندها.
رجعنا إلى حديث مسلم- قال عمر: وكان لى جار من الأنصار فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله ﷺ فينزل يوما، وأنزل يوما، فيأتينى بخبر الوحى وغيره، وآتيه بمثل ذلك، وكنا نتحدّث أن غسّان تنعل الخيل لغزونا، فنزل صاحبى، ثم أتانى عشاء فضرب بابى، ثم نادانى فخرجت إليه، فقال: حدث أمر عظيم، فقلت: ماذا، أجاءت غسّان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأطول، طلّق النبىّ ﷺ نساءه، فقلت: قد خابت حفصة وخسرت، وقد كنت أظنّ هذا كائنا، حتى إذا صلّيت الصبح شددت علىّ ثيابى، ثم نزلت فدخلت على حفصة وهى تبكى، فقلت: أطلقكنّ رسول الله ﷺ؟
فقالت: لا أدرى، ها هو ذا معتزل فى هذه المشربة، فأتيت غلاما له أسود فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إلىّ فقال: قد ذكرتك له فصمت، فانطلقت
حتى انتهيت إلى المنبر فجلست، فإذا عنده رهط جلوس يبكى بعضهم، فجلست قليلا ثم غلبنى ما أجد، ثم أتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إلىّ، فقال: قد ذكرتك له فصمت، فولّيت مدبرا، فإذا الغلام يدعونى، فقال: ادخل فقد أذن لك، فدخلت فسلّمت على رسول الله ﷺ، فإذا هو متّكئ على رمل حصير قد أثّر فى جنبه، فقلت: أطلقت يا رسول الله نساءك؟
فرفع رأسه إلىّ وقال: «لا» فقلت: الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله، وكنا معشر قريش قوما نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم، فتغضّبت على امر أتى يوما فإذا هى تراجعنى، فأنكرت أن تراجعنى، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فو الله إنّ أزواج النبىّ ﷺ ليراجعنه وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل، فقلت: قد خاب من فعل ذلك منهنّ وخسر، أفتأمن إحداهنّ أن يغضب الله عليها لغضب رسوله ﷺ فإذا هى قد هلكت، فتبسّم رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، قد دخلت على حفصة فقلت: لا يغرّنك أن كانت جارتك هى أوسم منك وأحبّ إلى رسول الله منك، فتبسم أخرى.
ومن رواية البخارىّ- قال عمر: فقصصت على رسول الله ﷺ هذا الحديث، فلما بلغت حديث أمّ سلمة تبسم رسول الله ﷺ، ولم يذكر التّبسم فيما قبلها.
قال مسلم فى حديثه: فقلت أستأنس يا رسول الله؟ قال: «نعم» فجلست فرفعت رأسى فى البيت، فو الله ما رأيت فيه شيئا يردّ البصر
إلا أهبا ثلاثة، فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسّع على أمتك، فقد وسّع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسا ثم قال: «أفى شك أنت يابن الخطاب، أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم فى الحياة الدنيا» فقلت: استغفر لى يا رسول الله، قال: وكان أقسم ألّا يدخل عليهنّ شهرا من شدة موجدته عليهنّ حتى عاتبه الله ﷿.
وعن عروة عن عائشة رضى الله عنها قالت: لما مضى تسع وعشرون ليلة دخل علىّ رسول الله ﷺ بدأ بى- فقلت: يا رسول الله، إنك أقسمت ألّا تدخل علينا شهرا، وإنك دخلت من تسع وعشرين، أعدّهن؟
فقال: «إنّ الشهر تسع وعشرون» ثم قال: «يا عائشة، إنى ذاكر لك أمرا فلا عليك ألّا تعجلى حتى تستأمرى أبويك» ثم قرأ علىّ الآية: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ)
حتى بلغ (أَجْراً عَظِيماً)
»
فقالت عائشة: قد علم والله أن أبوىّ لم يكونا ليأمرانى بفراقه، فقلت: أو فى هذا أستأمر أبوىّ؟ فإنى أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وفيها هدم رسول الله مسجد الضّرار.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع