تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر وفد سليم

قالوا: وقدم على رسول الله ﷺ رجل من بنى سليم، يقال له قيس ابن نسيبة، فسمع كلامه، وسأله عن أشياء فأجابه، ووعى ذلك كلّه، ودعاه رسول الله

صلى الله عليه وسلّم إلى الإسلام، فأسلم ورجع إلى قومه، فقال: قد سمعت برجمة الروم، وهينمة فارس، وأشعار العرب، وكهانة الكاهن، وكلام مقاول حمير، فما يشبه كلام محمد شيئا من كلامهم، فأطيعونى وخذوا بنصيبكم منه. فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم إلى رسول الله ﷺ، فلقوه بقديد وهم سبعمائة. ويقال:

كانوا ألفا. وفيهم العباس بن مرداس السّلمى، وأنس بن عبّاس بن رعل، وراشد بن عبد ربه، فأسلموا وقالوا: اجعلنا فى مقدّمتك، واجعل لواءنا أحمر، وشعارنا مقدّم، ففعل ذلك بهم. وأعطى رسول الله ﷺ راشدا رهاطا وفيها عين يقال لها عين الرّسول. قال: وكان راشد يسدن صنما لبنى سليم، فرأى يوما ثعلبين يبولان عليه، فقال:

أربّ يبول الثّعلبان برأسهلقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أرب يبول الثعلبان برأسه»

ثم شدّ عليه فكسره. وأتى النبى ﷺ، فقال له: «ما اسمك» ؟

قال: غاوى بن عبد العزّى، فقال: «أنت راشد بن عبد ربّه» فأسلم وحسن إسلامه وشهد الفتح. فقال رسول الله ﷺ: «خير بنى سليم راشد» وعقد له على قومه.

وروى محمد بن سعد أيضا، عن هشام بن محمد، قال حدّثنى رجل من بنى سليم من بنى الشّريد، قال: وفد رجل منا يقال له قدد بن عمّار على النبى ﷺ، وعاهده على أن يأتيه بألف من قومه على الخيل؛ وأنشأ يقول:

شددت يمينى إذ أتيت محمّدابخير يد شدّت بحجزة مئزر
وذاك امرؤ قاسمته نصف دينهوأعطيته كفّ امرئ غير أعسر

ثم أتى قومه فأخبرهم الخبر، فخرج معه تسعمائة، وخلّف فى الحىّ مائة، وأقبل يريد النبىّ ﷺ فنزل به الموت، فأوصى إلى ثلاثة رهط من قومه؛ وهم: عباس بن مرداس وأمّره على ثلاثمائة، وجبّار بن الحكم وأمره على ثلاثمائة، والأخنس بن يزيد وأمّره على ثلاثمائة. وقال: ايتوا هذا الرحل حتى تقضوا العهد الذى فى عنقى ثم مات، فمضوا حتى قدموا على رسول الله ﷺ، فقال: «أين الرجل الحسن الوجه، الطويل اللسان، الصادق الأيمان» ؟.

قالوا: يا رسول الله! دعاه الله فأجابه، وأخبروه خبره؛ فقال: «أين تكملة الألف الذين عاهدنى عليهم» ؟. قالوا: خلّف مائة فى الحىّ مخافة حرب كان بيننا وبين بنى كنانة، قال: «ابعثوا إليها فإنه لا يأتيكم فى عامكم هذا شىء تكرهونه». فبعثوا إليها فأتته بالهدّة وعليها المنقع بن مالك بن أمية، فشهدوا مع رسول الله ﷺ الفتح وحنين. وللمنقع يقول العباس بن مرداس:

القائد المائة التى وفّى بهاتسع المئين فتمّ ألف أقرع

وحكى أبو عمر بن عبد البر فى ترجمة خنساء بنت عمرو بن الشّريد السّلمية الشاعرة- واسمها تماضر بنت عمرو بن الشّريد بن رباح بن ثعلبة بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم- أنها قدمت على رسول الله ﷺ مع قومها من بنى سليم فأسلمت معهم. قال: فذكروا أن رسول الله ﷺ كان يستنشدها، ويعجبه شعرها، فكانت تنشده، وهو يقول:

«هيه يا خناس» ويومئ بيده. وشهدت الخنساء القادسيّة مع بنيها الأربعة.

وسنذكر إن شاء الله خبرها معهم يوم القادسية، ووصيتها لهم فى الحرب فى خلافة عمر بن الخطاب، عند ذكرنا لفتح القادسية.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.