من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وفد الداريّين وما كتب لهم به رسول الله ﷺ وما اختصّ به تميم الدارىّ وإخوته
قال محمد بن سعد بسنده إلى عبيد الله بن عبد الله، وروح بن زنباع الجذامىّ عن أبيه قالا: قدم وفد الدّاريّين على رسول الله ﷺ منصرفه من تبوك وهم عشرة نفر؛ فيهم تميم ونعيم ابنا أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة ابن ذراع بن عدىّ بن الدّار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم، ويزيد بن قيس ابن خارجة، والفاكه بن النّعمان بن جبلة بن صفّارة بن ربيعة بن ذراع بن عدىّ ابن الدّار، وجبلة بن مالك بن صفّارة، وأبو هند والطّيّب ابناذرّ- قال ابن [إسحق]: برّ- وهو عبد الله بن ذرّ بن عمّيت بن ربيعة بن ذراع، وهانئ بن حبيب، وعزيز ومرّة ابنا مالك بن سواد. قال ابن إسحق: عرفة. وقال ابن هشام: عزّة. وقال ابن إسحق فى مرّة: مروان.
قال ابن سعد: فأسلموا وسمّى رسول الله ﷺ الطيب عبد الله، وسمّى عزيزا عبد الرحمن.
قال: وأهدى هانئ بن حبيب لرسول الله ﷺ راوية خمر وأفراسا وقباء مخوّصا بالذهب، فقبل الأفراس والقباء وأعطاه العباس بن عبد المطلب، فقال: ما أصنع به؟ قال: «تنزع الذهب فتحليه نساءك، أو تستنفقه، ثم تبيع الدّيباج فتأخذ ثمنه»، فباعه العباس من رجل من يهود بثمانية آلاف درهم.
قال وقال تميم: لناجيرة من الرّوم، لهم قريتان يقال لأحداهما حبرى والأخرى بيت عينون، فإن فتح الله عليك الشام فهبهما لى، قال: «فهما لك» فلما قام أبو بكر رضى الله عنه أعطاه ذلك، وكتب له به كتابا، وأقام وفد الدّاريّين حتى توفّى رسول الله ﷺ، وأوصى لهم رسول الله ﷺ بجادّ مائة وسق من خيبر، هكذا حكى ابن سعد فى طبقاته.
وشاهدت أنا عند ورثة الصاحب الوزير فخر الدين أبى حفص عمر، ابن القاضى المرحوم الرئيس مجد الدين عبد العزيز المعروف بابن الخليلى التميمىّ ﵀، كتابا يتوارثونه كابرا عن كابر، يقولون: هو كتاب رسول الله ﷺ الذى كتبه لتميم الدارىّ وإخوته، وهو فى قطعة من أدم مربّعة دون الشّبر قد غلّفت بالأطلس الأبيض، يزعمون أن ذلك من خفّ كان لأمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، وقد بقى بهذه القطعة الأدم آثار أحرف خافية، لا تكاد تبين إلا بعد إمعان التأمّل، وتحقيق النظر، وعلى هذه القطعة
الأدم من الجلالة ولها من الموقع فى النفوس والمهابة ما يقوّى أنها صادرة عن المحل المنيف، وقرين هذه القطعة الأدم قرطاس أبيض قديم، يزعمون أن أسلافهم نقلوا ما فيه من الكتابة من كتاب رسول الله ﷺ، قبل أن تزول حروفه. وفيه تسعة أسطر بما فى ذلك من البسملة، وقد رأينا أن نضع ذلك فى هذا الكتاب على هيئته فى العدد، وإن لم يوافق الخط، وهو:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
هذا ما انطا محمد رسول الله لتميم الدارىّ واخوته حبرون والمرطوم وبيت عينون وبيت ابراهيم وما فيهن نطيه بتّ بذمتهم ونفذت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم فمن اذاهم اذاه الله فمن اذاهم لعنه الله شهد عتيق ابن ابو قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفّان وكتب على بن ابو طالب وشهد.
هكذا شاهدت تلك الورقة التى هى قرين الكتاب، والكتاب بأيديهم إلى وقتنا هذا؛ وهو العشر الآخر من ذى القعدة سنة ستّ عشرة وسبعمائة. وهذه الضّياع الأربعة المذكورة بأيديهم إلى وقتنا هذا، لا ينازعون فيها. وكان الصاحب الوزير فخر الدين عمر بن الخليلى ﵀، إذا نابته نائبة، أو صودر أو أوذى بوجه من وجوه الأذى، توسّل إلى الله تعالى بكتاب نبيه ﷺ، وأظهره للملوك، فكفوا عن طلبه، وأفرجوا عنه. ولنرجع إلى أخبار الوفود.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع