تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر أمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يصلّى

بالناس فى مرضه، وخروج رسول الله ﷺ وما كلّم به الناس، وكم صلّى أبو بكر بالناس صلاة، وما روى من أن رسول الله ﷺ ائتم بأبى بكر رضى الله عنه عن عائشة رضى الله عنها قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال: «مروا أبا بكر يصلّى بالناس» فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف، وأنه متى ما يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: «مروا أبا بكر يصلى بالناس» فقلت لحفصة: قولى له إن أبا بكر رجل أسيف، وأنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال:

«إنكنّ لأتنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر يصلى بالناس» فلما دخل أبو بكر

فى الصلاة وجد رسول الله ﷺ فى نفسه خفة فقام يهادى بين رجلين، ورجلاه تخطّان فى الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسّه ذهب أبو بكر يتأخّر، فأوما إليه رسول الله ﷺ، فجاء النبى ﷺ حتى جلس عن يسار أبى بكر، فكان أبو بكر يصلى قائما، وكان رسول الله ﷺ يصلى قاعدا؛ يقتدى أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ، والناس يقتدون بصلاة أبى بكر. رواه البخارى فى صحيحه. وروى محمد ابن سعد بسنده عن عبيد بن عمير الليثى نحوه. وقال: فلما فرغا من الصلاة قال أبو بكر: أى رسول الله، أراك أصبحت بحمد الله صالحا، وهذا يوم ابنة خارجة- امرأة لأبى بكر من الأنصار- فأذن له رسول الله ﷺ، وجلس رسول الله ﷺ فى مصلّاة أو إلى جنب المنبر، فحذّر الناس الفتن، ثم نادى بأعلى صوته، حتى إن صوته ليخرج من باب المسجد، فقال: «إنى والله لا يمسك الناس علىّ بشىء؛ لا أحلّ إلا ما أحلّ الله فى كتابه، ولا أحرّم إلا ما حرّم الله فى كتابه» ثم قال: «يا فاطمة بنت محمد ويا صفية عمة رسول الله اعملا لما عند الله فإنى لا أغنى عنكما من الله شيئا» ثم قام من مجلسه ذلك، فما انتصف النهار حتى قبضه الله تعالى. وعن سعيد بن المسيّب قال قال رسول الله ﷺ: «يا بنى عبد مناف لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا عباس ابن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد لا أغنى عنك من الله شيئا، سلونى ما شئتم». وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال:

دخلت على عائشة فقلت لها حدّثينى عن مرض رسول الله ﷺ، قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ فقال: «أصلّى الناس» ؟ فقلت:

لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: «ضعوا لى ماء فى المخضب» قالت:

ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمى عليه ثم أفاق، فقال: «أصلّى الناس» ؟ فقلت:

لا، هم ينتظرونك، فقال: «ضعوا لى ماء فى المخضب» قالت: ففعلنا فذهب فاغتسل فقال: «أصلّى الناس» ؟ قلت: لا، هم ينتظرونك، والناس عكوف فى المسجد ينتظرون رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة، قالت:

فأرسل رسول الله ﷺ إلى أبى بكر بأن يصلى بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلّى بالناس، فقال أبو بكر- وكان رجلا رقيقا-: يا عمر، صلّ بالناس، فقال له عمر: أنت أحقّ بذلك، فصلى أبو بكر تلك الأيام. ثم إن النبىّ ﷺ وجد فى نفسه خفّة فخرج بين رجلين أحدهما العباس، فصلى الظهر وأبو بكر يصلّى بالناس، قالت: فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبىّ ﷺ ألّا يتأخر، وقال لهما:

«أجلسانى إلى جنبه» فأجلساه إلى جنب أبى بكر فجعل أبو بكر يصلى، وهو قائم بصلاة النبىّ ﷺ، والناس يصلون بصلاة أبى بكر، والنبىّ ﷺ قاعد، قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له:

ألا أعرض عليك ما حدّثتنى به عائشة عن مرض رسول الله ﷺ؟

قال: هات، فعرضت [حديثها] عليه فما أنكر منه شيئا غير أنه قال: سمّت لك الرجل الذى كان مع العباس؟ قلت: لا، قال: هو علىّ بن أبى طالب.

وروى محمد بن سعد، عن محمد بن عمر، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز، وعبد العزيز بن محمد عن عمارة بن غزيّة عن محمد بن إبراهيم قال قال رسول الله ﷺ وهو مريض لأبى بكر: «صلّ بالناس» فوجد رسول الله صلّى الله

عليه وسلّم خفّة فخرج وأبو بكر يصلّى بالناس، فلم يشعر حتى وضع رسول الله ﷺ يده بين كتفيه، فنكص أبو بكر، وجلس النبىّ ﷺ عن يمينه، فصلّى أبو بكر وصلّى رسول الله ﷺ بصلاته، فلما انصرف قال:

«لم يقبض نبىّ قطّ حتى يؤمّه رجل من أمته». وروى نحوه عن أبى معشر، عن محمد ابن قيس. وعن أمّ سلمة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ كان فى وجعه إذا خف عنه ما يجد خرج فصلّى بالناس، وإذا وجد ثقله قال: «مروا الناس فليصلّوا» فصلّى بهم ابن أبى قحافة يوما الصبح فصلّى ركعة، ثم خرج رسول الله ﷺ فجلس إلى جنبه فأتمّ بأبى بكر، فلما قضى أبو بكر الصلاة أتمّ رسول الله ﷺ ما فاته. وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ صلّى فى مرضه بصلاة أبى بكر ركعة من الصبح ثم قضى الركعة الباقية. قال الواقدى: ورأيت هذا الثّبت عند أصحابنا؛ أن رسول الله ﷺ صلّى خلف أبى بكر. وروى محمد بن سعد بسنده إلى عبد الله بن زمعة بن الأسود قال:

عدت رسول الله ﷺ فى مرضه الذى توفّى فيه، فجاءه بلال يؤذنه بالصلاة، فقال لى رسول الله ﷺ: «مر الناس فليصلوا» قال عبد الله:

فخرجت فلقيت ناسالا أكلمهم، فلما لقيت عمر بن الخطاب لم أبغ من وراءه، وكان أبو بكر غائبا فقلت له: صلّ بالناس يا عمر، فقام عمر فى المقام وكان عمر رجلا مجهرا، فلما كبّر سمع رسول الله ﷺ صوته، فأخرج رأسه حتى أطلعه للناس من حجرته، فقال: «لا، لا، لا، ليصل بهم ابن أبى قحافة» قال: يقول ذلك رسول الله ﷺ مغضبا، قال: فانصرف عمر فقال لعبد الله بن زمعة:

يابن أخى أمرك رسول الله ﷺ أن تأمرنى؟ قال فقلت: لا، ولكنى لما رأيتك لم أبغ من وراءك، فقال عمر: ما كنت أظنّ حين أمرتنى

إلا أن رسول الله ﷺ أمرك بذلك، ولولا ذلك ما صلّيت بالناس، فقال عبد الله: لمّا لم أر أبا بكر رأيتك أحقّ من حضر بالصلاة. وعن عبد الله ابن عباس قال: حضرت الصلاة فقال النبىّ ﷺ: «مروا أبا بكر يصلّى بالناس» فلما قام أبو بكر مقام النبىّ ﷺ اشتدّ بكاؤه وافتتن، واشتدّ بكاء من خلفه، لفقد نبيهم ﷺ، فلما حضرت الصلاة جاء المؤذّن إلى النبىّ ﷺ فقال: قولوا للنبىّ ﷺ يأمر رجلا يصلّى بالناس، فإن أبا بكر قد افتتن من البكاء والناس خلفه، فقالت حفصة زوج النبىّ ﷺ: مروا عمر يصلى بالناس حتى يرفع الله رسوله، قال: فذهب إلى عمر فصلّى بالناس، فلما سمع النبىّ ﷺ تكبيره قال: «من هذا الذى أسمع تكبيره» ؟ فقال له أزواجه: عمر بن الخطاب، وذكروا له ما قاله المؤذّن، وما قالت حفصة، فقال رسول الله ﷺ:

«إنكنّ لصواحب يوسف، قولوا لأبى بكر فليصلّ بالناس» قال: فلو لم يستخلفه ما أطاع له الناس. وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه قال: لم يزل رسول الله ﷺ فى وجعه إذا وجد خفّة خرج، وإذا ثقل وجاءه المؤذّن قال:

«مروا أبا بكر يصلى بالناس» فخرج من عنده يوما الآمر يأمر الناس يصلون وابن أبى قحافة غائب، فصلى عمر بن الخطاب بالناس فلما كبّر قال رسول الله ﷺ: «لا، لا، أين ابن أبى قحافة» ؟ قال: فانتقضت الصفوف وانصرف عمر، قال: فما برحنا حتى طلع ابن أبى قحافة وكان بالسّنح فتقدّم فصلّى بالناس. وعن أنس بن مالك: أن أبا بكر- رضى الله عنهما- كان يصلى بهم فى وجع رسول الله ﷺ الذى توفّى فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين

وهم صفوف فى الصلاة، كشف رسول الله ﷺ ستر الحجرة ينظر إلينا، وهو قائم كأنّ وجهه ورقة مصحف، ثم تبسّم رسول الله ﷺ ضاحكا ونحن فى الصلاة من الفرح. قال: ونكص أبو بكر على عقبيه، فأشار إليهم رسول الله ﷺ «أن أتموا صلاتكم» قال: ثم دخل وأرخى الستر، فتوفّى من يومه ﷺ. وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال سألت أبا بكر بن عبد الله بن أبى سبرة: كم صلّى أبو بكر بالناس؟ قال: صلّى بهم سبع عشرة صلاة، قلت: من حدّثك ذلك؟ قال قال: حدّثنى أيوب بن عبد الرحمن ابن صعصعة، عن عبّاد بن تميم، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ، قال: صلّى بهم أبو بكر ذلك.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.