من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وقد رأينا أن نختم هذه الفصول بذكر القصيدة التى ابتسمت ثغورها بوصف معجزاته
وتحلّت نحورها بجواهر صفاته، ورفلت فى حلل الفخار من باهر آياته، وسحبت ذيول الافتخار بإشارات إلى غزواته، وفاح أرجها فأخجل المسك الدّارىّ، وأشرقت أنوارها على النيرين
فما ظنك بالدرارىّ، وهى قصيدة الشيخ الإمام العلامة أبى محمد عبد الله بن زكريا الشّقراطيسىّ رحمه الله تعالى، وإنما اقتصرنا عليها وصرفنا الرغبة دون غيرها إليها لاشتمالها على جمل من أخباره السنية، ونكت من آثاره التى هى بكل خير ملية، وهى:
الحمد لله منّا باعث الرسلهدى بأحمد منّا أحمد السّبل
خير البرية من بدو ومن حضروأكرم الخلق من حاف ومنتعل
توراة موسى أتت عنه فصدّقهاإنجيل عيسى بحقّ غير مفتعل
أخبار أحبار أهل الكتب قد وردتعما رأوا ورووا فى الأعصر الأول
ضاءت لمولده الآفاق وانصلتبشرى الهواتف فى الإشراق والطّفل
وصرح كسرى تداعى من قواعدهوانقاض منكسر الأرجاء ذا ميل
ونار فارس لم توقد وما خمدتمذ ألف عام ونهر القوم لم يسل
خرّت لمبعثه الأوثان وانبعثتثواقب الشهب ترمى الجنّ بالشّعل
ومنطق الذئب بالتصديق معجزةمع الذراع ونطق العير والجمل
وفى دعائك بالأشجار حين أتتتسعى بأمرك فى أغصانها الذّلل
وقلت عودى فعادت فى منابتهاتلك العروق بإذن الله لم تمل
والسّرح بالشام لما جئتها سجدتشمّ الذوائب فى أغصانها الخضل
والجذع حنّ لأن فارقته أسفاحنين ثكلى شجتها لوعة الثّكل
ما صبر من صار من عين على أثروحال من حال من حال إلى عطل
حيى فمات سكونا ثم مات لدنحيى حنينا فأضحى غاية المثل
والشاة لمّا مسحت الكفّ منك علىجهد الهزال بأوصال لها قحل
سحّت ودرّت بشكر الضرع حافلةفروّت الركب بعد النّهل بالعلل
وآية الغار إذ وقّيت فى حجبعن كل رجس لرجس الكفر منتحل
وقال صاحبك الصّدّيق كيف بناونحن منهم بمرأى الناظر العجل
فقلت لا تحزن ان الله ثالثناوكنت فى حجب ستر منه منسدل
حمّت لديك حمام الوحش جاثمةكيدا لكل غوىّ القلب مختبل
والعنكبوت أجادت حوك حلّتهافما يخال خلال النّسج من خلل
قالوا: وجاءت إليه سرحة سترتوجه النبىّ بأغصان لها هدل»
وفى سراقة آيات مبنيّةإذ ساخت الحجر فى وحل بلا وحل
عرجت تخترق السبع الطّباق إلىمقام زلفى كريم قمت فيه عل
عن قاب قوسين أو أدنى هبطت ولمتستكمل الليل بين المرّ والقفل
دعوت للخلق عام المحل مبتهلاأفديك بالخلق من داع ومبتهل
صعّدت كفّيك إذ كفّ الغمام فماصوّبت إلّا بصوب الواكف الهطل
أراق بالأرض ثجّا صوب ريّقهفحلّ بالأرض نسجا رائق الحلل
زهر من النّور حلّت روض أرضهمزهرا من النّور ضافى النبت مكتهل
من كل غصن نضير مورق خضروكل نور نضيد مونق خضل
تحية أحيت الأحياء من مضربعد المضرة تروى السّبل بالسّبل
دامت على الأرض سبعا غير مقلعةلولا دعاؤك بالإقلاع لم تزل
ويوم زورك بالزّوراء إذ صدروامن يمن كفّك عن أعجوبة مثل
والماء ينبع جودا من أناملهاوسط الإناء بلا نهر ولا وشل
حتى توضأ منه القوم واغترفواوهم ثلاث مئين جمع محتفل
أشبعت بالصاع ألفا مرملين كمارؤيت ألفا ونصف الألف من سمل
وعاد ما شبع الألف الجياع بهكما بدوا فيه لم ينقص ولم يحل
أعجزت بالوحى أصحاب البلاغة فىعصر البيان فضلّت أوجه الحيل
سألتهم سورة فى مثل حكمتهفتلّهم عنه حين العجز حين تلى
ورام رجس كذوب أن يعارضهبعىّ غىّ فلم يحسن ولم يطل
مثبّج بركيك الإفك ملتبسملجلج بزرىّ الزّور والخطل
يمجّ أول حرف منه سامعهويعتريه كلال العجز والملل
كأنّه منطق الورهاء شذّبهلبس من الخبل أو مسّ من الخبل
أمرّت البئر واغورّت لمجّتهفيها وأعمى بصير العين بالتّفل
وأيبس الضّرع منه شؤم راحتهمن بعد إرساله بالرّسل منهمل
برئت من دين قوم لا قوام لهمعقولهم من وثاق الغىّ فى غلل
يستخبرون خفىّ الغيب من حجرصلد ويرجون غوث النصر من هبل
نالوا أذّى منك- لولا حلم خالقهموحجّة الله بالإنذار لم تنل
واستضعفوا أهل دين الله فاصطبروالكل معضل خطب فادح جلل
لاقى بلال بلاء من أميّة قدأحلّه الصبر فيه أكرم النّزل
إذ أجهدوه بضنك الضّنك وهو علىشدائد الأزل ثبت الأزر لم يزل
ألقوه بطحا برمضاء البطاح وقدعالوا عليه صخورا جمّة الثّقل
فوحّد الله إخلاصا وقد ظهرتبظهره كنده ب الطّلّ فى الطّلل
إن قدّ ظهر ولىّ الله من دبرقد قدّ قلب عدوّ الله من قبل
نفرت فى نفر لم ترض أنفسهمإذ نافروا الرّجس إلّا القدس من نفل
بأنفس بدّلت فى الخلد إذ بذلتعن صدق بذل ببدر أكرم البدل
قالوا: محمد قد حلّت كتائبهكالأسد تزأر فى أنيابها العصل
فويل مكّة من آثار وطأتهوويل أمّ قريش من جوى الهبل
فجدت عفوا بفضل العفو منك ولمتلمم ولا بأليم اللّوم والعذل
أضربت بالصّفح صفحا عن طوائلهمطولا أطال مقيل القوم فى المقل»
رحمت واشج أرحام أتيح لهاتحت الوشيج نشيج الرّوع والوجل
عاذوا بظل كريم العفو ذى لطفمبارك الوجه بالتوفيق مشتمل
أحبب بخيل من التّكوين قد جنبتلجانب عن جناب الحقّ معتزل
أعميت جيشا بكفّ من حصى فجثواوعطّلوا عن حراك النّفل بالنّقل
ودعوة بفناء البيت صادقةغدا أميّة منها شرّ منخزل
غادرت جهل أبى جهل بمجهلةوشاب شيبة قبل الموت من وجل
وعتبة الشّرّ لم يعتب فتعطفهمنك العواطف قبل الفوت فى مهل
وعقبة الغمر عقباه لشقوتهقد ظلّ من غمرات الغىّ فى ظلل
وكلّ أشوس عاتى القلب منقلبجعلته بقليب البئر كالجعل
وجاثم بمثار النّقع مشتغلبجاحم من أوار النار مشتعل
عقدت بالحزى فى عطفى مقلّدهمطوق الحمامة باق غير منتقل
أمسى خليل صغار بعد نخوتهبالأمس فى خيلاء الخيل والخول
دام يديم زفيرا فى جوانحهجنح من الشّكّ لم يجنح ولم يمل
يقاد فى القدّ خنقا مشربا حنقايمشى به الذّعر مشى الشارب الثّمل
أوصاله من صليل الغلّ فى عللوقلبه من غليل الغلّ فى غلل
يظلّ يحجل ساجى الطرف خافضهبمسكة الحجل لا من مسكة الحجل
أرحت بالسيف ظهر الأرض من نفرأزحت بالصدق منهم كاذب العلل
تركت بالكفر صدعا غير ملتئموآب منك بقرح غير مندمل
وأفلت السيف منهم كلّ ذى أسفعلى الحمام حماه آجل الأجل
قد أعتقته عتاق الخيل وهو يرىبه إلى رقّ موت رقّة الغزل
فكم بمكة من باك وباكيةبفيض سجل من الآماق منسجل
وكاسف البال بالى الصبر جدت لهبوابل من وبال الخزى متّصل
فؤاده من سعير الغيظ فى غللوعينه من غزير الدمع فى غلل
قد أسعرت منه صدرا غير مصطبروحمّلت منه قلبا غير محتمل
ويوم مكة إذ أشرفت فى أمميضيق عنها فجاج الوعر والسّهل
خوافق ضاق ذرع الخافقين بهافى قاتم من عجاج الخيل والإبل
وجحفل قذف الأرجاء ذى لجبعرمرم كزهاء الليل منسدل
وأنت- صلى عليك الله- تقدمهمفى بهو إشراق نور منك مكتمل
ينير فوق أغرّ الوجه منتجبمتوّج بعزيز النصر مقتبل
تسمو أمام جنود الله مرتدياثوب الوقار لأمر الله ممتثل
خشعت تحت لواء العزّحين سمتبك المهابة فعل الخاضع الوجل
وقد تباشر أملاك السماء بماملّكت إذ نلب منه غاية الأمل
والأرض ترجف من زهو ومن فرقوالجوّ يزهر إشراقا من الجذل
والخيل تختال ميلا فى أعنّتهاوالعيس تنثال رهوا من ثنى الجدل
لولا الذى خطّت الأقلام من قدروسابق من قضاء غير ذى حول
أهلّ ثهلان بالتهليل من طربوذاب يذبل تكبيرا من الذّبل
الملك لله هذا عزّ من عقدتله النبوّة فوق العرش فى الأزل
شعبت صدع قريش بعد ما قذفتبهم شعوب شعاب السّهل والقلل
من كل مهتصر لله منتصربالسيف مختصر بالرّمح معتقل
يمشى إلى الموت عالى الكعب معتقلاأظمى الكعوب كمشى الكاعب الفضل
قد قاتلوا دونك الأقيال عن جلدوجالدوا بجلاء البيض والجدل
وصلتهم وقطعت الأقربين معافى الله لولاه لم تقطع ولم تصل
وجاء جبريل فى جند لهم عددلم يبتذلها أكفّ الخلق بالعمل
بيض من العون لم تستلّ من عمدخيل من الكون لم تستنّ فى طيل
أزكى البرية أخلاقا وأطهرهاوأكثر الناس صفحا عن ذوى الزّلل
زان الخشوع وقار منه فى خفرأرقّ من خفر العذراء فى الكلل
وطفت فى البيت محبورا وطاف بهمن كان عنه قبيل الفتح فى شغل
والكفر فى ظلمات الرّجس مرتكسثاو بمنزلة البهموت من زحل
حجزت بالأمن أقطار الحجاز معاوملت بالخوف عن خيف وعن ملل
وحلّ أمن ويمن منك فى يمنلما أجابت إلى الإيمان فى عجل
وأصبح الدين قد حفّت جوانبهبعزة النصر واستعلى على الملل
قد طاع منحرف منهم لمعترفوانقاد منعدل منهم لمعتدل
أحبب بخلّة أهل الحقّ فى الخللوعزّ دولته الغرّاء فى الدول
أمّ اليمامة يوم منه مصطلموحلّ بالشام شؤم غير مرتحل
تعرّقت منه أعراق العراق ولميترك من التّرك عظما غير منتثل
لم يبق للفرس ليث غير مفترسولا من الحبش جيش غير منجفل
ولا من الصّين صون غير مبتذلولا من الروم مرمى غير منتضل
ولا من النّوب جذم غير منجذمولا من الزّنج جذل غير منجذل
ونيل بالسّيف سيف النّيل واتصلتدعوى الجنود فكلّ بالجلاد صلّى
وسلّ بالغرب غرب السيف إذ شرقتبالشرق قبل صدور البيض والأسل
وعاد كل عدوّ عزّ جانبهقد عاذ منك ببذل منه مبتذل
بذمّة الله والإيمان متّصلأو من شبا النّصل بالأموال منتصل
يا صفوة الله قد صافيت فيك صفاصفو الوداد بلا شوب ولا دخل
ألست أكرم من يمشى على قدممن البرية فوق السهل والجبل
وأزلف الحلق عند الله منزلةإذ قيل فى مشهد الأشهاد والرسل
قم يا محمد فاشفع فى العباد وقلتسمع وسل تعط واشفع عائدا وسل
والكوثر الحوض يروى الناس من ظمأبرح وينقع منه لاعج الغلل
أصفى من الثلج إشراقا مذاقتهأحلى من اللبن المضروب بالعسل
نحلتك الودّ علىّ إذ نحلتكهأحبى بفضلك منه أفضل النّحل
فما لجلدى بنضج النار من جلدولا لقلبى بهول الحشر من قبل
يا خالق الخلق لا تخلق بما اجترمتيداى وجهى من حوب ومن زلل
واصحب وصلّ وواصل كلّ صالحةعلى صفيّك فى الإصباح والأصل
ﷺ وقد آن أن نأخذ فى ذكر أخبار وفاة رسول الله ﷺ، ونبدأ من ذلك بما أنزل عليه عند اقتراب أجله، ثم نذكر ابتداء وجعه والحوادث التى انفقت فى أثناء مرضه إلى حين وفاته ﷺ.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع