من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ومن معجزاته ﷺ إجابة دعائه
وهذا فصل متسع جدّا، نذكر منه ما اشتهر وانتشر، وتواترت به الأخبار وتداولته الرّواة، ونقله أصحاب السّير، ولا شك ولا خلاف بين أحد من الأمة فى إجابة دعائه ﷺ؛ وقد روى عن حذيفة أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا دعا لرجل أدركت الدعوة ولده وولد ولده. روى عن أنس بن مالك قال: قالت أمى يا رسول الله، خادمك أنس ادع الله له؛ قال:
«اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما آتيته» قال أنس: فو الله إن مالى لكثير، وإن ولدى وولد ولدى ليعادّون اليوم على نحو المائة، وما أعلم أحدا أصاب من رخاء العيش ما أصبت، ولقد دفنت بيدى هاتين مائة من ولدى، لا أقول سقطا ولا ولد ولد. ودعا ﷺ لعبد الرحمن بن عوف بالبركة، قال عبد الرحمن: فلو رفعت حجر لرجوت أن أصيب تحته ذهبا، ولما مات حفر الذهب من تركته بالفؤس حتى مجلت فيه الأيدى، وأخذت كل زوجة ثمانين ألفا، وكنّ أربعا، وقيل: مائة ألف، وقيل: بل صولحت إجداهن- لأنه طلقها فى مرضه- على نيف وثمانين ألفا، وأوصى بخمسين ألفا بعد صدقاته الفاشية فى حياته. ودعا لمعاوية بالتمكين فى البلاد فنال الخلافة. ولسعد بن أبى وقّاص أن
يجيب الله دعوته، فما دعا على أحد إلا استجيب له. ودعا أن يعزّ الله الإسلام بعمر أو بأبى جهل فاستجيب له فى عمر رضى الله عنه؛ قال ابن مسعود: ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر. وقال لأبى قتادة: «أفلح وجهك، اللهم بارك له فى شعره وبشره » فمات وهو ابن سبعين سنة وكأنّه ابن خمس عشرة. وقال للنابغة:
«لا يفضض الله فاك» قال: فما سقطت له سنّ، وكان، أحسن الناس ثغرا، إذا سقطت له سنّ نبتت له أخرى، وعاش عشرين ومائة سنة، وقيل: أكثر.
ودعا لعبد الله بن عباس رضى الله عنهما: «اللهم فقّهه فى الدين وعلمه التأويل» فسمى بعد الحبر وترجمان القرآن. ودعا لعبد الله بن جعفر بالبركة فى صفقة يمينه؛ فما اشترى شيئا إلا ربح فيه. ودعا للمقداد بالبركة؛ فكان عنده غرائر من المال.
ودعا كذلك لعروة بن أبى الجعد، قال: فلقد كنت أقوم بالكناسة فما أرجع حتى أربح أربعين ألفا. ودعا لعلىّ أن يكفى الحرّ والقرّ، فكان يلبس فى الشتاء ثياب الصيف، وفى الصيف ثياب الشتاء، ولا يصيبه حرّ ولا برد. ودعا على مضر فأقحطوا حتى استعطفته قريش فدعا لهم فسقوا. وتقدم خبره فى دعائه فى الاستسقاء والاستضحاء. ودعا على كسرى أن يمزّق ملكه فلم يبق له باقية، ولم تعد لفارس مملكة. وقال لرجل رآه يأكل بشماله: «كل بيمينك» قال: لا أستطيع، فقال:
«لا استطعت» فلم يرفعها إلى فيه بعد. وقال فى عتبة بن أبى لهب: «اللهم سلّط
عليه كلبا من كلابك» فأكله الأسد كما تقدم. ودعا على مجلّم بن جثّامة، فمات لسبع فلفظته الأرض ثم ووروى فلفظته، فألقوه فى صدّين ورضموا عليه بالحجارة، والصّدّ جانب الوادى. ودعواته ﷺ كثيرة عليه أفضل الصلاة والسلام.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع