تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ومنه ما روى من تسخير الأسد لسفينة مولى رسول الله ﷺ

إذ وجّهه إلى معاذ باليمن، فلقى الأسد فعرّفه أنه مولى رسول الله ﷺ ومعه كتابه، فهمهم وتنحّى عن الطريق، وذكر فى منصرفه مثل ذلك.

وفى رواية أخرى عنه: أن سفينة تكسرت به، فخرج إلى جزيرة فإذا الأسد؛ قال فقلت: أنا مولى رسول الله ﷺ فجعل يغمزنى بمنكبه حتى أقامنى على الطريق. وروى أنه ﷺ أخذ بأذن شاة لقوم من عبد القيس بين إصبعيه ثم خلّاها، فصار لها ميسما، وبقى ذلك الأثر فيها وفى نسلها. وقد روى عن إبراهيم بن حمّاد بسنده كلام الحمار الذى أصابه بخيبر، وقال له:

[ما اسمك قال]: اسمى يزيد بن شهاب، فسماه النبى ﷺ يعفورا وأنه كان يوجهه إلى دور أصحابه فيضرب عليهم الباب برأسه ويستدعيهم، وأن النبى ﷺ لما مات، تردّى فى بئر جزعا وحزنا فمات. وخبر الناقة التى شهدت عند النبى ﷺ لصاحبها أنه ما سرقها وأنها ملكه. وخبر العنز التى أتت رسول الله ﷺ فى عسكره، وقد أصابهم عطش ونزلوا على غير ماء وهم زهاء ثلاثمائة، فحلبها رسول الله ﷺ فأروى الجند، ثم قال لرافع: «املكها وما أراك » فربطها فوجدها قد انطلقت. رواه ابن قانع وغيره، وفيه: فقال رسول الله ﷺ: «إن الذى جاء بها هو الذى ذهب بها». وقال ﵇ لفرسه، وقد قام إلى الصلاة فى بعض أسفاره:

«لا تبرح بارك الله فيك حتى نفرغ من صلاتنا» وجعله قبلته فما حرّك عضوا حتى فرغ من صلاته ﷺ.

ومن معجزاته ﷺ ما روى من كلام الأموات والأطفال وشهادتهم له بالنبوّة.

فمن ذلك ما روى عن فهد بن عطية: أن النبى ﷺ أتى بصبىّ قد شبّ لم يتكلم قطّ، فقال له: «من أنا» ؟ فقال: رسول الله.

وعن معرّض بن معيقيب قال: رأيت من النبى ﷺ عجبا، جىء

بصبىّ يوم ولد، فذكر مثله، وهو حديث مبارك اليمامة، ويعرف بحديث شاصونه اسم راويه، وفيه؛ فقال له النبى ﷺ: «صدقت بارك الله فيك» ثم إن الغلام لم يتكلم بعدها حتى شبّ، فكان يسمى مبارك اليمامة، وكانت هذه القصة بمكة فى حجة الوداع.

وعن الحسن رضى الله عنه: أتى رجل النبىّ ﷺ فذكر له أنه طرح بنيّة له فى وادى كذا، فانطلق معه إلى الوادى وناداها باسمها «يا فلانة احيى بإذن الله» فخرجت وهى تقول: لبّيك وسعديك، فقال لها: «إن أبويك قد أسلما فإن أحببت أن أردّك عليهما» قالت: لا حاجة لى فيهما، وجدت الله خيرا لى منهما.

وعن أنس رضى الله عنه أن شابا من الأنصار توفّى وله أمّ عجوز عمياء قال:

فسجّيناه وعزّيناها فقالت: مات ابنى؟ قلنا: نعم، قالت: اللهم إن كنت تعلم أنى هاجرت إليك وإلى نبيك رجاء أن تعيننى على كل شدّة، فلا تحمّلنّ علىّ هذه المصيبة

، قال: فما برحنا أن كشف الثوب عن وجهه فطعم وطعمنا.

وروى عن عبد الله بن عبيد الله الأنصارى قال: كنت فيمن دفن ثابت بن قيس ابن شمّاس- وكان قتل باليمامة- فسمعناه حين أدخلناه القبر يقول:

محمد رسول الله، أبو بكر الصدّيق، عمر الشهيد، وعثمان البرّ الرحيم، فنظرنا فإذا هو ميّت. وذكر عن النعمان بن بشير: أن زيد بن خارجة خرّ ميتا فى بعض أزقة

المدينة، فرفغ وسجّى إذ سمعوه بين العشاءين والنساء يصرخن حوله يقول: أنصتوا أنصتوا، فحسر عن وجهه، فقال: محمد رسول الله، النبىّ الأمىّ، وخاتم النبيين، كان ذلك فى الكتاب الأوّل، ثم قال: صدق صدق، وذكر أبا بكر وعمر وعثمان ثم قال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثم عاد ميتا. ومن ذلك قصة الذّراع وقول رسول الله ﷺ لأصحابه: ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتنى أنها مسمومة. وقد تقدّم خبر الذراع. والله منجى المتقين ووليهم.

ومن معجزاته ﷺ إبراء المرضى وذوى العاهات، كردّ عين قتّادة، وكشف بصر الضرير، وتفله ﷺ على جراحات فبرأت، وغير ذلك مما نشرحه إن شاء الله تعالى.

أما عين قتادة بن النعمان فقد روينا بإسناد متّصل عن سعد بن أبى وقّاص:

أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه يوم أحد حتى وقعت على وجنته، فردّها رسول الله ﷺ فكانت أحسن عينيه. وذكر الأصمعى عن أبى معشر المدنى قال: أوفد أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، بديوان المدينة إلى عمر بن عبد العزيز رجلا من ولد قتادة بن النعمان، فلما قدم عليه قال له: ممن الرجل؟ قال:

أنا ابن الذى سالت على الخدّ عينهفردّت بكفّ المصطفى أحسن الرد
فعادت كما كانت لأوّل أمرهافياحسن ما عين ويا حسن ما ردّ

فقال عمر بن عبد العزيز:

تلك المكارم لا قعبان من لبنشيبا بماء فعادا بعد أبوالا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «ليطلب الثأر أمثال ابن ذي يزن»

حكاه ابن عبد البر. وروى النّسائىّ عن عثمان بن حنيف أن أعمى قال: يا رسول الله، ادع الله أن يكشف لى عن بصرى. قال: «فانطلق فتوضأ ثم صلّ ركعتين، ثم قل اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيّى محمد نبى الرحمة يا محمد إنى أتوجّه بك إلى ربك أن يكشف عن بصرى اللهم شفعه فىّ» قال: فرجع وقد كشف الله عن بصره.

وروى أن ابن ملاعب الأسنّة أصابه استسقاء فبعث إلى النبى ﷺ، فأخذ بيده حثوة من الأرض فنقل عليها، ثم أعطاها رسوله، فأخذها متعجبا- يرى أنه قد هزئ به- فأتاه بها وهو على شفا فشربها فشفاه الله. وذكر العقيلىّ عن حبيب بن فديك- ويقال فويك - أن أباه ابيضّت عيناه، فكان لا يبصر بهما شيئا، فنفث رسول الله ﷺ فى عينيه فأبصر، فرأيته يدخل الخيط فى الإبرة وهو ابن ثمانين.

وأتنه امرأة من خثعمّ معها صبىّ به بلاء لا يتكلم، فأتى بماء فمضمض فاه وغسل يديه ثم أعطاها إباه وأمرها بسقيه ومسّه به، فبرأ الغلام، وعقل عقلا، يفضل عقول الناس. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: جاءت امرأة بابن لها به جنون، فمسح رسول الله ﷺ صدره فثع»

ثعّة فخرج

من جوفه مثل الجرو الأسود فشفى. وكانت فى كفّ شرحبيل الجعفى سلعة، تمنعه القبض على السيف وعنان الدابة، فشكاها إلى النبىّ ﷺ، فما زال يطحنها بكفّه حتى رفعها ولم يبق لها أثر. وسألته جارية طعاما وهو يأكل، فناولها من بين يديه، وكانت قليلة الحياء، فقالت: إنما أريد من الذى فى فيك، فناولها ما فى فيه، ولم يكن يسأل شيئا فيمنعه، فلما استقر فى جوفها ألقى عليها من الحياء ما لم تكن امرأة بالمدينة أشدّ حياء منها.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.