من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر أخبار الخوارج فى أيام معاوية وما كان من أمرهم
كان أول من خرج بعد أن استقل معاوية بالأمر فروة بن نوفل الأشجعى، وكان قد اعتزل فى خمسمائة من الخوارج، وسار إلى شهرزور، وترك قتال علىّ والحسن.
فلما ولى معاوية قال: «جاء الآن ما لا شكّ فيه، سيروا إلى معاوية فجاهدوه». فسار بهم حتى نزل النّخيلة (عند الكوفة).
وكان الحسن بن علىّ قد سار يريد المدينة، فكتب إليه معاوية بدعوه إلى قتال فروة بن نوفل، فلحقه رسوله بالقادسيّة، أو قريبا منها، فلم يرجع، وكتب إلى معاوية يقول: «لو آثرت أن أقاتل أحدا من أهل القبلة لبدأت بقتالك، فإنى تركته لصلاح الأمة وحقن دمائها» فأرسل إليهم معاوية جمعا من أهل الشام، فقاتلوهم، فانهزم أهل الشام.
فقال معاوية لأهل الكوفة: والله لا أمان لكم عندى حتّى تكفونيهم! فخرج أهل الكوفة إليهم، فقاتلوهم، فقالت الخوارج لهم: «أليس معاوية عدوّنا وعدوّكم؟ دعونا حتّى نقاتله، فإن أصبناه كنّا قد كفيناكم عدوّكم، وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا». فقالوا: لا بدّ لنا من قتالكم. فأخذت أشجع صاحبهم فروة، فوعظوه، فلم يرجع، فأدخلوه الكوفة قهرا.
فاستعمل الخوارج عليهم عبد الله بن أبى الحوساء (رجل من طيّئ) فقاتلهم أهل الكوفة، فقتلوهم فى شهر ربيع الأول، أو ربيع الآخر، سنة إحدى وأربعين. وقتل ابن أبى الحوساء، وكان حين ولى أمر الخوارج قد خوّف من السلطان أن يصلبه إذا ظفر بهم، فقال:
ما إن أبالى إذا أرواحنا قبضتماذا فعلتم بأوصال وأبشار
تجرى المجرّة والنّسران عن قدروالشمس والقمر السارى بمقدار
وقد علمت وخير القول أنفعهأنّ السعيد الّذى ينجو من النار
ثم خرج حوثرة بن وداع، وذلك أنه لمّا قتل ابن أبى الحوساء اجتمع الخوارج فولّوا أمرهم حوثرة بن وداع بن مسعود الأسدى، فقام فيهم، فعاب فروة بن نوفل فى شكّه فى قتال علىّ رضى الله عنه، ودعا الخوارج وساربهم من براز الرّوز- وكان بها- حتّى قدم النّخيلة فى مائة وخمسين، وانضمّ إليهم فلّ ابن أبى الحوساء، وهم قليل.
فدعا معاوية أبا حوثرة فقال له: اخرج إلى ابنك لعله يرقّ إذا رآك. فخرج إليه وكلّمه وناشده وقال له: ألا آتيك بابنك لعلك إذا رأيته كرهت فراقه! فقال: أنا إلى طعنة برمح من يد كافر أتقلب فيه ساعة أشوق منّى إلى ابنى! فرجع أبوه فأخبر معاوية بمقالتة.
فسيّر إليه عبد الله بن عوف بن أحمر فى ألفين، وخرج أبو حوثرة فيمن خرج، فدعا ابنه إلى البراز، فقال له: يا أبت لك فى غيرى سعة.
فقاتله ابن عوف وقتله مبارزة، وقتل أصحابه إلّا خمسين رجلا دخلوا الكوفة، وذلك فى جمادى الآخرة من السنة.
ورأى ابن عوف بوجه حوثرة أثر السجود، وكان صاحب عبادة فندم على قتله، وقال:
قتلت أخا بنى أسد سفاهالعمر أبى فما لقّيت رشدى
قتلت مصلّيا محياه ليلطويل الحزن ذا برّ وقصد
قتلت أخا تقى لأنال دنياوذاك لشقوتى وعثار جدّى
فهب لى توبة يا ربّ واغفرلما قارفت من خطأ وعمد
ثم خرج فروة بن نوفل الأشجعى على المغيرة بن شعبة، وذلك بعد مسير معاوية، فوجّه إليه المغيرة خيلا عليها شبث بن ربعىّ، وقيل: معقل بن قيس، فلقيه بشهرزور، وقيل بالسواد.
وخرج شبيب بن بحرة، وكان شبيب مع ابن ملجم حين قتل عليّا، كما ذكرنا، فلما دخل معاوية الكوفة أتاه شبيب كالمتقرب إليه، فقال: أنا وابن ملجم قتلنا عليا. فوثب معاوية مذعورا من مجلسه
حتّى دخل منزله، وبعث إلى أشجع وقال: «لئن رأيت شبيبا أو بلغنى أنه ببابى لأهلكنّكم!] أخرجوه عن بلدكم!».
فكان شبيب إذا جنّ عليه الليل خرج فلم يلق أحدا إلا قتله. فلما ولى المغيرة خرج عليه بالطّفّ (بقرب الكوفة)، فبعث المغيرة خيلا. عليها خالد بن عرفطة، وقيل: معقل بن قيس، فاقتتلوا، فقتل شبيب وأصحابه.
وبلغ المغيرة أنّ معين بن عبد الله- وهو رجل من محارب- يريد الخروج، فأخذه وحبسه وبعث إلى معاوية يخبره، فكتب إليه: إن شهد أنى خليفة فخلّ سبيله. فأحضره المغيرة، فأبى أن يشهد بخلافة معاوية، فقتله.
ثمّ خرج أبو مريم مولى بنى الحارث بن كعب، ومعه امرأتان:
قطام وكحيلة، وكان أوّل من أخرج معه النساء، فعاب عليه ذلك أبو بلال بن أديّة، فقال: قد قاتل النساء مع رسول الله ﷺ ومع المسلمين بالشام، وسأردّهما فردّهما. فوجّه إليه
المغيرة جابرا البجلى، فقاتله، فقتل أبو مريم وأصحابه ببادوريا.
وخرج أبو ليلى- وكان أسود طويلا- ومعه ثلاثون من الموالى فبعث إليه المغيرة معقل بن قيس الرّياحى، فقتله بسواد الكوفة فى سنة اثنتين وأربعين.
وخرج سهم بن غالب الهجيمى فى سنة إحدى وأربعين بالبصرة على عبد الله بن عامر، فى سبعين رجلا، منهم الخطيم الباهلى واسمه زياد بن مالك، وإنما قيل له «الخطيم» لضربة ضربها على وجهه. فنزلوا بين الجسرين والبصرة، فمرّ بهم عبادة بن قرص الليثى، وقد انصرف من الغزو ومعه ابنه وابن أخيه، فقال لهم الخوارج: من أنتم؟ قالوا: قوم مسلمون. قالوا: كذبتم.
قال عبادة: «سبحان الله! اقبلوا منّا ما قبل النبى ﷺ منى، فإنى كذّبته وقاتلته، ثم أتيته فأسلمت، فقبل ذلك منّى».
قالوا: أنت كافر، وقتلوه وقتلوا ابنه وابن أخيه، فخرج إليهم ابن عامر فقاتلهم، فقتل منهم عدّة، وانحاز بقيّتهم إلى أجمة، وفيهم سهم والخطيم، فأمّنهم ابن عامر ورجعوا، وكتب إلى معاوية، فأمره بقتلهم، فلم يقتلهم، وكتب إلى معاوية: إنّى جعلت لهم ذمّتك.
فلمّا أتى زياد بن أبيه البصرة فى سنة خمس وأربعين هرب الخطيم إلى الأهواز، واجتمع إلى سهم جماعة، فأقبل بهم إلى البصرة، فتفرق عنه أصحابه، فاختفى وطلب الأمان، فلم يؤمّنه زياد، وبحث عنه وأخذه فقتله وصلبه فى داره.. وقيل: إنه لم يزل مستخفيا حتّى مات زياد، فأخذه عبيد الله بن زياد وصلبه فى سنة أربع وخمسين، فقال رجل من الخوارج:
فإن تكن الأحزاب باءوا بصلبهفلا يبعدنّ الله سهم بن غالب
وأما الخطيم فإن زيادا سأله عن قتل عبادة، فأنكره، فسيره إلى البحرين، ثم أعاده بعد ذلك، وقيل: إنه قتله.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع