من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر غزوة القسطنطينية
وفى سنة تسع وأربعين- وقيل: فى سنة خمسين- بعث معاوية جيشا كثيفا إلى بلاد الروم عليهم سفيان بن عوف وكان فى هذا الجيش عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزّبير وأبو أيّوب الأنصارى، وعبد العزيز بن زرارة الكلابى وغيرهم.
وأمر معاوية ابنه يزيد بالغزاة معهم، فتثاقل واعتلّ، فأمسك عنه أبوه، فأصاب الناس فى غزاتهم جوع ومرض شديد، فقال يزيد:
ما إن أبالى بما لاقت جموعهموبالغذقذونة من حمّى ومن موم
إذا اتّكأت على الأنماط مرتفقابدير مرّان عندى أمّ كلثوم
(وأم كلثوم: امرأته، وهى ابنة عبد الله بن عامر) فبلغ معاوية شعره، فأقسم عليه: ليلحقن بسفيان فى أرض الرّوم ليصيبه ما أصاب الناس. فسار ومعه جمع كثير أضافهم إليه أبوه، فلحق بهم.
وأوغل المسلمون فى بلاد الروم، حتّى بلغوا القسطنطينيّة، والتقوا بالروم، واقتتلوا فاشتدّت الحرب بينهم فى بعض الأيام فلم يزل عبد العزيز بن زرارة يتعرض للشهادة، فلم يقتل، فأنشأ يقول:
قد عشت فى الدهر أطوارا على طرقشتّى، فصادفت منها اللين والبشعا
كلّا بلوت، فلا النّعماء تبطرنىولا تخشّعت من لأوائها جزعا
لا يملأ الأمر صدرى قبل موقعهولا أضيق به ذرعا إذا وقعا
ثمّ حمل على من يليه، فقتل فيهم، وانغمس بينهم، فشجره الروم برماحهم، حتى قتلوه، ﵀، فبلغ قتله معاوية، فقال
لأبيه: هلك والله فتى العرب! فقال: ابنى أو ابنك! قال ابنك فآجرك الله! فقال:
فإن يكن الموت أودى بهوأصبح مخّ الكلابىّ ريرا
فكلّ فتى شارب كأسهفإمّا صغيرا وإمّا كبيرا
قال: ثم رجعوا إلى الشام، وتوفّى أبو أيّوب الأنصارى عند القسطنطينيّة، فدفن بالقرب من سورها، فأهلها يستسقون به.
وفى سنة خمسين غزا بسر بن أرطاة وسفيان بن عوف الأزدى أرض الروم، وغزا فضالة بن عبيد الأنصارى فى البحر.
وفى سنة إحدى وخمسين كان مشتى فضالة بن عبيد بأرض الروم، وغزوة بسر بن أرطاة الصائفة.
وفى سنة اثنتين وخمسين غزا سفيان بن عوف الأزدى الروم، وشتى بأرضهم، وتوفّى بها فى قول، فاستخلف عبد الله بن مسعدة الفزارى، وقيل: إن الذى شتى فى هذه السنة بأرض الروم بسر بن أرطاة ومعه سفيان بن عوف. وغزا الصائفة محمد بن عبد الله الثقفى.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع