تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ظهور المقنّع بخراسان وهلاكه

فى هذه السنة ظهر المقنع بخراسان، وكان رجلا أعور قصيرا من أهل مرو، وكان يسمى حكيما، وكان اتخذ وجها من ذهب، وجعله على وجهه لئلا يرى فسمى المقنع، وادعى الإلهية ولم يظهر ذلك لجميع أصحابه، وكان يقول: إن الله خلق آدم فتحوّل فى صورته، ثم فى صورة نوح وهكذا إلى أبى مسلم الخراسانى، ثم تحوّل إلى هاشم، وهاشم فى دعواه هو المقنع، ويقول بالتناسخ، فبايعه خلق من ضلال الناس، وكانوا يسجدون له من أى النواحى كانوا، وكانوا يقولون فى الحرب: يا هاشم

أعنّا، واجتمع إليه خلق كثير، وتحصّنوا فى قلعة سام بزده، وظهرت المبيضة ببخارى والصغد معاونين له، وأعانه كفار الأتراك وأغاروا على أموال المسلمين، واجتمعوا بكش وغلبوا على بعض قصورها فحاربهم أبو النعمان والجنيد وليث بن نصر مرة بعد مرة، ثم اشتغلوا بقتال المبيضة فقاتلوهم أربعة أشهر، وهزموهم فلحق منهزموهم بالمقنع، ثم سيّر المهدى أبا عون لمحاربة المقنّع، فلم يبالغ فى قتاله فعزله واستعمل معاذ بن مسلم، فسار معاذ فى سنة إحدى وستين ومائة فى جماعة من القواد والعساكر، فالتقوا واقتتلوا فهزموا أصحاب المقنع، فقصد المنهزمون المقنع وهو بسام، فاصلح خندقها وحصّنها، وأقبل معاذ فحاربهم وكان سعيد الحرشى مع معاذ فنافره، فكتب الحرشى إلى المهدى فى معاذ وضمن له أنه إن أفرده بحرب المقنع كفاه، فأجابه إلى ذلك وانفرد الحرشى بحربه، وأمده معاذ بابنه رجاء فى جيش وبجميع ما التمسه منه، وطال الحصار على المقنع فطلب أصحابه الأمان سرا منه، فأجابهم الحرشى فخرج إليه منهم نحو من ثلاثين ألفا، وبقى المقنع فى ألفين وضايقه العسكر، فلما أيقن بالهلاك جمع نساءه وأهله فسقاهم السم فأتى عليهم وأمر أن يحرق هو بالنار لئلا يقدر على جثته؛ وقيل بل حرق كل ما فى قلعته من حيوان وغيره، ثم قال: من أحب أن يرتفع معى فى السماء فليلق نفسه معى فى هذه النار. وألقى نفسه مع نسائه وأهله وخواصّه فاحترقوا، ودخل العسكر القلعة فوجدوها خاوية خالية، وكان ذلك مما زاد فى افتتان من بقى من أصحابه؛ وقيل بل شرب هو من السم فمات وأنفذ

الحرشى رأسه إلى المهدى، فوصل إليه وهو بحلب فى سنة ثلاث وستين ومائة.

نعود إلى بقية حوادث سنة تسع وخمسين. وفيها توفى حميد بن قحطبة عامل خراسان واستعمل المهدى أبا عون عبد الملك. وحج بالناس يزيد بن منصور خال المهدى عند قدومه من اليمن.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.