تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر خلع عيسى بن موسى وبيعة موسى الهادى

قال: كان جماعة من بنى هاشم وشيعة المهدى خاضوا فى خلع عيسى من ولاية العهد، والبيعة لموسى الهادى بن المهدى فسّر المهدى بذلك، وكتب إلى عيسى فى القدوم عليه وهو بقريته الرحبة من أعمال الكوفة، فأحسّ بما يراد منه فامتنع من القدوم عليه، فألحّ المهدى عليه حتى بعث إليه يقول: إنك إن لم تجبنى إلى أن تنخلع من ولاية العهد لموسى وهارون استحللت منك بمعصيتك ما يستحلّ من أهل المعاصى، وإن أجبتنى عوضتك منها بما هو أجدى عليك وأعجل نفعا، فلم يقدم عليه وخيف

انتقاضه، فوجّه إليه المهدى عمه العباس يستدعيه فلم يجب فلما عاد العباس وجّه المهدى أبا هريرة محمد بن فروخ القائد، فى ألف من شيعة المهدى فأشخصوه إليه، فلما قدم عيسى نزل دار محمد بن سليمان، وأقام أياما يختلف إلى المهدى، وهو لا يكلّمه بشىء ولا يرى مكروها، فحضر الدار يوما قبل جلوس المهدى فجلس فى مقصورة الربيع، وقد اجتمع رؤساء شيعة المهدى على خلعه، فثاروا به وضربوا باب المقصورة بالعمد حتى هشموه، وشتموا عيسى أقبح شتم، وأظهر المهدى إنكارا لما فعلوه فلم يرجعوا، فبقوا فى ذلك أياما وكان أشدهم عليه محمد بن سليمان: وكاشفه المهدى وألحّ عليه، فذكر أن عليه أيمانا فى أهله وماله، فأفتاه الفقهاء بما رأوا أنه لا يحنث فأجاب إلى خلع نفسه، فأعطاه المهدى عشرة آلاف ألف درهم وضياعا بالزاب وكسكر، وخلع نفسه لأربع بقين من المحرم وبايع للمهدى ولابنه موسى الهادى، ثم جلس المهدى من الغد وأحضر أهل بيته وأخذ بيعتهم، ثم خرج المهدى إلى الجامع وعيسى معه فخطب الناس، وأعلمهم بخلع عيسى وبيعة الهادى، وبايعهم فسارعوا إلى بيعته، فقال بعض الشعراء:

كره الموت أبو موسى وقدكان فى الموت نجاء وكرم
خلع الملك وأضحى ملبساثوب لوم ما ترى منه القدم

وحجّ المهدى فى هذه السنة بالناس، واستخلف على بغداد ابنه موسى وخاله يزيد بن منصور؛ وفيها نزع المهدى كسوة الكعبة وكساها كسوة جديدة، وكان سبب نزعها أنّ حجبة الكعبة ذكروا له أنهم يخافون على الكعبة أن تتهدم، لكثرة ما عليها من الكسوة فنزعها، وكانت كسوة هشام بن عبد الملك من الديباج الثخين، وما قبلها من عمل اليمن؛ قال: وطلى جدرانها بالمسك والعنبر، وكانت الكعبة فى جانب المسجد لم تكن متوسطة، فهدم حيطان المسجد وزاد فيه زيادات، واشترى الدور

والمنازل حتى صارت الكعبة فى الوسط على ما هى عليه الآن، وحمل من مصر إلى المسجد الحرام أربعمائة وثمانين اسطوانة، وصيّر فيه أربعمائة طاق وثمانية وتسعين طاقا، وجعل له ثلاثة وعشرين بابا، وجعل سلاسل قناديله ذهبا، وجعل ذرعه مكسرا مائة ألف وعشرين ألف ذراع، وقسم مالا عظيما كان معه من العراق، مبلغه ثلاثون ألف ألف درهم، ووصل إليه من مصر ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائتا ألف درهم، ففرق ذلك كله وفرّق مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب، ووسع مسجد رسول الله ﷺ، وألبس خارج القبر المقدس الرخام، وأخذ خمسمائة من الأنصار يكونون حرسا له بالعراق، وأقطعهم بالعراق وأجرى عليهم الأرزاق. وحمل إليه محمد بن سليمان الثلج إلى مكة، وهو أول خليفة حمل إليه الثلج إلى مكة.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.