من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر شىء من سيرته وأخباره (٢)
كان جوادا حازما وصولا يباشر الأمور بنفسه، وكان كثير الولاية والعزل لغير سبب، وردّ على الناس الأموال التى أخذها أبوه. وكان إذا جلس للمظالم قال: أدخلوا علىّ القضاة، فلو لم يكن ردّى للمظالم إلا للحياء منهم. وقال الحسن الوصيف: أصابتنا ريح شديدة أيام المهدى حتى ظننّا أنها تسوقنا إلى المحشر، فخرجت أطلب المهدى فوجدته قد وضع خدّه بالأرض، وهو يقول: اللهم احفظ محمدا فى أمّته، اللهم لا تشمت بنا أعداءنا من الأمم، اللهم إن كنت أخذت هذا العالم بذنبى فهذه ناصيتى بين يديك؛ قال فما لبثنا إلا يسيرا حتى انكشفت الريح وانجلى ما كنّا فيه.
قال الربيع: رأيت المهدى يصلى فى ليلة مقمرة، فقرأ قوله تعالى:
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ
قال: فأتم صلاته والتفت إلىّ وقال: يا ربيع، موسى، فقلت فى نفسى ما هو إلا موسى بن جعفر وكان محبوسا عندى فأحضرته، فقطع صلاته ثم قال: يا موسى إنى قرأت هذه الآية، فخفت أن أكون قد قطعت رحمك، فوثّق لى أنك لا تخرج فوثق له، وخلّى المهدى سبيله.
قال: وبنى المهدى العلمين فى المسعى.
أولاده: موسى الهادى وهارون الرشيد وعلى وعبد الله ومنصور ويعقوب وإسحاق وإبراهيم والبانوقة وعليّة وعباسة وسليمة. ووزراؤه:
أبو عبيد الله معاوية بن عبيد الله الأشعرى ثم يعقوب بن داود بن طهمان ثم نكبه على ما ذكرناه، واستوزر الفيض بن أبى صالح. قضاته: محمد ابن عبد الله بن علاثة، وعافية بن يزيد وكانا يقضيان فى مسجد الرصافة.
حجابه: سلام الأبرش، وقيل إن الفضل بن الربيع حجبه. الأمراء بمصر:
عيسى بن لقمان بن محمد بن حاطب الجمحى ثم صرفه وولى واضحا مولى أبى جعفر المنصور ثم صرفه وولّى أبا صالح يحيى بن داود الحرشى من أهل نيسابور ثم سالم بن سوادة التميمى ثم إبراهيم بن صالح ابن على بن عبد الله عباس ثم موسى بن مصعب من أهل الموصل ثم الفضل بن صالح
الهاشمى. القضاة بها: عبد الله بن لهيعة ثم إسماعيل بن اليسع الكندى الكوفى وهو أول حنفى ولى القضاء بها ثم غوث بن سليمان ثم توفى فولى القضاء المفضل بن فضالة. وكان نقش خاتم المهدى حسبى الله.
قال بعض المؤرخين: والمهدى أول من مشى بين يديه بالسيوف المصلتة والقسى والنشاب والعمد، وأول من لعب بالصوالجة فى الإسلام، وله من الآثار الحسنة فى عمارة المسجد الحرام ومسجد رسول الله ﷺ والاهتمام بذلك ما قدمنا ذكره.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع