من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر بناء سامرّا وهى سرّ من رأى
فى هذه السنة خرج المعتصم إلى سامرّا، وكان سبب ذلك أنه قال:
إنى هاهنا أتخوّف الحربيّة أن يصيحوا صيحة فيقتلوا غلمانى، فأريد أن أكون فوقهم فإن رابنى منهم شىء قاتلتهم فى البر والماء حتى آتى عليهم؛ وقيل كان
سبب ذلك أن المعتصم كان قد أكثر من الغلمان الأتراك، وكانوا لا يزالون يرون الواحد منهم بعد الواحد قتيلا، وذلك أنّهم كانوا جفاة يركبون الدّواب فيركضونها فى الشوارع، فيصدمون الرجل والمرأة والصبى فيأخذهم الأبناء عن دوابّهم فيضربونهم، وربما هلك أحدهم؛ ثم إن المعتصم ركب يوم عيد فقام إليه شيخ، فقال له: يا أبا إسحاق لا جزاك الله عن الجوار خيرا، جاورتنا وجئت بهؤلاء العلوج من غلمانك الأتراك، فأسكنتهم بيننا فأيتمت بهم صبياننا، وأرملت نساءنا وقتلت رجالنا- والمعتصم يسمع كلامه، ولم ير راكبا بعدها أبدا بل صلّى العيد وسار إلى ناحية القاطول ولم يرجع إلى بغداد.
قال: ولما خرج المعتصم من بغداد استخلف بها ابنه الواثق، وكان المعتصم قد اصطنع قوما من أهل الحوف بمصر واستخدمهم وسماهم المغاربة، وجمع خلقا من سمرقند وأشرو سنة وفرغانة وسماهم الفراغنة، وكانوا من ثقاته فتركهم بعده بها.
وكان ابتداء العمارة بسامرّا فى سنة إحدى وعشرين ومائتين، وبنيت فى أسرع مدة وهى على شاطئ دجلة، وقيل إنّه أنفق على جامعها خمسمائة ألف دينار، وانتقل إليها وجعلها مقر خلافته، وقيل إنّه سماها بهذا الاسم لأنّه لما انتقل إليها بعساكره سرّ كل منهم برؤيتها، فسمّاها سرّ من رأى، ولما خرج المعتصم من بغداد نزل القاطول.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع