من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر هرب الأمير أبى الحسن أخى المسترشد بالله وعوده
قال ولما اشتغل الناس ببيعة المسترشد ركب أخوه/ الأمير أبو الحسن ابن المستظهر بالله سفينة ومعه ثلاثة نفر وانحدروا إلى المدائن، وسار
منها إلى دبيس بن صدقة بالحلة فأكرمه دبيس ورتّب له الإقامات الكثيرة. فلما علم المسترشد بالله خبره أهمّه ذلك وأقلقه، وأرسل إلى دبيس يطلب منه إعادته فأجاب «إننى عبد الخليفة وواقف عند أمره وقد استذمّ بى ودخل منزلى ولا أكرهه على أمر أبدا». وكان الرسول نقيب النقباء شرف الدين على بن طرّاد الزينبى، فقصد الأمير أبا الحسن وتحدّث معه فى العود وضمن له كل ما يريد، فأجاب إلى ذلك وقال: إننى لم أفارق خدمة أخى لشرّ أريده، وإنما الخوف حملنى على ذلك، فإذا امّننى قصدته! وتكفّل له دبيس إصلاح الحال والمسير معه إلى بعداد، فعاد النقيب وأعلم الخليفة فأجاب إلى ما طلب ثم تأخّر بعد ذلك ولم يحضر وأقام عند دبيس إلى ثانى عشر صفر سنة ثلاث عشرة. وسار عن الحلة إلى واسط وكثر جمعه وقوى الإرجاف بأمره، وملك مدينة واسط وخيف جانبه، فتقدّم الخليفة المسترشد بالله بالخطبة لولده أبى جعفر المنصور وجعله ولىّ عهده وعمره يومئذ اثنتا عشرة سنة.
فخطب له فى ثانى شهر ربيع الأول ببغداد وكتب إلى البلاد بذلك، وأرسل إلى دبيس فى معنى الأمير أبى الحسن وأنه الآن فارق جواره ومدّ يده إلى بلاد الخليفة وأمره بقصده ومعاجلته قبل فوته. فأرسل دبيس العساكر إليه ففارق واسط وقد تحيّر هو وأصحابه فضلوا الطريق، وصادفتهم عساكر دبّيس فنهبوا أثقاله وهرب الأكراد من أصحابه والأتراك، وعاد الباقون.
وبقى الأمير أبو الحسن فى عشرة من أصحابه وهو عطشان وبيّنه وبين الماء خمسة فراسخ، وكان الزمان قيظا فأيقن بالتلف.
وكان معه بدويان فأراد الهرب منهما فلم يقدر، وأخذاه وقد اشتد به العطش فسقياه الماء وحملاه إلى دبيس فسيره إلى بغداد وسلمه إلى الخليفة بعد أن بذل له عشرة آلاف دينار. وكان بين خروجه وعوده أحد عشر شهرا، ولما دخل على المسترشد بالله قبّل قدمه وقبله المسترشد وبكيا، وأنزله فى دار حسنة كان يسكنها قبل أن يلى الخلافة، وحمل إليه الخلع والتحف وأمّنه.
وفيها نقل الخليفة المسترشد بالله من دار الخلافة إلى الرصاقة، ونقل كلّ من كان مدفونا بها.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع