من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر مقتل الوزير أبى جعفر بن محمد المعروف بابن البلدى
قال: ولما علم الوزير بوفاة الخليفة سقط فى يده وقرع سنّه ندما على عوده، وأتاه من يستدعيه للجلوس للعزاء والبيعة
للمستضىء، فمضى إلى دار الخلافة فلما دخلها صرف إلى موضع وقتل وقطّع وألقى فى دجلة، وأخذا جميع ما فى داره، فرأيا خطوط المستنجد بالله يأمره بالقبض عليهما، وخطّ الوزير وقد راجعه فى ذلك وصرفه عنه.
فندما على قتله.
وفى سنة سبع وستين وخمسمائة أقيمت الدعوة العباسية بالديار المصرية وخطب للخليفة بها، وانقرضت الدولة العبيديّة المنسوبة إلى العلوية بخلع العاضد لدين الله، وكان ذلك على يد السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀ على ما نذكر ذلك مبيّنا- إن شاء الله تعالى- فى أخبار الدولة العبيديّة.
وفيها عزل الخليفة وزيره عضد الدين من الوزارة لأن قطب الدين قايماز ألزمه ذلك فلم يمكنه مخالفة، ثم قصد الخليفة إعادته فى جمادى الأولى سنة تسع وستين فثارت الفتنة بين الخليفة وقايماز.
وأغلق قايماز باب النوبى وباب العامّة وبقيت دار الخلافة محاصرة.
فأجاب الخليفة إلى ترك وزارته فقال قايماز: لا أقنع إلا بخروج عضد الدين من بغداد! فأمر بإخراجه منها فالتجأ إلى صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل وهو شيخ الشيوخ وصار فى رباطه فأجازه، ثم عاد إلى داره فى جمادى الآخرة.
وفى سنة تسع وستين وخمسمائة زادت دجلة فتجاوزت كلّ زيادة كانت ببغداد منذ بنيت إلى الآن بذراع وكسر. وخاف الناس الغرق وفارقوا البلد ونبع الماء من البلاليع، وخرّب كثير من الدور
وغرق البيمارستان العضدى، ودخلت المراكب من شبابكيه وكانت قد تقلعت.
وفيها سقط الأمير أبو العباس أحمد- وهو الذى صار خليفة ولقّب الناصر لدين الله- من قبة عالية إلى أرض التاج ومعه غلام له اسمه نجاح، فألقى نفسه بعده وسلما جميعا فقيل لنجاح:
لم ألقيت بنفسك؟ فقال: ما كنت أريد البقاء بعد مولاى! فرعى له الأمير أبو العباس ذلك فلما صار خليفة جعله شرابيا وحكّمه فى الدولة ولقبه الملك الرحيم عز الدين وخدمه جميع أمراء العراق.
وفيها فى شهر رمضان وقع ببغداد برد كبار ما رأى الناس مثله فهدم الدّور وقتل جماعة من الناس والمواشى، فوزنت بردة منه فكانت سبعة أرطال، وكان عامته كالنارنج يكسر الأغصان، قال ابن الأثير هكذا ذكره أبو الفرج بن الجوزى فى تاريخه والعهدة عليه فيه.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع