من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ايفاع الحكم بأهل طليطلة وهى وقعة الحفرة
قال: وفى سنة إحدى وتسعين ومائة أوقع الحكم بأهل طليطلة، فقتل منهم ما يزيد على خمسة آلاف رجل من أعيان أهلها. وكان سبب ذلك أن أهل طليطلة كانوا قد طمعوا فى الأمراء وخلعوهم مرّة بعد أخرى، وقويت نفوسهم؛ لحصانة بلدهم وكثرة أموالهم، فلم يكونوا يطيعون أمراءهم طاعة مرضية. فلما أعيا الحكم شأنهم أعمل الفكرة. فاستعان بعمروس بن يوسف المعروف بالمولد، وكان قد ظهر فى هذا الوقت بالثّغر الأعلى، وأظهر طاعة الحكم ودعا إليه فاطمأن إليه لهذا السبب. واستقدمه فقدم عليه، فبالغ الحكم فى إكرامه وأطلعه على عزمه فى أهل طليطلة فوافقه عليه.
وكتب إلى أهلها يقول «إننى قد اخترت لكم فلانا وهو منكم لتطمئنّ قلوبكم إليه وأعفيتكم ممّن تكرهون من عمّالنا وموالينا، ولتعرفوا جميل رأينا فيكم» ومضى عمروس ودخل طليطلة فأنس أهلها به واطمأنوا إليه وأحسن/ عشرتهم.
وكان أول ما احتال به عليهم أن أظهر موافقتهم على بغض بنى أمية وخلع طاعتهم، فمالوا إليه ووثقوا به ورضوا بفعله ثم قال لهم: إن سبب الشرّ بينكم وبين أصحاب الأمراء اختلاطهم بكم، وقد رأيت أن أبنى بناء أعتزل فيه أنا وأصحاب السلطان رفقا بكم! فأجابوه إلى ذلك، فبنى فى وسط البلد ما أراد.
فلما مضى لذلك مدة كتب الحكم إلى عامل له على الثغر الأعلى سرّا يأمره أن يرسل إليه يستغيث من جيوش الكفرة، وطلب النجدة والعساكر، ففعل ذلك، فحشد الحكم الجيوش واستعمل عليهم ابنه عبد الرحمن، وجهّز معه القواد والوزراء، فسار الجيش حتى اجتاز مدينة طليطلة فلم يتعرض عبد الرحمن لدخوله إليها. وأتاه وهو عندها خبر العامل على الثغر الأعلى يقول «إن عساكر الكفرة قد تفرّقت وكفى الله شرّها» فوقف العسكر وعزم عبد الرحمن على العود إلى قرطبة فقال عمروس عند ذلك لأهل طليطلة: قد ترون نزول ولد الحكم إلى جانبى، وأنه يلزمنى الخروج إليه وقضاء حقّه، فإن نشطتم إلى ذلك وإلا سرت إليه وحدى! فقالوا: بل نكون معك.
فخرج ومعه وجوه أهل طليطلة فأكرمهم عبد الرحمن وأحسن إليهم، وكان الحكم قد أرسل مع ولده خادما له ومعه كتاب لطيف
إلى عمروس فلقيه الخادم وصافحه وسلّم الكتاب إليه من غير أن/ يحادثه. فلما قرأ عمروس الكتاب رأى فيه كيف تكون الحيلة على أهل طليطلة، فأشار إلى عيون أهلها أن يسألوا عبد الرحمن الدّخول إليه ليرى هو وأهل عسكره كثرتهم وقوتهم ومنعتهم فظنوا أنه ينصحهم، ففعلوا ذلك. وأدخلوا عبد الرحمن البلد، فنزل مع عمروس فى داره، وأتاه أهل طليطلة أرسالا يسلمون عليه، وأشاع عمروس أن عبد الرحمن يريد أن يتّخذ لهم وليمة عظيمة. وشرع فى الاستعداد لذلك وواعدهم يوما ذكره لهم، وقرر أنهم يدخلون من باب ويخرجون من آخر ليقلّ الزحام ففعلوا ذلك! وأتى الناس أفواجا عند الميعاد، فكان إذا دخل فوج أخذوا وحملوا إلى جماعة من الجند على حفرة كبيرة فى القصر فتضرب رقابهم. فلما تعالى النهار أتى بعضهم فلم ير أحدا فقال: أين الناس؟ فقيل له: إنهم يدخلون من هذا الباب ويخرجون من الآخر! فقال: لم ألق منهم أحدا! وعلم الحال فعاد وصاح بالناس وأعلمهم هلاك أصحابه، فكان سبب نجاة من بقى منهم، ودانوا وحسنت طاعتهم بقية أيام الحكم وأيام ولده عبد الرحمن ثم كان منهم بعد ذلك ما نذكره إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع