من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر امارة عبد الرحمن بن محمد
هو أبو المطرّف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، وأمه أمّ ولد اسمها مزنة، وهو الثامن من أمراء بنى أمية بالأندلس.
بويع له بعد وفاة جدّه، فى مستهل شهر ربيع الأول سنة ثلاثمائة.
وقال ابن الرقيق إنه أخ لعبد الله بن محمد، وليس بصحيح! وينقض ذلك عليه أنه قال فيه: ولى وهو ابن أربع وعشرين سنة ووفاة محمد بن عبد الرحمن قبل مولد عبد الرحمن هذا بأربع سنين، وأظنه أشكل عليه أمره، والتبس عليه محمد بن/ عبد الله بجدّه محمد بن عبد الرحمن، والله تعالى أعلم..
قال: ولما ولى عبد الرحمن هذا تلقّب بأمير المؤمنين الناصر لدين الله، وهو أوّل من لقّب بأمير المؤمنين ببلاد الأندلس.
وكان من قبله يسمّون ببنى الخلائف، ويسلّم عليهم ويخطب لهم بالإمرة فقط. وإنما تسمّى هذا بأمير المؤمنين لما بلغه ضعف الخلافة بالعراق فى أيام المقتدر بالله، وظهور الشيعة بالقيروان، ودعاؤهم للمهدى. فكان فى ذلك الوقت ثلاثة خلائف تلقّب كل منهم بأمير المؤمنين؛ فالمقتدر بالعراق، والمهدى بالقيروان، وهذا الناصر بالأندلس.
قال: وولى والأندلس نار تضطرم، وجمرة تتقّد شقاقا ونفاقا، فأخمد نيرانها وسكّن زلازلها، وغزا غزوات كثيرة، وكان يشبّه بعبد الرحمن الداخل. ولم يجد من المال ما يستعين به على مصالح جيشه، فاتفق أن صاحب الدّوجر أغار على قرطبة فى نحو ثلاثمائة فارس فهزمه عبد الرحمن وأسره. فسلّم إليه الحصن بجميع ما فيه فتقوّى به، ثم التقى مع ابن حفصون فى وادى التفاح
بجيّان- وكان ابن حفصون فى عشرين ألف فارس- فهزمه عبد الرحمن وأفنى أكثر من معه قتلا وأسرا.
وبعث إلى المغرب الأوسط، فملك سبتة وفاس وسجلماسة وعمّرها وغزا الروم بعد ذلك اثنتى عشرة غزوة/ حتى دوّخ بلادها، ووضع عليهم [جزية] يؤدونها. وكان فيما شرط عليهم اثنا عشر ألف صانع يصنعون له فى مدينته التى بناها وسمّاها الزهراء، وهى على ثلاثة أميال من قرطبة، أسندها إلى سفح الجبل وساق المياه إليها. وقسمها أثلاثا، فالثلث الذى يلى الجبل لقصوره ومنازله، والثلث فيه دور خدمه وكانوا اثنى عشر ألفا بمناطق الذهب والسيوف المحلاة يركبون لركوبه وينزلون لنزوله، والثلث بساتين تحت مناظره وقصوره. وجلب إليها أنواع الفواكه، قال: ومن غريب ما بناه فيها مجلس مشرف على البساتين مرفوع على العمد مبنى بالرخام المجزّع، مصفّح بالذهب، مرصّع باليواقيت والجواهر. وصنع أمام المجلس بحرا ملأه بالزئبق فكان النور ينعكس منه إلى المجلس، فحضر إليه القاضى بقرطبة الفقيه منذر بن سعيد البلّوطى فقرأ «ولولا أن يكون النّاس أمّة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج
عليها يظهرون» إلى قوله تعالى «والآخرة عند ربّك للمتّقين» فقال له وعظت فأحسنت! وأمر بنزع الصفائح.
قال: وكمل بناء الزهراء فى اثنتى عشرة سنة، بألف بنّاء فى كل يوم، مع كل بنّاء اثنا عشر رقاصا، وسكنها خمسا وعشرين سنة.
وطالت أيام الناصر، وتمكن، واتسعت مملكته./ وكانت وفاته فى ليلة الأربعاء لليلتين، وقيل لثلاث خلت من شهر رمضان المعظم سنة خمسين وثلاثمائة بالزهراء. وحمل إلى مدينة قرطبة، فدفن بها مع أسلافه من بنى أمية. ومولده فى يوم الخميس لتسع بقين من شهر رمضان سنة سبع وسبعين ومائتين، وكان عمره ثلاثا وسبعين سنة، ومدة ولايته خمسين سنة وستة أشهر وأياما.
وكان شهما صارما، لم يزل منذ ولى يستذل المتغلبين حتى خلصت له جميع الأندلس فى خمس وعشرين سنة من ولايته. وكان له من الأولاد الحكم ولىّ عهده، وعبد الجبار، وسليمان، وعبد الملك، وعبيد الله، والمغيرة، ولما مات ولى بعده ابنه (الحكم)
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع