تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر امارة عبد الله بن محمد

هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم ابن هشام بن عبد الرحمن الداخل، وأمه أمّ ولد اسمها عشار، وهو السابع من أمراء بنى أمية ببلاد الأندلس. بويع له بعد وفاة أخيه المنذر فى يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة خمس وسبعين ومائتين، وقيل فى منتصف صفر منها، وذلك فى خلافة المعتمد على الله العباسى.

ولما بويع له كان بالمعسكر على طليطلة فرحل نحو قرطبة، ودخل القصر بها لثلاث بقين من صفر المؤرّخ. قال إبراهيم بن الرقيق: ولما تولّى ألّب ابن حفصون عليه، وحشد كور الأندلس حتى لم ييق منها إلا قرطبة، وأقبل فيمن أطاعه من أهل الكور.

وخرج إليه الأمير عبد الله فى أربعة عشر ألفا من أهل قرطبة خاصة، وأربعة آلاف من حشمه ومواليه. فبرز إليه ابن حفصون فى سفح الجبل وثار له، فلم تكن إلا صدمة صادقة حتى أزالوهم عن مراكزهم.

ودخل ابن حفصون الحصن كأنه يخرج من بقى فيه، فثلم فيه ثلمة أخرج منها أهله وما كان له. فلما انتهى ذلك إلى عسكره ولّوا مدبرين لا يلوى أحد منهم على أحد فقتلوا قتلا ذريعا/ ودخل منهم جماعة فى عسكره فأمر بالتقاطهم وجلس لهم فى مظلة فقتل بين يديه ألف صبرا.

وكانت فى أيامه فتن عظيمة، وكثر قيام الثوّار عليه حتى لم يبق فى يده إلا مدينة قرطبة وحدها. وخالف عليه أهل إشبيلية وشذونه، ولم تبق مدينة إلا خالفت عليه. وعزموا على الدعاء على منابر الأندلس للمعتضد بالله العباسى، فكتبوا إلى إبراهيم ابن أحمد الأغلب يسألونه أن يبعث إليهم رجلا من قبله، فتثاقل عنهم إبراهيم وشغله أيضا اضطراب أهل أفريقية عليه، فأمسكوا عن ذلك! وقلّت رجال عبد الله بن محمد، وذهب من كان يصول به- هو وآباؤه- من مواليهم وأصحابهم، وقلّت الأموال فى يده لخروج أهل المدن وامتناعهم من أداء الخراح إليه. وكان خراج الأندلس

الذى يؤدّى إلى آبائه ثلاثمائة ألف دينار فى كلّ سنة، فكانوا يعطون رجالهم وخدمهم مائة ألف دينار، وينفقون فى أمورهم ونوّابهم وجميع ما يعرض لهم مائة ألف، ويدّخرون مائة ألف. فلما امتنع أهل مدن الأندلس من أداء الخراج إليهم رجعوا إلى تلك الذخائر ينفقونها، واتصلت عليهم الحروب خمس عشرة سنة فنفدت ذخائرهم واحتاجو للقروض! وكانت أيامه على هذه الحال إلى أن توفى، وكانت وفاته/ فى يوم الثلاثاء غرة شهر ربيع الأول سنة ثلاثمائة، وعمره سبعون سنة إلا شهورا، ومدة ولايته خمس وعشرون سنة ونصف شهر وكان مستبدا بآرائه، مخالفا لنصحائه، ليّن الجانب جدا. بلغ من لينه أنّ ابنه مطرّفا قتل أخاه محمد بن عبد الله والد الناصر فلم ينكر عليه ذلك، بل قال له: قد سوّغتك قتل أخيك فالله الله فى ابن أمية (يعنى وزيره) فإنك إن قتلته قتلتك به! ثم حذّر ابن أمية من مطرّف، وكان مطرّف قد عزم على خلعه فلم يمكنه ذلك لمكان ابن أمية، فعمل عليه حتى قتله. ولما مات عبد الله ولى بعده ابن ابنه عبد الرحمن.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.