من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر أخبار ناصر الدولة
هو أبو محمد الحسن بن أبى الهيجاء عبد الله بن حمدان ابن حمدون. لما قتل والده كان يخلفه بالموصل وأعمالها، فتقدم في خدمة الدولة العباسية، وتنقل في الولايات إلى أن تولى الموصل في أيام الراضى بالله، وتغلب عليها في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة
لما ضعفت الدولة العباسية، فندب ابن مقلة الوزير إليه عمه أبا العلاء سعيد بن حمدان، وولاه الموصل، وأمره بالقبض على ناصر الدولة، فلما قرب من الموصل، خرج ناصر الدولة لتلقيه، فخالفه سعيد، ودخل البلد [ونزل] داره، وقبض على خزائنه، فبلغه الخبر فرجع عجلا، ودخل الدار، وقبض على عمه، وأمر بعض الغلمان بعصر مذاكيره، فعصرت حتى مات، وذلك في شهر رجب سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، فاتصل الخبر بابن مقلة، فتجهز في العساكر الخليفية، وسار من بغداد إلى الموصل لخمس خلون من شعبان، وكان ناصر الدولة لدهائه ومكره لا يصافف من يقصده، فلما بلغه خبر مسير بن مقلة، رفع أمواله وخزائنه وحرمه إلى قلعة الموصل، وجعل فيها من خواص غلمانه من يدفع عنها، ثم خرج من الموصل فى عسكره، وأخرج معه كل تاجر في البلد، ولم يترك بالموصل علوفة ولا قوتا إلا رفعه إلى القلعة، فوصل الوزير بن مقلة إلى الموصل، وهى بهذه الصفة، فأقام بحال سيئة، وبعث بالعساكر مع على بن خلف بن طيّاب فى طلب ناصر الدولة، فسار خلفه ودخل ناصر الدولة إلى أرمينية، فعاد ابن طياب ولم يتبعه، وطال المقام على ابن مقلة، ونفدت الأقوات، فقلد الموصل لعلى بن خلف، وقلد جزيرة ابن عمر لما كرد الدّيلمى، وقلد عبد الله بن أبى العلاء المقتول والده نصيبين وعاد إلى بغداد، وانتهى الخبر إلى ناصر الدولة، فخرج من أرمينية، وقد أطاعه سائر ملوكها وجبى خراجها، وقصد الجزيرة
وبها ما كرد، فكاتب ما كرد من كان مع ناصر الدولة من الأمراء، ووعدهم عن الوزير ابن مقلة، فاستأمنوا إليه، وفارقوا ناصر الدولة، فانفصل عن الجزيرة كالمنهزم وراسل على بن أبى جعفر الديلمى وهو مع على بن خلف بالموصل، ووعده الجميل والإحسان إليه، فأفسد من مع ابن طياب، ووصل ناصر الدولة إلى الموصل ودخلها، فاستأمنوا إليه، وخرج بن طياب هاربا في ليلة الأربعاء لاثنتى عشرة ليلة خلت من ذى القعدة سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، ثم جهز ناصر الدولة الجيوش مع على بن أبى جعفر إلى الجزيرة لقتال ما كرد، وإخراجه منها، فلما قرب منها، فارقها ما كرد وسار إلى نصيبين، واستنجد بأبى ثابت العلاء بن المعمر، فجمع له، العرب وأنجده، فكتب علىّ لناصر الدولة بالخبر بأخيه سيف الدولة على بن عبد الله، وأمر على بطاعته، ثم سار ناصر الدولة بنفسه تابعا لأخيه وقاتل ما كرد وأبا ثابت، فقتل أبو ثابت، وهرب ما كرد إلى الرقة، وانهزمت بنو حبيب بعد مقتل أبى ثابت إلى بلاد الروم وتنصروا إلى الآن، واستقامت مملكة الموصل، وديار ربيعة، ومضر لناصر الدولة، وفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة خرج الخليفة الراضى بالله، ومعه بجكم طالبا الموصل، فأخرج ناصر الدولة جيشه مع ابن عمه الحارث بن سعيد، فلما التقى الجيشان، وقع في جيش ناصر الدولة أنه استأمن، فانهزموا إلى
ناصر الدولة، فدخل الموصل في ليلة الجمعة لليلتين بقيتا من المحرم، وصلى الجمعة، ثم خرج من الموصل، ودخلها بجكم يوم السبت، وسار ناصر الدولة إلى الخالدية ثم رحل منها يريد برقعيد، وبقى بها جماعة من أهله، ووافى بجكم الخالدية، فأوقع بهم وخرج أبو وائل وتمادى الأمر على ذلك، ثم وقع الصلح على مال بذله الحسن، وعاد ناصر الدولة إلى الموصل لليلتين خلتا من شهر ربيع الآخر منها، واستمر إلى سنة ثلاثين وثلاثمائة، والله أعلم بالصواب.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع